الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نُذُر ما بعد إخفاق الاتفاق

نُذُر ما بعد إخفاق الاتفاق

علي عقلة عرسان

” إن لكل من الدولتين الشريكتين، أو الراعيتين، حساباتها، وأهدافها، والتزاماتها، واستراتيجياتها، التي لا تفرط بها، ولا تتنازل عنها أو عن بعضها.. ولذا فإن نُذُر الحرب تطغى على الآمال بالسِّلم، والحلول العسكرية تطحن الحلول السياسية، بأمر من الساسة الذين يرون أن المفاوضات السياسية امتداد للحرب بصورة أخرى، ويرون أن العكس صحيح أيضاً، فهم في الحرب ومن عشاقها؟!. ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَعلنت واشنطن، يوم الاثنين ٣/١٠/٢٠١٦ عن توقف الاتصالات بينها وبين موسكو، وتعليق الاتفاق الذي كان بينهما، فيما يتعلق بسوريا، أو بالأحرى إلغاؤه، لأن صبرها نفد، ولأن الروس لم يفوا بالتزاماتهم، ولأن الثقة أصبحت معدومة بينهما. وهكذا آل الأمر، في هذه الحالة، إلى اعتماد الطرفين للحل العسكري، الذي كانا يقولان ” أو يتظاهران” باستحالته ورفضه، بدلاً من الاستمرار في المناورات السياسية، التي كانت مظلة لعسكرة على الأرض، ولحرب بالوكالة لم تهدأ. لقد تم قطع الاتصال بين الطرفين، وأسفت موسكو لهذا، ولم تعلن واشنطن مثل هذا الأسف عليه من جانبها. ولكن بقي التنسيق قائماً بينهما، بشأن القوى الجوية العاملة في سوريا، وهي قوى جوية بالدرجة الأولى، لكل منهما.. وهذا تنسيق بدأ، كما هو معروف، مع بداية التدخل العسكري الروسي في سوريا، ٣٠ سبتمبر ٢٠١٥.
إن هذا أمر له مع مابعده، ولكنه ليس جديداً بالمطلق، فقد كان الإعداد والاستعداد للحل العسكري قائماً على الأرض، بينما يتلهَّى العالم، أو يُلهَّى، بالاتصالات السياسية، والمحادثات، والاجتماعات، لا سيما بين الوزيرين كيري ولافروف. وأضحت الهوة بين الطرفين إلى اتساع، لأن الروس كانوا قد تمكنوا أكثر من الأميركيين، في سوريا، وبصورة أسرع منهم، وبسبب من شرعية لتدخلهم وفرتها سوريا، وقدمت لهم تسهيلات كبيرة، ذلك لأنهم تدخلوا بطلب رسمي من سوريا، ولأنهم بادروا مسرعين حتى لا يقعوا في خديعة أميركية أخرى، بعد ما كان من ذلك في العراق وليبيا، ولأن سوريا تعني لهم أكثر.
كان التدخل الروسي منذ البداية: لتعزيز قوة الجيش العربي السوري، ولإنهاء الأزمة، وبقاء الدولة، والقضاء على الإرهاب. وقالوا مؤخراً: “لو لم نفعل ذلك لدخلت داعش دمشق، ورفرفرت الرايات السوداء فيها.”، كما صرح بذلك أكثر من مسؤول روسي. وفي ذلك الوقت، أُعلِن أيضاً أن وجود القواعد والقوات الروسية في سوريا مرتبط بتحقيق الأغراض المعلَنة بشأن التدخل، وأنه مؤقت، وأنها سوف تُغادر عندما تُنهي مهامَّها.
