الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المصريون … في انتظار جودو !!

المصريون … في انتظار جودو !!

فوزي رمضان
صحفي مصري

” .. المشهد الأكثر عبثية أن يسبح نظام الحكم ضد التيار وعكس جميع الاتجاهات، يتخطى كل حاضر المصريين بكل مايحمله من إحباط ويأس ويقفز إلى مستقبلهم فهو يؤمن بنظرية النفس الطويل مشاريع عملاقة تؤتي أكلها بعد حين، مشاريع تستوعب تمدد عدد السكان وتضمن مستقبلا افضل للاجيال القادمة، ومع ذلك لايطيق البعض معه صبرا، بل يكيل اليه انتقادات لاذعة ويسفه له كل إنجاز ويحقر كل تقدم ويصغر له كل قيمة.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعتقد ان الكاتب الايرلندي صاموئيل بكيت عندما كتب مسرحيته العبثية (في انتظار جودو) لم يتوقع مطلقا أن يسطر المصريون حاليا واقعا اكثر بكثير من عبثية ولامنطق شخوص مسرحيته، التى يتلخص محتواها في شخصين معدومين ومحبطين يقفان على أرض قاحلة جدباء في انتظار شخص آخر يدعى ( جودو) ليخلصهما من حالة اليأس والضياع والاحباط، ويغير حياتهما الى الافضل، وفى لحظة استسلام للزمن والواقع لاشئ يحدث ولا احد يجئ .. ولم يأت جودو مهما طال الانتظار. وكحال المصريين سنين طوال فى انتظار جودو المنقذ لمعيشتهم من العوز والحاجة والقادر أن يبدل حياتهم الى الافضل والذى يستطيع ان يقيم لهم دولة العدل والحق والقانون والمساواة …………… ولكن لم يصل حتى الآن
ثورتان خلال عامين الاولى قامت للتخلص من الظلم والفساد وسوء العيش والاخرى للتصحيح من عبثية جماعة تجهل الحكم هدفها الاوحد اخضاع بلد بحجم مصر لسطوة مرشدهم وتنظيمهم الدولي بل تسببت عن عمد فى تقسيم المصريين وخلق حالة العداء بينهم، خمسة أعوام مرت عليهم من يوم إلى اخر يزداد الوضع سوءا فمن غلاء فاحش يضيف يوميا إلى قائمة الفقراء فئات جديدة، الى تردٍ واضح فى معظم الخدمات الحكومية.
واذا كانت عبثية صموائيل بكيت تحدثنا عن شخصين كليهما فى انتظار جودو. ينطبق نفس الحال على المصريين (حكومة وشعب) كليهما في انتظار جودو الذي لم يأت حتى الان الحكومة المصرية تقف على أرض حبلى بالمشاكل والمعوقات، تقتحم الواقع المتردي بجواد أعرج وتواجه فسادا يحتاج جيوش العالم لمحاربته، حكومة تدير الدولة بعقلية تقليدية متكلسة فى الروتين والتخلف تدير اقتصادا ريعيا قائما على المعونات والتبرعات وإلغاء الدعم وتكبيل الشعب بمزيد من الضرائب، فى انتظار معجزة من السماء ، ( فى انتظار جودو )الذي لم يصل حتى الان.
