الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: الابتكار ليس رفاهية وإنما حاجة وضرورة تنموية

رأي الوطن: الابتكار ليس رفاهية وإنما حاجة وضرورة تنموية

تعد الحاجة إلى البحث العلمي من الحاجات الملحة في الحياة المعاصرة، حيث دخل العالم وتحديدًا القوى الكبرى والصناعية المتقدمة في منافسة محمومة، يدفعها إلى ذلك هاجس التفوق والتقدم والسيطرة، والتغلب على مشاكلها الداخلية، وباتت الرغبة في الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المعرفة والعلوم عاملًا موجِّهًا ودافعًا قويًّا، باعتبارها المدخل السليم إلى التنمية وعمليات الإنتاج، وتحقيق الرفاهية للشعوب، وضمان تفوقها وتقدمها على نظيراتها. فالبحث العلمي هو المجال الحيوي الذي في مناخه ستتحرك عجلة العلم، وستثرى العقول، وتستغل وتوظف التوظيف الصحيح، ما جعل الدول توليه الكثير من الاهتمام، وسخرت إمكانات كبيرة وكل ما يحتاجه من متطلبات سواء كانت مادية أو معنوية.
السلطنة أدركت منذ فترة ليست قصيرة أهمية البحث العلمي ودوره في رفد التنمية بما تحتاجه من معرفة علمية تعمل على تنفيذ برامجها وتحقيق أهدافها، وحددت في هذا الصدد الأولويات لنجاح ذلك، ولعل أهم تلك الأولويات تعزيز البرامج المتعلقة بالتنمية البشرية والرعاية الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع الارتقاء بمستويات الأداء في القطاعات الاستثمارية، والاستمرار في توسيع فرص التعليم بصفته الرافد الأساسي في إمداد مختلف حقول الإنتاج بالعقول والسواعد التي تحفظ للتنمية زخمها واستمراريتها، حيث يظل العنصر البشري والاهتمام به يتصدر قائمة أولويات النهضة المباركة. وفي هذا الصدد تتكامل جهود الجهات المعنية بحفز برامج التنمية كي ترسخ واقعًا إنتاجيًّا في السلطنة يستجيب مع المخططات والطموحات التي تحدونا للعمل بجد ومثابرة للوفاء باحتياجات الأسواق المحلية، وأخذ مكان للمنتج العماني يليق به في الأسواق الخارجية، وجعل التنمية الصناعية في بلادنا تركز على أنواع الصناعات التي تتواءم مع الظروف والمتغيرات الإيجابية التي تكتنف حركة النهوض الصناعي محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا، وتتوزع خطط التنمية الصناعية في بلادنا على أكثر من صعيد بحيث يتم دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة والحرفية من جهة والصناعات الكبرى كالثقيلة والتحويلية، وتنمية المشاريع الفردية والصغيرة وتشجيع مشاريع البحث والتطوير والابتكار من جهة أخرى.
وفي إطار التحفيز والتشجيع على تحسين الإنتاج ورعاية المواهب والابتكارات من خلال إيجاد بيئة بحثية علمية حاضنة، يأتي توقيع اتفاقية إنشاء مركز بحث وتطوير في مجال استخلاص النفط الثقيل والتي وقعها أمس مجلس البحث العلمي ممثلًا في مجمع الابتكار مسقط مع شركة الاستخلاص المعزز للنفط وذلك بفندق جراند ميلينيوم مسقط.
وحسب القيمين والمعنيين، فالمركز بمثابة مؤسسة تهدف إلى تقديم خدمات فنية ذات تقنيات عالية وحديثة لتطبيق الحلول المتقدمة للتحديات التي تواجه عمليات التنقيب واستكشاف واستخراج الطاقة وخاصة النفط والغاز في السلطنة. والهدف من إنشائه تعزيز قطاع الطاقة وتحديدًا النفط والغاز في ظل الظروف الاقتصادية الحالية ليكون أكثر تنافسية على المستويين الإقليمي والعالمي، حيث سيسهم المركز في تعزيز وتطوير قطاع النفط والغاز وتوفير مختلف التقنيات المستقبلية عبر الاستجابة للمتغيرات وتقبل الأفكار الجديدة والابتكار، بالإضافة إلى فرص تدريب وصقل وتوظيف الكوادر العُمانية ذات المؤهلات العلمية العالية، فضلًا عن المساهمة في دعم وتنشيط الاقتصاد المحلي وتنمية القوى العاملة الوطنية لتوجيه القطاع النفطي نحو آفاق من النجاح والاستدامة.
إن الابتكار لم يعد رفاهية؛ فنحن اليوم بحاجة أكبر من أي وقت مضى لتحفيز روح الابتكار في شبابنا، وصناعة بيئات محفزة له في مجتمعنا، وتشجيع جامعاتنا ومدارسنا لترسيخ منهجيات البحث والتحري والاستكشاف لدى الأجيال الجديدة والدفع بقطاعاتنا الحكومية والخاصة لاستكشاف مساحات جديدة من أجل تطوير اقتصادنا، وجعل البحث العلمي ثقافة عامة لدينا؛ فالأمم لا تقاس بكم ما تمتلكه من أموال أو موارد أو قوة، وإنما تقاس بما تتميز به من أفكار مبتكرة تضعها دومًا في المقدمة، بل أصبح هناك دول تقوم ميزانيتها على ما تقدمه للبشرية في كافة القطاعات من أبحاث علمية، وهذا ما دفع السلطنة في ظل بحثها الدؤوب عن التنويع الاقتصادي، حيث الخطط المفعمة بالطموح تتجه إلى جعل مجمع الابتكار يعتمد على نفسه بعد 7 سنوات من بدء تشغيله من الناحية المالية، وتشجيع رواد الأعمال وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وخريجي الجامعات على البحث والتطوير، وتوفير ما يقارب ثلاثة آلاف وظيفة للشباب العماني من درجة البكالوريس والماجستير والدكتوراه خلال السنوات العشر من عمله.
على أن تكريم أصحاب المواهب والابتكارات ودعم مشاريعهم البحثية يتكامل مع الهدف من إنشاء مجمع الابتكار، بل يأتي في صميم إنشائه، لما تمثله هذه المشاريع البحثية وخاصة ذات الأهمية والحاجة من دور ورافد في عملية التطوير والإنتاج، وتقدم السلطنة ورقيها في سلم البحث العلمي وبراءات الاختراع، والإعلان عن فوز 9 مشاريع بحثية بالجائزة الوطنية للبحث العلمي وتكريم 6 بحوث طلابية خلال الملتقى السنوي الثالث للباحثين الذي نظمه مجلس البحث العلمي أمس يعكس مدى اهتمام السلطنة بهذا الجانب، ونشر ثقافة البحث العلمي في السلطنة وتشجيع الباحثين على إبراز أنشطتهم البحثية في شتى المجالات. إن هذه المشاريع والابتكارات بقدر ما تمثل إضافة في رصيد منجزات النهضة المباركة، بقدر ما تمثل طموحًا يجب تحقيقه بالاستمرار في الابتكار والاختراع وعمليات البحث، ومضاعفة عدد المشاريع والابتكارات، ومضاعفة الاهتمام بعملية التعليم من حيث المنهج والمعلم والطالب.

إلى الأعلى