وفي ظل التطورات الأخيرة المتسارعة، بين واشنطن وموسكو، ورجَحَان كفة الحسم العسكري، في العلن هذه المرة .. دعا أوباما المسؤولين في وكالة الأمن القومي بفروعها كافة، إلى البحث عن خيارات عسكرية بما ذي ذلك ما أطلق عليه سابقاً الخطة “ب”، والتلويح بذلك الخيار. ولمَّحَت واشنطن إلى ما يمكن أن يُعتبر أو يشكل، تحذيراً أو تهديداً لروسيا، مثل قيام المسلحين بعمليات إرهابية في موسكو، ودعت المعارضات السورية بأطيافها إلى القتال.. فردت روسيا على ذلك الذي رأت فيه تهديداً أميركياً لها:”بأن زلزلة ستقع في الشرق الأوسط كله، إن هاجمت واشنطن دمشق.”، أو.. إلخ.
في يوم الثلاثاء ٤/١٠/٢٠١٦ صرح مصدر روسي لسبوتنيك:”الدوما قد يصدق الجمعة، على اتفاقية بين موسكو ودمشق، حول وجود دائم للقوات الجوية الروسية في سوريا.”.؟! لم يكن هذا مثيراً، ولا جديداً.. فمنذ تهيئة قاعدة حميم الجوية قرب اللاذقية، وإضافة قواعد روسية أخرى، جوية وبحرية، في الساحل”طرطوس وجبلة”، وقرب حمص.. كان واضحاً أن هذا يتجاوز الأزمة السورية وحلها، وأنه قرار بوجود قواعد دائمة، سبق أن تمت الدعوة لإقامتها، وكان الأمر واضحاً بأنها ليست مؤقتة.
الأميركيون يعملون عسكرياً في سوريا، وسياسياً وعسكرياً مع الدول المتحالفة معهم، ومع من يستخدمونهم على الأرض: إنهم يسلِّحون، ويقيمون قواعدهم العسكرية، الجوية وغير الجوية، في شمال شرق سوريا، ويوسعونها، ويعززون مواقعهم القتالية البرية، ومواقع “حلفائهم”أيضاً.. وهم يدمرون الجسور على نهر الفرات، تلك الواصلة بين غرب النهر وشرقه، بين الشامية والجزيرة. بين الجزيرة والشامية، ويدمرون كذلك بُنى تحتية .. في فعل عسكري -استراتيجي، واستعداد لما يُعدّون العدة له، من تقسيم لسوريا، أو تقاسم للوجود والنفوذ فيها. وهذه التطورات والاستعدادات، تشكل أكثر من نُذُر شُؤم، بل إنها نُذُرُ جحيم قد ينفتح في أنحاء مختلفة من سوريا، إضافة إلى الجحيم المستمر التوقد فيها، وفي حلب من مدنها خاصة. فالكل يُعِدُّ ويستعد، وكلٌّ من الدولتين العُظميين، وتحالفاتهما ومن يعمل بإمرتهما كتحصيل حاصل، لن تقبل بأن تنفرد إحداهما في الشأن السوري. وقد قال ممثل روسيا في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين ذلك بصراحة، لا تخفي التلميح بما يشبه التهديد:”لا يمكن أن نقبل بإجراءات أميركية أحادية الجانب في سوريا.”.. والإجراءات التي أشار إليها تشوركين هنا، شاملة لأنواع التصرف والتحرك، العسكري والأمني والسياسي.
