الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطابة وفن الالقاء (43)

الخطابة وفن الالقاء (43)

أحمد محمد خشبة:
من خطب علي ـ رضي الله عنه:
خطب ـ رضي الله عنه ـ في الاستسقاء فقال:(ألا وإن الأرض تحملكم، والسماء تظلكم، مطيعتان لربكم، وما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما توجعا لكم، ولا زلفة إليكم، ولا لخير ترجوانه منكم، ولكن أُمِرتا بمنافعكم فأطاعتا، وأقيمتا على حدود مصالحكم فأقامتا.
إن الله يبتلى عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات، واغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويزدجر مزدجر، وقد جعل الله الاستغفار سبباً لدرور الرزق، ورحمة الخلق، فقال:(استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمدكم بأموال وبنين) (نوح 10 ـ 12).
فرحم الله امرأ استقبل توبته، واستقال خطيئته، وبادر منيته.
اللهم إنا خرجنا إليك من تحت الأستار والأكنان، وبعد عجيج البهائم والولدان، راغبين في رحمتك، وراجين فضل نعمتك، وخائفين من عذابك ونقمتك.
اللهم فاسقنا غيثك، ولا تجعلنا من القانطين، لا تهلكنا بالسنين ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا خرجنا إليك، نشكو إليك ما لا يخفى عليك ، حين ألجأتنا المضائق الوعرة، وأجاءتنا المقاحط المجدبة، وأعيتنا المطالب المتعسرة، وتلاحمت علينا الفتن المستصعبة.
اللهم إنا نسألك أن لا تردنا خائبين، ولا تقلبنا واجمين، ولا تخاطبنا بذنوبنا ولا تقايسنا بأعمالنا.
اللهم أنشر علينا غيثك وبركتك، ورزقك ورحمتك واسقنا سقي نافعة مروية معشبة، تنبت بها ما قد فات، وتحيي بها ما قد مات، نافعة الحيا، كثيرة المجتنى، تروى بها القيعان، وتسيل البطنان، وتستورق الأشجار، وترخص الأسعار، إنك على ما تشاء قدير (من كتاب نهج البلاغة).
وخطب ـ رضي الله عنه ـ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:(أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولمَّا لم ينههم الربانيون والأحبار، أنزل الله بهم العقوبات، ألا فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم الذي نزل بهم، وأعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقاً، ولا يقرب أجلاً، إن الأمر ينزل من السماء كقطر المطر إلى كل نفس بما قدر الله لها، من زيادة أو نقصان في أهل أو مال أو نفس، فإذا أصاب أحدكم النقصان في أهل أو مال أو نفس ورأى لغيره فلا يكونن ذلك له فتنه، فان المرء المسلم ما لم يغش دناءة يظهر تخشعا لها إذا ذكرت ويغرى به لئام الناس كالياسر الفالج الذي ينتظر أول فوزه من قداحة توجب له المغنم، وتدفع عنه المغرم، فكذلك المرء المسلم البرئ من الخيانة، أنما ينتظر إحدى الحسنيين، إذا ما دعا الله، فما عند الله خير له، وإما أن يرزقه الله مالاً، فإذا هو ذو أهل ومال، الحرث حرثان: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لأقوام) ـ (ابن عساكر).
وخطب ـ رضي الله عنه ـ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:(أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرقت باطِّلاع، وإن المضمار اليوم، وغداَ السباق، ألا وإنكم في أيام عمل، من ورائه أجل، فمن قصر في أيام عمله قبل حضور أجله فقد خيب أمله، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا وإني لم أرَ كالجنة نائم طالبها، ولم أر كالنار نائم هاربها، ألا وإنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدى جار به الضلال، ألا أيها الناس إنما الدنيا غرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر، ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم، أيها الناس أحسنوا في عمركم، تحفظوا في عقبكم، فإن الله تبارك وتعالى وعد جنته من أطاعه، وأوعد ناره من عصاه، إنها نار لا يهدأ زفيرها، ولا يفك أسيرها، حرها شديد، وقعرها بعيد، وماؤها صديد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل) ـ (ابن عساكر).
الصلاة هدية الله لرسوله (صلى الله عليه وسلم)
مناسبة الخطبة:
أثناء الدورة التدريبة التي نظمتها وزارة الأوقاف المصرية للأئمة والخطباء، وكانت موافقة لشهر رجب المبارك، طلب منا
الشيخ عبدالوهاب عطوة مدير عام أوقاف الشرقية الأسبق، والذي كان يدربنا على الخطابة ـ جزاه الله عنا خير الجزاء ـ أن نكتب خطبة عن الصلاة بمناسبة الإسراء والمعراج، وبدأت منافسة بين المشاركين في الدورة، وكتب كل واحد منا في موضوع الصلاة.
ففكرت أن أكتب في موضوع الصلاة بأسلوب جديد، واخترت أن أتناول الصلاة باعتبارها هدية، قدمها رب العزة ـ جل وعز ـ إلى حبيبه (صلى الله عليه وسلم)، في احتفال هو الإسراء والمعراج.
وبحمد الله فقد فازت هذه الخطبة بالمركزالأول، وكان ترتيبي الأول على الدورة بفضل الله وتوفيقه.
العناصر:
1 ـ الهدية تكون على قدر عظمة جلال المهدي وقرب المهدي إليه.
