الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نظرية العمل في المذاهب الإسلامية (1 ـ 5)
نظرية العمل في المذاهب الإسلامية (1 ـ 5)

نظرية العمل في المذاهب الإسلامية (1 ـ 5)


صالح الحوسني: الإسلام ينبذ حياة الكسل ويحرم الاستجداء من القادر على الكسب والعمل رفعاً لشأن المسلم من الوقوع في ذل السؤال وتوجيهاً له إلى طريق العزة والكرامة النظرية الفقهية هي بناء علمي ينتظم خلاله مجموعة من القضايا المتشابهة والمتجانسة في مجموعة موضوعية واحدة الفرق بين العمل والفعل هو أن الفعل يدلّ على إحداث شيئ من العمل وغيره، وهذا يدلّ على أنّ الفعل أعمّ من العمل

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:) نظرية العمل في المذاهب الإسلامية( .. للدكتور صالح بن سعيد بن هلال الحوسني.
يستهل الباحث في بداية بحثه بقوله: اهتم الإسلام بموضوع العمل، فهو قرين الإيمان بالله تعالى، كما قال تعالى:(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً)، ومن هنا فقد جاء الإسلام موجها أتباعه لضرورة العمل في شتى الميادين المختلفة مما هو مشروع، لإجل القيام بوظيفة الإستخلاف في هذه الأرض وتعميرها بالصالح من العمل المثمر البناء الذي يعود بالصلاح والمنفعة على البشرية جمعاء.
وقال: ان العمل بشقيه الآخروي والدنيوي مطلوب من الإنسان، فالتبتل والتنسك، والانقطاع عن الدنيا بدون عمل مثمر نافع، ليس من شأن المؤمنين الموفين، بل على العكس تماماً، فإننا نجد الإسلام ينبذ حياة الكسل والدعة والبطالة، ويحرم الاستجداء من القادر على الكسب والعمل، رفعا لشأن المسلم من الوقوع في ذل السؤال وتوجيها له إلى طريق العزة والكرامة.
موضحاً بقوله: ان هذه الورقة البحثية تعالج عدة محاور حول نظرية العمل في الإسلام بمدارسه المختلفة، والتي لا نجد بينها كثير خلاف حول الثوابت التي تقررها من الضوابط التي تراعى حول موضوع العمل .. وقد جاء الحديث فيها في أربعة مباحث، وهي أولاً: تحديد المقصود بالمصطلحات، وثانيا موقف الإسلام من العمل، والثالث: عقد العمل في الإسلام، والرابع: عمل المرأة والصبي في الإسلام، وتضمن البحث خاتمة بأهم نتائج البحث، والتوصيات، وأخيرا اهم المصادر والمراجع التي اعتمد عليها الباحث، ورغم أن البحث مترامي الأطراف إلا أنه ما لا يدرك كله لا يترك جله فقد حاولت الوقوف على الكثير من القضايا من غير استقصاء في الكثير من المسائل المتعلقة به لأن طبيعة الأوراق البحثية لا تحتمل الكثير من التفصيل، متمنياً أن أكون قد وفقت فيما قصدته، والله يتولانا برحمته، فمنه كل خير وهداية، وبيده أمر كل شيء، والحمد لله على توفيقه وتيسيره.
