الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / يوم عاشوراء

يوم عاشوراء

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني
أيها القراء الأعزاء:
قال الله تعالى في كتابه الكريم:(والفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر، هل في ذلك قسم لذي حجر).
قيل المراد بالعشر هي العشر الأول من المحرم الحرام لفضائل هذا الشهر وما أعد للصائم فيه من الأجر, قال الله تعالى:(إن عدة الشهور عندالله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم..).
والمراد بالشهور الهجرية التي يعتد بها المسلمون في عباداتهم التي أولها المحرم وآخرها ذو الحجة, وقوله تعالى:(في كتاب الله)، يعني: اللوح المحفوظ, وقوله تعالى: (منها أربعة حرم) هي: رجب الفرد وذو القعدة وذوالحجة ومحرم واحد فرد وثلاثة سرد, وقوله تعالى:(ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ..), بفعل المعاصي وترك الطاعات, أو في الأشهر الحرم إذ الظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن, قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما:(إن الحسنات فيها تضاعف كتضاعف السيئات)، وقال غيره: إنما قيل في المحرم شهر الله لتعظيمه والاعتناء بزيادة شرفه وذلك لأنه جعله حراماً لا يحل فيه قتال ولا سفك دم ولذا ورد في بعض الأحاديث:(شهر الله الأصم لأنه لا تسمع فيه قعقعة السلاح , وإنما لم يطلق ذلك على غيره من الأشهر الحرم لأن فيه ـ والله أعلم ـ يوم عاشوراء ولذلك أقسم تعالى بفجره, قال بعض المفسرين: أراد بالفجر فجر أول يوم من المحرم , وروي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(أفضل الصوم بعد رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم)، قال بعض العلماء: ويستحب صيام التاسع والعاشر, أما التاسع فمذهب ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ إنه هو عاشوراء ,لأن العرب تقول: وردت الإبل عشراً إذ وردت اليوم التاسع, وأما عاشوراء ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قدم المدينة فرأى اليهود يصومونه ويقولون: هذا يوم عظيم, نجى الله سبحانه وتعالى فيه موسى ـ عليه السلام ـ وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه شكرا فنحن نصومه, فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (فنحن أحق وأولى بموسى منكم)، فصامه وأمر بصيامه. وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر رجلاً من أسلم أن أذن في الناس (من كان أكل فليصم).. يعني بقية يومه, (ومن لم يأكل فليصم,فإن اليوم عاشوراء)، وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: ما رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) صام يوماً يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم ـ يعني عاشوراء ـ وهذا الشهر ـ يعني رمضان ـ وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(صوم عاشوراء يكفر العام الذي قبله)، وعن بعض السلف قال: إن نوح ـ عليه السلام ـ ومن معه في السفينة صاموا يوم عاشوراء فهو يوم عظيم فينبغي أن يفعل فيه ما يمكن من الخير، وروي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(من وسع على عياله وأهله يوم عاشوراء وسع الله تعالى عليه في سائر سنته)، قال بعض العلماء: كانوا يعظمون ثلاثة أعشار: العشر الأخيرة من رمضان, والعشر الأول من ذي الحجة, والعشر الأول من المحرم وإنها هي التي أتم الله تعالى بها ميقات موسى ـ عليه السلام ـ أربعين ليلة, قالوا: وينبغي استفتاح العام بتوبة نصوح تمحو ما سلف من الذنوب السالفة في الأيام الخالية.
إخوتي وأخواتي في الله: اختلف أهل الشرع في تعيين يوم عاشوراء فقيل هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية, وقيل هو اليوم التاسع, فعلى الأول فاليوم مضاف إلى الليلة الماضية, وعلى الثاني هو مضاف إلى الليلة الآتية, واحتج القائلون باليوم التاسع ما رواه ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: لما صام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله, إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال:(فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع)، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال بعض العلماء في معنى هذا الحديث: إن ما هم به من صوم التاسع يحتمل أنه لا يقتصر عليه بل نضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطاً له وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح كما يشعر به صدر الحديث, ويؤيد ذلك حديث ابن عباس مرفوعاً: صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود , صوموا يوماً قبله ويوماً بعده.
أيها القراء الأعزاء: لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أول أمره يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشئ ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان, ولما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام وقويت شوكته أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا وصوم عاشوراء من ذلك فإنه وافقهم أولا وقال:(نحن أحق بموسى منكم)، ثم أحب مخالفتهم فأمر أن يضاف يوم قبله و يوم بعده خلافا لهم وعلى هذا فصوم يوم عاشوراء على ثلاث مرات: أدناها أن يصام وحده, وفوقه أن يصام التاسع معه, وفوقه أن يصام معه التاسع والحادي عشر, قال بعض العلماء: قوله (صلى الله عليه وسلم): لأصومن التاسع يحتمل أمرين أحدهما أنه أراد جعل العاشر إلى التاسع, والثاني: أراد أن يضيفه إليه في الصوم, فلما توفي (صلى الله عليه وسلم) قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين. وكان ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يوالي بين اليومين خشية أن يفوته, وقيل إنه كان يقول: صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود.
وهنا تبرز نقطة هامة يجدر أن نشير إليها وهي أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يسعى دائماً في بناء شخصية المسلم المتميزة عن غيره ليكون له الاستقلال التام في جميع الأحوال, فإن سبب ضعف المسلمين اليوم وانتصار الأعداء عليهم هو لما هزموا أولاً نفسياً وصاروا يتبعون كل ناعق ويقلدون غيرهم في كل شيء ونبذوا دينهم وراء ظهورهم فالله المستعان.
إخوتي وأخواتي الكرام: إن من صام يوم عاشوراء فله عندالله أجر كبير وثواب عظيم, يحصل له شيئان: يكفر الله عنه ذنب خمس سنين, ويعطى ثواب من أعتق عشر رقبات مؤمنات, يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من صام يوم عاشوراء كان كفارة لستين شهراً, وعتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل عليه السلام).
وإنما خص الحديث المؤمنات لكونها أعظم أجراً وأكثر ثواباً, إشعاراً لنا بعظيم ثواب صائمه وجزيل الأجر الذي يتلقاه, ومهما اختلف العلماء في تعيين صوم يوم عاشوراء فالمسلم الكيّس الذي يحب الخير ويسارع إليه يختار صوم أعلى المراتب من المراتب الثلاث في صوم يوم عاشوراء وهو يوم قبله ويوم بعده احتياطاً وخلافاً لليهود, كما يسارع إلى اغتنام الفرص لتكون له خير زاد يلقاه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

إلى الأعلى