الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / موسم الهجرة إلى الشمال .. مستمر في مصر

موسم الهجرة إلى الشمال .. مستمر في مصر

محمد عبد الصادق

” هناك خلل أصاب الشخصية المصرية في العقود الأربعة الماضية جعلها غير راضية ولا قانعة بما تجود به الأرض والسماء , كما أن تعاقب الأزمات الاقتصادية ومحدودية الموارد دفع المصريين للغربة للبحث عن الرزق بعيداً عن ديارهم , قديماً لم تكن الهجرة من أحلام المصريين , وكان الفلاح المصري لا يغادر قريته إلاّ للحج أو لزيارة أضرحة أولياء الله الصالحين , كان طموحه أن يمتلك بيتاً يؤويه وقطعة أرض يزرعها حتى لو أجيراً , وقبراً يحتويه عندما يحين الأجل.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم ترق آرائي التي وردت في مقالي الأخير عن استقرار الأوضاع في مصر ـ لكثير من الأهل والأصدقاء , ووصل رد الفعل ببعضهم للتهكم عليّ ومطالبتي بعدم السفر للخارج مجدداً والجلوس بجوارهم مادامت “العيشة في مصر تروق ليّ” , وبلغ ضيق البعض بما ورد بمقالي عن استيعاب مصر للجميع أن نعتني بلفظ “سيساوي” أي من أتباع السيسي , ولهؤلاء جميعاً أقدم اعتذاري وأعترف أنني كنت في إجازة بعد غياب طويل وأن شهادتي مجروحة , وأقر وأعترف أنكم أدرى مني بحقيقة الأوضاع في مصر لأنكم القابضون على الجمر وأهل مكة أدرى بشعابها.
لم تكد قدماي تغادر أرض الوطن , إلاّ وتنامت إلى مسامعي أنباء غرق سفينة رشيد التي راح ضحيتها 203 قتلى من الشباب الصغير الذين قضوا غرقاً قبالة السواحل الشمالية في مسعاهم لعبور المتوسط والوصول للشواطئ الأوروبية , وتبين أن صاحب السفينة حملها بأكثر من 400 راكب رغم أن حمولتها لا تزيد عن 150, وأنه حصل على 30ألف جنيه مصري من كل راكب “حوالي 400دولار أميركي” , وأغلب الضحايا من أولاد الفلاحين والصيادين الفقراء الذين باعوا أثمن ما يملكون من أرض وحليّ أو استادنوا ورهنوا بيوتهم لتدبير هذا المبلغ لتجار البشر ؛ أملاً في سفر أبنائهم لأوروبا والحصول على فرصة عمل تمكنهم من إرسال الأموال اللازمة لتأسيس منزل أو شراء قطعة أرض ترفع من شأنهم وتؤمن لهم مستقبلاً أفضل , ولكن تبدد الحلم في قاع المتوسط وتحولت قرى الضحايا بدلتا النيل إلى مأتم كبير وهي تستقبل الجثامين.
هناك خلل أصاب الشخصية المصرية في العقود الأربعة الماضية جعلها غير راضية ولا قانعة بما تجود به الأرض والسماء , كما أن تعاقب الأزمات الاقتصادية ومحدودية الموارد دفع المصريين للغربة للبحث عن الرزق بعيداً عن ديارهم , قديماً لم تكن الهجرة من أحلام المصريين , وكان الفلاح المصري لا يغادر قريته إلاّ للحج أو لزيارة أضرحة أولياء الله الصالحين , كان طموحه أن يمتلك بيتاً يؤويه وقطعة أرض يزرعها حتى لو أجيراً , وقبراً يحتويه عندما يحين الأجل .
كان العامل المصري مثالاً للمهارة والاتقان والصبر على التعلم لاكتساب الخبرة والتميز لتطوير صنعته ونقل ما تعلمه لمساعديه , وكان يرفض العروض التي تأتيه للسفر للأستانة والدول الأوروبية مفضلاً العيش في بلده , كل ذلك تبدل مع دخول مصر عصر الانفتاح في منتصف سبعينيات القرن الماضي وشيوع الخصال الاستهلاكية وتراجع الزراعة والصناعة وظهور السمسرة والمكسب السريع , حالة الفوضى هذه دفعت الفلاح لأن يبيع أرضه والصانع لأن يحول ورشته إلى مقهى أو مطعم ويشق طريقه في متاهات الغربة .