وحول المبحث الأول (تحديد المصطلحات) قال: أولاً: مفهوم النظرية، هي لغة مشتقة من النظر، وهو تأمل الشيء بالعين، ونظير الشيء مثله، والنظري: وهو الذي يتوقف حصوله على نظر وكسب واستدلال، والنظرية هي: فرض علمي يربط عدة قوانين بعضها ببعض، ويردها إلى مبدأ واحد يمكن أن نستنبط منه حتما أحكاماً وقواعد، والنظر: هو الفكر في قوة الدلالة من الوجه الذي يدل منه الدليل، وهو الطريق المثمر المؤدي إلى العلم الصحيح، وهذا النظر يستلزم من الناظر أن يكون عاقلا مميزا، بجانب معرفته الطرق الموصلة إليه، وألا يكون مقلداً، اما اصطلاحاً فالنظرية هي: موضوعات فقهية، أو موضوع يشتمل على مسائل فقهية، أو قضايا فقهية، حقيقتها أركان وشروط وأحكام تقوم بين كل منها صلة فقهية، تجمعها وحدة موضوعية تحكم هذه العناصر جميعاً، ويعرف الدكتور الزحيلي النظرية بقوله: معناها المفهوم العام الذي يؤلف نظاماً حقوقياً موضوعياً تنطوي تحته جزئيات موزعة في أبواب الفقه المختلفة، كنظرية الحق، ونظرية الملكية، ونظرية العقد، ونظرية الأهلية، ونظرية الضمان، وعلى هذا فالنظرية الفقهية هي تصور كامل لموضوع فقهي يتحدد فيه مفهومه وأركانه، وشروطه وأنواعه، وكل ما يتعلق به من مسائل في وحدة موضوعية متكاملة، فمثلا نظرية العقد تشمل كل ما يتعلق بفكرة العقد من بيوع وإيجارات، وشروط العاقد وكل ما كان داخلاً في الموضوع بطريقة متكاملة شاملة، وهو بهذه الطريقة أمر مستحدث طريف، استخلصه العلماء المعاصرون الذين جمعوا بين دراسة الفقه الإسلامي، ودراسة القانون الوضعي خلال احتكاكهم وموازنتهم بين الفقه والقانون، وبوبوا المباحث الفقهية على هذا النمط الجديد وأفردوا المؤلفات على هذه الشاكلة، فالفقه الإسلامي في مراجعه القديمة لا توجد به نظرية عامة للعقد ـ مثلاً ـ فهو يتعرض العقود المسماة عقدا عقداً، وعلى الباحث أن يستخلص النظرية العامة للعقد من بين الأحكام المختلفة لهذه العقود المسماة، فيقف عند الأحكام المشتركة التي تسري على الكثرة الغالبة من هذه العقود، ويزيد الموضوع ايضاحاً الدكتور مصطفى الزرقا مبيناً معنى النظرية بقوله: .. ومعنى النظريات تلك الدساتير والمفاهيم الكبرى التي يؤلف كلٌ منها نظاماً حقوقياً موضوعياً منبثاً في الفقه الإسلامي.. وتحكم عناصر ذلك النظام في كل ما يتصل بموضوعه شعب الأحكام، وذلك كفكرة الملكية وأسبابها، وفكرة العقد وقواعده ونتائجه، وفكرة الأهلية وأنواعها ومراحلها وعوارضها، وفكرة النيابة وأقسامها.
مشيراً الى ان ما سبق عرضه يتبين لنا أن النظرية الفقهية هي بناء علمي ينتظم خلاله مجموعة من القضايا المتشابهة والمتجانسة في مجموعة موضوعية واحدة، تم استخلاصها من أبواب الفقه المختلفة، وهو أسلوب محدث اقتبسه المشتغلون في الفقه الإسلامي من الباحثين في مجالات الحقوق والقانون بطريقة عصرية مفيدة.
وحول مفهوم العمل قال: العمل لغة: العين والميم واللام أصلٌ واحد صحيح، وهو عامٌ في كل فِعْلٍ يُفْعَل، قال الخليل: عمل يعمل عملاً فهو عامل، واعتمل الرّجل إذا عمل بنفسه، والعمالة أجر ما عمل، والعملة: القوم يعملون بأيديهم ضروبا من العمل حفرا أو طيّا أو نحوه، وقيل العمل: المهنة والفعل، والجمع أعمال، عمل عملاً، وأعمله غيره واستعمله، واعتمل الرّجل: عمل بنفسه، واستعمل فلان غيره إذا سأله أن يعمل له، واستعمله: طلب إليه العمل، واستعمل فلان إذا ولي عملاً من أعمال السّلطان، والاعتمال: افتعال من العمل أي إنّهم يقومون بما يحتاج إليه من عمارة، وزراعة .. وحراسة ونحو ذلك، وأعمل فلان ذهنه في كذا وكذا إذا دبّره بفهمه، وأعمل رأيه وآلته ولسانه، واستعمله: عمل به، ورجل عمول إذا كان كسوباً، ورجل عمول: بمعنى: رجل عمل أي مطبوع على العمل، وتعمّل فلان لكذا، والتّعميل: تولية العمل، يقال: عمّلت فلانا على البصرة، والعامل: هو الّذي يتولّى أمور الرّجل في ماله وملكه وعمله، ومنه قيل للّذي يستخرج الزّكاة: عامل، أما الفرق بين العمل والفعل فهو أن الفعل يدلّ على إحداث شيئ من العمل وغيره، وهذا يدلّ على أنّ الفعل أعمّ من العمل، والعمل لا يقال إلّا لما كان عن فكر وروية، ولا يكون إلّا من الإنسان مصحوبا بقصد، أما الفعل فلا يشترط فيه ذلك، ويقع من الإنسان والحيوان والجماد، وعليه فالفعل أسرع من العمل.
وقال: ان العمل اصطلاحاً هو: يمكن أن نلحظ من خلال تعرض العلماء لمفهوم العمل بعض التوجهات المختلفة في تحديد هذا المصطلح؛ فمن نظر إلى العمل عموماً قال هو: فعل المكلف للواجبات الشرعية، وتركه للمنهيات، مع الترغيب في إتيان المندوبات، عند وجود السبب والشروط وانتفاء الموانع، فهذا التعريف للعمل هو من منطلق عام ويدخل فيه كل عمل يقوم به الإنسان مما يدخل فيه الواجبات الشرعية المختلفة وهو بعيد عما نحن بصدده.
منوهاً بقوله: وأما في تحديد مفهوم العمل المقصود بحديثنا في هذا الجانب، فمن المتقدمين يعرفه الإمام محمد بن حسن الشيباني بما يرادف هذا اللفظ في لسان الشرع، وهو الكسب بقوله: الاكتساب في عرف اللسان هو طلب تحصيل المال بما يحل من أسباب، فهنا احتوى التعريف على الجهد الذي يبذله الإنسان لتحصيل المال وفق مقتضيات الشرع، ومن المعاصرين من حدد مفهوم العمل بقوله: ما يقوم به الإنسان من نشاط إنتاجي في وظيفة أو مهنة أو حرفة، فنلحظ أن هذا التعريف يؤكد أن أي نشاط يقوم به الإنسان مما يدخل في رفع الإنتاج في ما يعتبر عملاً سواء كان في وظيفة أو مهنة أو حرفة مما يكون مردودها على انتاج الدولة أو المؤسسة أو الشركة ونحوها، ويزيد الأمر تحديداً بعضهم في توضيح المقصود بهذا المصطلح فيقول بأن العمل: هو المجهود الارادي الواعي الذي يستهدف منه الانسان انتاج السلع والخدمات لاشباع حاجاته، فحسب هذا التعريف فإن المجهود الذي يمكن أن يسمى عملاً هو مجهود الإنسان الواعي دون غيره، والهدف منه اشباع الحاجات الشخصية، ويعرف البعض العمل بقوله: مجموعة محددة من الواجبات والمسؤوليات، يلزم للقيام بها توافر اشتراطات معينة في شاغلها تتفق مع نوعها وأهميتها وتسمح بتحقيق الهدف من إيجادها، وهذا التعريف فيما يظهر أشمل من سابقيه فهو قد تعرض لموضوع الكفاءة في العامل، ومحددات العمل وواجباته، وتعرض لذكر الهدف من العمل فيما يعود على العامل وصاحب العمل بالنفع والفائدة.
.. وللموضوع بقية في الاسبوع القادم

إلى الأعلى