الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بزنس الإرهاب

بزنس الإرهاب

د.احمد مصطفى

”.. مع تراجع التفاؤل الكبير بأن تنقذ التكنولوجيا الاقتصاد العالمي، بخلق أنماط استهلاك جديدة لمبتكرات غير مسبوقة من روبوتات ذكية إلى تطبيقات تسويقية، تعود الأمور إلى أصولها ويصبح التفكير المنطقي أن حل مشكلة العالم الاقتصادية المزمنة يتطلب حربا.. ليست حربا مثل هذه الحروب الصغيرة التي نشهدها الآن في دول المنطقة، بل حربا أوسع نطاقا وأكثر كثافة…”

أتذكر أنه بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 على نيويورك وواشنطن ظهرت أعمال جديدة تماما لم تكن موجودة من قبل بلغت عائداتها وأرباحها مليارات الدولارات وكان لنائب الرئيس جورج بوش الابن ـ ريتشارد (ديك) تشيني ـ النصيب الأكبر من تلك الشركات. وأصبح هناك قطاع مهم في الاقتصاد العالمي يتعلق بأعمال “الأمن والحماية” وشهدت أغلب مطارات العالم ومنافذ الحدود تجديدا لمعداتها واستخدام معدات جديدة للتفتيش والتدقيق. وما زال هذا “البزنس” قائما، وإن ضعف النمو في هذا القطاع عما كان عليه في السنوات الأولى التي تلت 2001. كما أن تلك الشركات الجديدة بدأت تنفد أفكارها في ابتكار معدات أمنية جديدة، مثل أجهزة الأشعة التي تعري البشر تماما أو غيرها، لكن العالم لم يطور بعدا محركا ودافعا لبزنس جديد.
وحين دخل العالم في أزمة مالية في 2008 تأثر بزنس مكافحة الإرهاب مثل بقية القطاعات، لكنه ربما كان الأقل تأثرا بتبعات الأزمة. إلا أن الركود في الاقتصاد العالمي استمر أطول مما هو متوقع ولم تفلح السياسات الاقتصادية والنقدية للدول الرئيسية في إنعاش النمو الاقتصادي العالمي بالقدر المناسب. وبات العالم في حاجة إلى ما هو أكبر من شركات انتاج أجهزة الأشعة للمطارات ومراكز الحدود، وحسب تجارب التاريخ لم يعد هناك ما يخرج الاقتصاد العالمي من كبوته المستمرة سوى حرب. بالطبع هناك حروب متفرقة هنا وهناك، أغلبها في منطقتنا للأسف من سوريا والعراق إلى اليمن وليبيا، لكنها لا تكفي لإنعاش مصانع السلاح وتجارة الموت. وطال الرهان على شركات التكنولوجيا، والحروب الالكترونية، كي تنعش الاقتصاد العالمي دون نتائج مؤثرة.
ربما لهذا يجد الجميع، خاصة القوى الكبرى، أن من مصلحتهم ومصلحة النظام العالمي تضخم الإرهاب وتطور القاعدة إلى داعش وربما جماعات أشد بشاعة وتشظيات مختلفة تتسع رقعتها في مساحة أوسع من منطقتنا. وللأسف هناك رصيد كاف من الجماعات التي خرجت من عباءة تنظيم الإخوان وغيره من التوجهات السلفية والأصولية يوفر الأدوات ولا يتبق سوى السلاح والذخيرة التي تشغل مصانع الدول المصدرة والمتاجرة بمسببات الموت. وإذا جاز التشبيه والتعبير، فإن بزنس الإرهاب إذا أخذناه على شكل رسم بياني ارتفع منحناه من 2001 إلى 2007 ثم استقر لفترة مع تذبذبات هبوط نتيجة الأزمة المالية العالمية ومنذ 2010 أخذ في الصعود قليلا مع اندلاع الاحتجاجات وقمعها والحروب الأهلية في منطقتنا. لكن ذلك ليس كافيا كي يستمر منحنى بزنس الإرهاب في الارتفاع.
ومع تراجع التفاؤل الكبير بأن تنقذ التكنولوجيا الاقتصاد العالمي، بخلق أنماط استهلاك جديدة لمبتكرات غير مسبوقة من روبوتات ذكية إلى تطبيقات تسويقية، تعود الأمور إلى أصولها ويصبح التفكير المنطقي أن حل مشكلة العالم الاقتصادية المزمنة يتطلب حربا.. ليست حربا مثل هذه الحروب الصغيرة التي نشهدها الآن في دول المنطقة، بل حربا أوسع نطاقا وأكثر كثافة ترفع ميزانيات الدفاع في الاقتصادات الكبرى وتشغل الصناعات العسكرية وتنشط التجارة في المعدات القاتلة والنارية … الخ. من الصعب طبعا تصور حرب بين الصين واليابان مثلا تدخل فيها الولايات المتحدة وروسيا كأطراف متصارعة، فتلك حرب عالمية ثالثة بكل المعايير. كما يصعب تصور اندلاع صراع مماثل في اوروبا (أوكرانيا مثلا) يعيد أجواء الحرب الباردة بسخونة نار الحرب، فتلك أيضا حرب عالمية ثالثة أيضا.
بغض النظر عما يبدو من خلاف بين موسكو وواشنطن فيما يتعلق بالوضع في سوريا، إلا أن الروس والأمريكان ـ ومعهم الأتراك وبقية القوى التي كانت مختلفة مع بعضها استراتيجيا ـ متفقان على “مكافحة الإرهاب”. وإضافة إلى سوريا، هناك العراق ليبيا واليمن وغيرهم ولربما نشهد في الأيام القادمة اشتعالا إرهابيا هنا أو هناك في أوروبا أو آسيا مثل ما حدث في باريس أو نيس أو بروكسل. أو نشهد تواترا لعمليات تنسب للقاعدة أو داعش في دول آسيوية من الفلبين إلى ماليزيا أو اندونيسيا أو غيرها. وهنا يتسع “تحالف مكافحة الإرهاب، ليشمل أغلب دول العالم بشكل فاعل وليس من قبيل المجاملة أو ذرا للرماد في العيون كما يحدث من بعض أطراف التحالف الحالي.
يظل الرهان على بزنس الارهاب ليس فقط لانعاش الاقتصاد العالمي أو حتى لتفادي أزمة مقبلة يمكن أن تكون طاحنة وأشد وطأة من أزمة 2008/2009 وإنما أيضا بما يسهم في إخراج العالم من حالة “الميوعة” التي يمر بها منذ نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي رغم الحديث كل فترة عن “نظام عالمي جديد” وعن “فوضى خلاقة” وما شابه. ويحار المرء هل هو حظ منطقتنا أم نكبتها أن كل الرهانات ـ وخيبات الأمل ـ العالمية تتركز عليها وفيها. أتذكر أن كثيرين في مصر يرددون دوما أن “قدر مصر أنها تقع في هذه البقعة وتحتل تلك الأهمية الاستراتيجية” لتبرير كل ما تمر به البلاد من أزمات وصراعات تكون طرفا فيها أو في داخلها حتى. ولست أدري إن كان يمكن سحب ما يقال عن مصر على المنطقة كلها، وكأن هذا قدرها ولا فكاك لها منه ـ للأسف حتى دون أن تستفيد ولو قليلا من بزنس الإرهاب.

إلى الأعلى