كانت الهجرة في البداية إلى العراق وليبيا ودول الخليج الغنية , ولكن مع سقوط بغداد والحرب الأهلية في ليبيا واتجاه دول الخليج لليد العاملة الآسيوية الرخيصة , تحولت البوصلة إلى أوروبا وتحديداً إيطاليا واليونان , وبدأت أعداد المهاجرين إلى أوروبا تزداد مع ازدياد معدلات الباحثين عن العمل في مصر بعد 25يناير وإغلاق آلاف المصانع أبوابها وتراجع حركة السياحة إلى الصفر , ولم تفرق الأزمة بين متعلم وحاصل على أعلى الشهادات وبين من لا يجيد القراءة والكتابة .
بعدما توقفت الدولة عن التوظيف, وسط أبناء الطبقة الراقية وأولاد المتنفذين على الوظائف سواء في الحكومة أو القطاع الخاص, لا نستطيع أن نلوم شبابا يبحث عن مستقبله وتحقيق أحلامه بالزواج والمسكن لأنه فكر في الهجرة غير الشرعية , ووقع في يد عصابات تجارة البشر التي استغلت حالة الإحباط التي يعيشها الشباب , ودفعتهم لخوض رحلة الموت في سفينة متهالكة لا تصلح للاستخدام الآدمي .
للأسف الشديد الدولة المصرية أهملت الأقاليم وحذفتها من قائمة اهتماماتها طوال العقود الماضية , حتى تحولت إلى مدن بدون مياه ولا صرف صحي وطرق مكسرة , محرومة من خدمات التعليم والصحة والترفيه , وتسبب هذا في حركة نزوح مستمرة من الأقاليم إلى العاصمة بحثاً عن فرص العمل والحياة الأفضل ولكن للأسف لم يجد هؤلاء إلاّ الوظائف الدنيا فتحولوا إما لباعة جائلين أو امتهان المهن التافهة التي بالكاد تلبي الحد الأدنى لاستمرار الحياة , ولم يجدوا أماكن آدمية يقيمون فيها سوى المناطق العشوائية , حتى أنهم سكنوا المقابر وعشش الصفيح , وتحولت القاهرة لمدينة قبيحة مثقلة بأكثر من عشرين مليون نسمة ثلاثة أرباعهم يعيش في مناطق عشوائية محرومة من الخدمات .
لم تكن مأساة السفينة رشيد الأولى ولن تكون الأخيرة طالما استمرت حالة اللامبالاة وانعدام المسؤولية وإفلات المتسببين في مثل هذه الكوارث, وقبل سنوات غرقت السفينة سالم إكسبريس وراح ضحيتها ألف قتيل , وظل الضحايا ثلاثة أيام غارقين في مياه البحر الأحمر ولم يهب لنجدتهم مسؤول.
تعرضت أسر ضحايا مركب رشيد لحملة هجوم عنيفة من بعض المسؤولين وتعرضوا للسخرية والاستهزاء على مواقع التواصل الاجتماعي , من أناس يجهلون معاناة هؤلاء البسطاء فهم لا يعرفون كيف يعيشون وما يتعرضون له من كل ألوان المهانة وامتهان الكرامة بسبب فقرهم وقلة حيلتهم فمعظمهم أميون لا يقرأون ولا يكتبون وقد أكل الجهل والإهمال سنوات عمرهم , وهداه تفكيره وخبرته المتواضعة أن يرحل ويحاول تغيير واقعه الصعب حتى لو مات بين الأمواج ربما تكون أرحم عليه من زمن صعب وواقع أليم لم يرحم فقره وحاجته , لا يستقيم أن نلعن الضحية ونتغافل عن مساءلة الجلاد الذي مازال حراً طليقاً ينتظر ضحية جديدة ينقض عليها , طالما أفلت من العقاب.

كاتب صحفي مصري
Mohamed-abdelsadek64@hotmail.com

إلى الأعلى