والتطورات التي أشرنا إليها، وما قد تنطوي عليه، وما تسفر عنه تفاعلاتها، وترجمتها إلى أفعال:عسكرية بالدرجة الأولى، وسياسية أيضاً، تشملُ سوريا، والمنطقةَ، والدولَ والقوى المعنية بكل ما يجري فيها، وبكل التطورات التي تتصل بها.. ستُغيِّر الكثير في مجريات الأحداث على الأرض السورية خاصة، وفي المنطقة عامة.. فبعد أن كانت معارضات في سوريا تختلف مع جبهة النصرة وتقاتلها، أخذ بعضها الآن يقاربها أو ينضم إليها. وقد قال الروس للأميركيين ذلك، على لسان غينادي غاتيلوف، نائب وزير الخارجية:”المعارضة في سوريا تعزز تحالفها مع تنظيم “جبهة النصرة ” الإرهابي، وهذا أصبح واضحاً “/٣ أكنوبر ٢٠١٦ /؟! ولهذا وجه من الصحة، ولكن هناك هوامش تسجل على ذلك، نختصرها بهامشين اثنين:
الهامش الأول:أن جبهة النصرة، قبل أن تعلن انفصالها عن القاعدة، وتتسمَى “فتح الشام”، كانت موضوع خلاف بين الشريكين، من حيث تنفيذ عدم استهداف الأميركيين لها بالقصف الجوي، كما قال الروس. فقرار الراعيين أو الشريكين، أو اتفاقهما، الذي شمل النصرة بالاستهداف، بوصفها منظمة إرهابية، ظل موضوع خلاف بين الدولتين، وبقي موضوع رفض مؤثر من حلفاء الولايات المتحدة الأميركية لذلك التصنيف، لأنها، كما قالوا، ليست مثل داعش، ولأنها تقاتل النظام. ولطالما اشتكت روسيا من عدم توجيه الأميركيين ضَربات للنصرة، ولم تكف الولايات المتحدة عن التصريح بأنها تعتبرها فرعاً للقاعدة، مهما غيرت لونها، وأن واشنطن لا تهادن القاعدة. ولكن على أرض الواقع كانت هناك مؤشرات مختلفة. ثم إنه لم يتم الفصل المطلوب، أو المتفق عليه بين الشريكين، بين النصرة وفصائل معارضة أخرى، وُصِفَت بالمعارضة المعتدلة. وكانت الولايات المتحدة الأميركية تَتَّهِم روسيا، بأنها تستهدِف المعارضة المعتدلة، بينما كانت روسيا تطالب شريكها الأميركي، بتنفيذ فصل المعارضة المعتدلة عن النصرة، وبتسليمها خرائط تحدد مواقعها على الأرض، ولوائح بأسماء قادتها، وتتهمها بأنها لا تفعل إمَّا تواطؤاً، وإمَّا لأنها لا تستطيع السيطرة على المرتبطين بها. وهذا المطلب بتفصيله قد عبَّر عنه نائب مدير إدارة العمليات الرئيسية في رئاسة أركان القوات الروسية الجنرال فيكتور بوزنيخير، الذي قال:“الجانب الأميركي لم يقدّم بعد معلومات دقيقة عن مواقع المعارضة المعتدلة، وسلّمنا فقط قائمة بأسماء الفصائل التي تدار من قبلهم، من دون ذكر مناطق انتشارهم، ولا أسماء قادتهم الميدانيين”. وقد ورود هذا المطلب الذي في الاتفاق بين الدولتين، أثار شركاء أميركا، وأثار أيضاً أطرافاً أميركية في الداخل. وكان من بين أهم عوامل الاختلاف وتطوراته، التي أدت إلى فشل الاتفاق أو إلغائه.
الهامش الثاني:أن الاتفاق الذي تم بين الراعيين، أو الشريكين، وأُعلن عن جوانب منه، وبقيت فيه ملاحق أو فقرات سرية لم يُعلن عنها، حتى أمام مجلس الأمن الدولي.. تضمن اتفاق الطرفين على التوجه إلى فصائل أخرى، مختلَف على تصنيفها “إرهابية أو غير إرهابية”، للقضاء عليها، بعد القضاء على داعش والنصرة “فتح الشام”. وهو ما جعل الكثير من الفصائل المتعاطفة مع النصرة، وتلك المصنفة “معتدلة”، تشعر بأنها مستهدَفة أيضاً بالتدريج، على أرضية التصريحات المعلنة سابقاً، القائلة:إن كل من يحمل السلاح على الدولة، هو إرهابي، ويجب القضاء عليه”. ولهذا السبب من جهة، ولأن دولاً حليفة للولايات المتحدة تتبنى هذه الفصائل، وبعضها يتبنى النصرة أيضاً، ولا يراها إرهابية، بل يراها القوة الأكبر التي تحارب النظام، وأنه ينبغي عدم مقاتلتها من قبل الولايات المتحدة الأميركية على الأقل، من جهة أخرى.. فإن كل هذا أدى إلى تقارب فصائل معتدلة مع النصرة، وانضمام فصائل أخرى إليها، كانت تراها صديقة. وهكذا اختلطت أوراق، كما اختلطت أمور كثيرة، حتى على من ينوي أن يفصل ويفصِّل، بصدق طوية وحسن نية؟!وهذا كله بتقديري تقع معظم مسؤوليته على الراعيين، وربما كانت مسؤولية الراعي الروسي أوضح، لأنه كان يقصف فصائل مسلحة من دون تمييز بينها، لأسباب قد يكون من بينها عدم القدرة على ذلك التمييز المطلوب.
إن القادم من الأحداث، ينذر بخطر شديد، وبتطوير للحرب وتصعيد لها. ولا أظن أن الأمم المتحدة ستفلِح، حسب تقديري، وأرجو أن أكون مُخطئاً، في أن تتابع عملية الحل السياسي، كما أعلَنت.. لأن ليس بمقدورها أن تفعل ذلك من دون اتفاق الدولتين الأعظم، وتوافقهما على خطة، يحترمها وينفذها كل منهما بصدق، والتزام، وأمانة، وفاعلية. واتفاقهما المطلوب يحتاج أولاً إلى ثقة بينهما. والثقة تبتعد حتى قال كل منهما عنها :”إنها مفقودة”، ويحتاج ذلك أيضاً إلى نوايا حسنة، ومعالجة ملفات أخرى يعلقها كل منهما على الملف السوري، وإلى تفاهم كل منهما مع حلفائه، وضبط المتعاملين معه. ولا يبدو أن هذه الأمور، أو هذه التوجهات قائمة الآن، إو هي على جدول أعمال ما.. بل عكس ذلك هو الذي يَفْعَل ويُفَعَّل، ويحرك الساحة السورية والإقليمية، ومعنيين دوليين بهذا كله، وبما يدور في سوريا وعليها. إن لكل من الدولتين الشريكتين، أو الراعيتين، حساباتها، وأهدافها، والتزاماتها، واستراتيجياتها، التي لا تفرط بها، ولا تتنازل عنها أو عن بعضها.. ولذا فإن نُذُر الحرب تطغى على الآمال بالسِّلم، والحلول العسكرية تطحن الحلول السياسية، بأمر من الساسة الذين يرون أن المفاوضات السياسية امتداد للحرب بصورة أخرى، ويرون أن العكس صحيح أيضاً، فهم في الحرب ومن عشاقها؟!.
ويبقى الشب السوري، وتبقى سوريا.. هما من يشقى، ويُذبَح، ويدفع الثمن: دماً، ودماراً، وحصاراً، وجوعاً، وقهراً، ورعباً، وتشرداً في أرجاء المعمورة.. فيا له كم احتَمَل وكم سيحتمِل.. ويا لهم أطفال سوريا، مستقبلها المغموس في البؤس والقهر والرعب واليأس.. كان الله في عون أطفالنا، الذين يصرخون من تحت الردم طلباً لإنقاذ، والذين ينامون في الطرقات بلا بيت ولا دفء ولا رحمة، والذين يبحثون عن لقمة، وقلب حنون، فلا يجدون.
وأنت يا سوريا الحبيبة، بلدي الأعز، لك الله، فأنت، ونحن شعبك العظيم المظلوم، وتاريخك الحضاري العريق.. أنت ونحن، لا تستحقين ولا نستحق، مثل هذا المصير.. فلك ولنا الله، ونسأله الفرج.

إلى الأعلى