2 ـ الرسول (صلى الله عليه وسلم) استحق هذه الهدية لجهاده وصبر وصدق عزيمته.
3 ـ الإسراء والمعراج كان حفل التكريم الذي تسلم فيه الرسول (صلى الله عليه وسلم) هدية رب العالمين الصلاة.
4 ـ في المحافظة على الصلاة وعدم تضييعها. حفظ للهدية.
5 ـ لصلاة جامعة لكل خصائص الهدية النافعة من حيث أنها نور وتنهى عن الفحشاء والمنكر ومكفرة للذنوب ودليل على نظام الصف المسلم.
الآيات: يقول تعالى:(يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)، (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً)، (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين)، (والذين هم على صلاتهم يحافظون)، (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً)، (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات)، (إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جذوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً، إلا المصلين).
الأحاديث:
يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم):(رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد) ـ رواه الترمذي، (لا دين لمن لا صلاة له وإنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد)، (أرأيتم لو ان نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه خمس مرات هل يبقى من درنة شي؟ قالوا لا يبقى من درنه شى قال فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) ـ رواه البخاري، (ما من أمرىء تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله) ـ رواه مسلم.
موضوع الخطبة:
الحمد لله أعطى نبيه أكبر هدية، وخصه عنده بأفضل عطية، وكرمه وأمته بصلاة الوصل القدسية، ففرضها عليه عنده في حضرته العلوية، جل جلال ربنا وصلاة وسلاما على خير البرية.
وأشهد أن لا إله إلا الله وأهدى عبده هدية ربانية ووصله وأمته بصلة عملية، خمسٌ في الأداء خمسون مقضيه كما تفضل ربنا لتغليف الهدية، وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله، استحق العطية، وفاز بالهدية صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الذين حافظوا على الصلوات ـ آخرة وأولى ووسطية ـ وتعطرت أصواتهم بالنداء حي عليه، فاستحقوا أن يقول الله عنهم:(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية).
أما بعد .. أيها الأخوة المسلمون: فإن الهدية تَجُلُ وتعظُم بقدر وعظمة مهديها. كما أن الهدية لا تكون إلا استحقاقا لعمل جعل المهدي إليه مستحقا لهذه الهدية نتيجة لجهده واجتهاده وقربه أيضاً من المهدي، والمتأمل في كيفية فرض الصلاة يلحظ وبعناية أن كل شروط الهدية قد توفرت لهذه الفريضة الإسلامية الخالصة، بل إن شئت فقل في هذه الهدية الربانية.
فهي أولاً: جاءت بعد مرحلة طويلة من الجهد والعناء بذله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في دعوته إلى دين ربه على هدى وبصيرة وبعد أن عانى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سبيل تبليغ دعوة ربه أشد وأقسى أنواع التكذيب والتنكيل والتعذيب، وبعد أن مُورست كل أنواع الحروب ضد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حرب التكذيب والصد والإيذاء له ولأصحابه، ثم حرب التجويع والحصار والنفي، ثم حرب السياسة والإغراء، ثم محاولات الاغتيال المباشر له (صلى الله عليه وسلم) حتى حاول اللجوء إلى غيرهم من القبائل، وخرج اصحابه في هجرات متتالية إلى الحبشة وغيرها فما وجد عند هذه القبائل إلا صداً وتكذيباً بل ومحاولات اعتداء عليه ـ صلوات الله عليه ـ فداه نفسي وروحي، (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولوكره الكافرون).
أنواع متعددة من الاختبار والامتحان نجح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه في اجتيازها، وصمد رسول الله أمام هذه الابتلاءات والتحديات فكان لابد من جزاء على ذلك وكان لابد من منحه المكافأة على هذا الجهد وهذا الاجتهاد، فكانت رحلة الإسراء والمعراج، لتكون الصلاة هي الهدية.
وهذا هو الشرط الثاني: فلو أن عظيما من عظماء الدنيا، والعظمة لله وحده أو ملكاً من ملوكها أراد أن يكرم فائزاً في مسابقة أو أن يمنح متفوقاً وساماً أو جائزة فإنه يبعث له مع كبير حراسه أو أمين ديوانه، ويبعث إليه ما ينقله به إليه بما يليق بهذا العظيم أو الملك لينقل إليه هذا المكرم أو المتفوق، ويكرمه في وسط حفل كبير، وهو ما كان لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول الإمام القسطلاني في (المواهب اللدنية)، يقول جبريل وقد جاء للحبيب (صلى الله عليه وسلم):(يا محمد انما جيء بى إليك لأكون خادم دولتك وحاجب حاشيتك، وحامل غاشيتك، وجيء بالمركوب (البراق) إليك لإظهار كرامتك، لأن من عادة الملوك إذا أستزاروا حبيباً أو استدعوا قريباً، وأرادوا إظهار إكرامه واحترامه أرسلوا أخص خدامهم ،وأعز نوابهم لنقل أقدامهم، فجئناك بالمركوب على رسم عادة الملوك وآداب السلوك، ومن اعتقد أنه يصل إليه بالخطا فقد وقع في الخطا، ومن ظن أنه محجوب بالغطا فقد حرم العطاء ..).
وهكذا كان انتقال الرسول المجتبى والمحتفى به إلى السموات العلا حتى يتم المراد من رب العباد ويكتب الكتاب، (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً).
* إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى