الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: التداعيات الاجتماعية للبريكست

في الحدث: التداعيات الاجتماعية للبريكست

طارق أشقر

على الرغم من أن التأثيرات الاقتصادية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست) هي التي نالت الاهتمام الأكبر للاقتصاديين، خصوصا بعد ظهور اوائل تلك التأثيرات بما تعرض له الجنيه الاسترليني من هبوط لم يسبق له مثيل على مدى ثلاثين عاما مضت، الا ان التداعيات الاجتماعية لعملية البريكست قد تكون الأصعب على بريطانيا في الأيام المقبلة.
وقد بدأت تلك المخاوف تأخذ طريقها إلى وسائل الاعلام البريطانية المقروءة والمسموعة، متناولة ومستعرضة ما كشفت عنه ممارسات البعض من مؤيدي البريكست القيام بسلوكيات صنفها الاعلام البريطاني بأنها قد تضر باللحمة الاجتماعية الداخلية ببريطانيا، مع الخوف من أن تتجه نحو اظهار نعرات العنصرية ورفض الآخر، وهي مفاهيم سبق ان تجاوزتها أوروبا منذ مئات السنين، اي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومنذ الانتصار على الفاشية والنازية. فأصبحت اوروبا وبينها بريطانيا مصدر اشعاع لمفاهيم انسانية اخرى كالعدالة والمساواة والحرية والخ.
ورغم أن ما كشفت عنه العديد من الحوارات التي أجرتها هيئة الاذاعة البريطانية مؤخراً مع بعض البريطانيين ذوي الاصول غير البريطانية تشير بوضوح الى ان ما وصفه الاعلام البريطاني بظهور موجة من الكراهية تجاه الأجانب يتركز بالدرجة الأولى تجاه الاوروبيين من مواطني دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، الا ان تلك الظاهرة اثارت حالة من التوجس والخوف بين المهاجرين من ذوي الاصول العربية والافريقية والاسيوية وخصوصا المسلمين منهم، وذلك في وقت تسود فيه حالة من الاسلامفوبيا اي الخوف من الاسلام في كافة أنحاء اوروبا.
وبما أن الدوافع وراء اختيار غالبية البريطانيين لخيار الخروج من الاتحاد الاوروبي اغلبها اقتصادية بالدرجة الاولى، فضلا عن الخوف من تدفقات المهاجرين الذين غزوا اوروبا ان صح التعبير واضعين بريطانيا والمانيا في قمة الوجهات المفضلة لهم، فيصبح الخوف على الوظائف وفرص العمل المرموقة هو السبب الأكبر كما يرى المراقبون وراء ما سماه الاعلام البريطاني بموجة الكراهية ضد الآخر خصوصا الاوربيين، وذلك باعتبار ان الاوروبي لربما يكون متكافئا او متساوياً في الخبرات والمهارات مع البريطاني الأصل، الا انه يقبل بمخصصات مالية أقل من البريطاني، مما يؤثر بالنتيجة على نصيب البريطانيين في الوظائف، وهو ما دفع الكثيرين إلى التصويت لصالح البريكست.
اما المهاجرون من الدول العربية والاسيوية والافريقية المتأثرة بالصراعات الداخلية والتي تعاني من عدم الاستقرار، فإن النظرة لهم مختلفة، وتنصب بشكل اساسي في محور الخوف من الاسلام، خصوصا وان بعض الهجمات المرفوضة في بريطانيا وغيرها من الدول الاوربية تبنتها جماعات تستخدم في توصيفها وتعريفها لنفسها كلمة الاسلام. وعليه سواء كان الرفض للمهاجرين من الدول الاوروبية الأخرى، او من دول اسلامية، فإن مجرد بروز هذه الظاهرة التي وصفها الاعلام البريطاني بموجة الكراهية ضد الآخر، فإن الأمر برمته يعتبر اثراً اجتماعيا بليغاً اعتبره المراقبون بأنه بداية للتداعيات الاجتماعية لخروج بريطانيا من دول الاتحاد الأوروبي.
وبذلك وكيفما كانت هذه الظاهرة التي يمكن اعتبارها من الظواهر الاجتماعية المحلية اي الخاصة بالمجتمع البريطاني، ولربما يتصدى لها الاجتماعيون في بريطانيا ضمن التدابير العامة التي ستتخذها بريطانيا نواة الامبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، خصوصا وان ذلك الارث التاريخي والسياسي اثر بالضرورة في التركيبة الاجتماعية للمجتمع البريطاني المتنوع، والذي ما زال يتسم بروح الوحدة والانصهار وسيادة مفهوم العدالة الاجتماعية بين مكوناته، الا ان تسليط الاعلام البريطاني الضوء على ما سماه ببوادر الكراهية ضد الآخر ، يمكن اعتباره مؤشراً او مدعاة لمن هم ما زالوا يرون في اوروبا الجنة المبتغاة لكل من عانى الاضطهاد وهضم الحقوق في القارة الافريقية او الاسيوية او غيرها . … فالأحرى بأولئك المهاجرين وحكوماتهم ايلاء متطلبات الاستقرار الداخلي الاهتمام الأكبر ليعيشوا في اوطانهم ويسهموا في بنائها.

إلى الأعلى