وحتى البطل الاخر المتمثل فى الشعب تخطى عبثية انتظار جودو إلى عبثية توفيق الحكيم فى مسرحيته ( ياطالع الشجرة هاتلى معاك بقرة). الغالبية تريد من الحكومة كل شيء بدون أن تعمل اى شيء. تئن من الفساد وتشارك فيه، وتصرخ من غلاء الاسعار ومن يتحكم منهم فى سلعة او خدمة ينهش الاخر، يتحدثون كثيرا عن فشل الحكومة فى كبح جماح الدولار، وقطاع ليس بالقليل يتاجر فيه وقطاع اخر يحرمها من وصول تلك العملة الى بنوكها الرسمية. يتحدث البعض عن القيم والفضيلة والاخلاق وسلوكهم لا ينم عن ذلك، قطاع كبير لايعمل فى القطاع الحكومى بنفس جدية الخاص والجميع متساو في الشكوى من ضيق ذات اليد ومرارة العيش على الرغم من يقترب من الواقع يرى غير ذلك احيانا. المشهد عبثي بكل المقايس. انعدام الثقة فى الاخرين وصعوبة الحل .. جعل الكثير يجلس على مقاهى المحروسة ( فى انتظار جودو) الذى لم يأت بعد.
الجميع فى مصر على نفس مشهد عبثية الاتنظار، الاخوان المسلمون ومن يتعاطف معهم فى انتظار عودة مجدهم وحلمهم التاريخي في التربع على عرش مصر وعودة شيخ عشيرتهم محمد مرسي الى كرسي الحكم مرة اخرى والانتقام والتشفي في قادة الحكم الحالي ويعدون العدة وما استطاعوا من قوة للعودة المنتظرة، يشاركهم نفس الانتظار رجال الدولة العميقة من رجالات حكم ماقبل ثورة 25 يناير2011 لينقضوا على الدولة ليعيثوا فيها الفساد كسابق عهدهم، اما شباب المحروسة فرغ صبرهم في انتظار جودو ويرغبون فى شد الرحال الى جودو نفسه وفى عقر داره منهم من ضحى بحياته فى سبيل هجرة غير شرعية محفوفة المخاطر الى بلاد الفردوس المفقود عسى ان يغير حاله المتردى ويعوض مافاته من عمر ضائع فى انتظار اللاشيء ويعود لمستقره اما بحصاد سعيه واما بتابوت جثته ومنهم من يتسلق شجرة توفيق الحكيم بالفعل ويأتي بالبقرة يفشل وينجح ومنهم من ينتظر جودو على فراشه، يلعن وينتقد ويشتم ويسب فى الدولة وينتظر أن تأتي اليه بجودو مكبلا بالاصفاد حتى عقر داره.
والمشهد الاكثر عبثية ان يسبح نظام الحكم ضد التيار وعكس جميع الاتجاهات، يتخطى كل حاضر المصريين بكل مايحمله من احباط ويأس ويقفز الى مستقبلهم فهو يؤمن بنظرية النفس الطويل مشاريع عملاقة تؤتى اكلها بعد حين، مشاريع تستوعب تمدد عدد السكان وتضمن مستقبلا افضل للاجيال القادمة، ومع ذلك لايطيق البعض معه صبرا، بل يكيل اليه انتقادات لاذعة ويسفه له كل انجاز ويحقر كل تقدم ويصغير له كل قيمة.
ويزداد المشهد قمة اللامنطق واللامعقول بل قمة العبثية عندما يتحول معظم الشعب الى نقاد ومحللين وخبراء استراتيجيين ونشطاء سياسيين، وعلماء فى كل فروع المعرفة ويتجادلون فى طائرات الرافال والغواصات البحرية ومنظومة الصواريخ، ويدلوا بدلوهم فى الخطط الاستراتيجية والاسرار القومية، كل شيء مباح للكلام والفتوى واصدار الاحكام، غابة من الغوغائية والسفسطة والجدلية كل ذلك يحدث وهم على نفس المسرح والخلفية ارض تقترب من البوار والخراب، وعندما يتجمد الواقع وتشل ارادة البشر وتشيب الابدان وتذبل، وعندما يبتلى شعب بالجدل و تحقير ذاته وتسفيه كباره، وعندما يجاهر بخراب وطنه ودمار موطنه، لمجرد اختلاف الهدف ومن ثم يجلس بعد ذلك منتظرا (جودو) فان (جودو) لن يأتى ابدا , حتى وإن أتى سيكون بعد فوات الاوان وخراب مالطة.

فوزي رمضان
كاتب صحفي مصري
FAWZI_1958@YAHOO.COM

إلى الأعلى