الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكـريـم الله للإنسان (126)

تكـريـم الله للإنسان (126)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فإن الاستخـارة تساعـد الإنسان في حيـاته الـيـومية، وكان الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) يعـلـم الصحـابة الاستخـارة كـما يـعـلمه السورة مـن الـقـرآن لما في الاسـتخارة مـن الفـوائـد العـظيـمة.
قال جـابر بن عـبـد الله ـ رضي الله عـنهـما ـ قال: كان رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) يـعـلـمـنا الاسـتخـارة في الأمـور كلها، كـما يـعـلـمـنا السـورة مـن القـرآن يـقـول:(إذا هـمّ أحـدكـم بالأمـر فـليـركـع ركـعـتـين مـن غـير الفـريضـة، ثـم لـيـقـل: اللهـم إني أســتخـيرك بـعـلمـك، واســتـقـدرك بقـدرتـك، وأسـألـك مـن فـضـلـك العـظـيـم فإنـك تـقـدر ولا أقــدر، وتعـلـم ولا أعـلـم، وأنـت عـلام الغـيـوب، اللهـم إن كـنـت تعـلـم أن هـذا الأمـر خـير لي في ديـني ومعـاشي وعـاقـبة أمـري أو قال: عـاجـل أمـري وآجـله فأقـدره لي ويسـره لي، ثم بارك لـي فـيه، وإن كـنـت تعـلـم أن هـذا الأمـر شـر لي في ديـني ومـعـاشي وعـاقـبة أمـري، أو قـال في عـاجـل أمـري وآجـله، فاصـرفـني عـنـه وأقـدر لي الخـير حـيـث كان).
وعــن عـبـد الله بن بـريـدة الأسـلمي، عـن أبيه قال: سـمع النبي (صلى الله عـليه وسـلم) رجـلاً يـدعـو وهـو يقـول: اللهـم إني أسـألك بأني أشـهـد أنـك أنـت الله لا إلـه إلا أنـت الأحـد الصـمـد، الـذي لـم يـلـد ولـم يـولـد، ولـم يـكـن له كـفـؤا أحـد قـال: فـقـال:(والـذي نفـسي بـيـده لـقـد سـأل الله باسـمه الأعـظـم، الـذي إذا دعي به أجـاب، وإذا ســئـل به أعـطى).
اعـتراف بالـفـضل لـذوي الـفـضل:
عـن أبي سـعـيـد الخـدري، قال: خـطـب رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) الناس وقـال:(إن الله خُـيّر عـبـداً بين الـدنـيا وبيـن ما عـنـده، فاخـتار ذلك العـبـد ما عـنـد الله)، قال: فـبـكى أبـو بـكـر الصـديـق ـ رضي الله عـنه ـ فـعـجـبنا لبكائه، أن يخـبر رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، عـن عـبـدٍ خُـيّر، وكان رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) هـو الـمُخـّير، وكان أبـو بكـر هـو أعـلـمـنا بـذلك.
فـقـال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(إن مـن أمـن الناس عـلي في صحـبـته ومالـه، أبا بكـر ـ رضي الله عـنه ـ ولـو كـنـت مـتـخـذاً خـليـلاً غـير ربي عـز وجـل لاتخـذت أبا بـكـر، ولـكـن أخــوة الإسـلام ومـودته، لا يبـقـين في المسـجـد باب إلا ســد إلا باب أبي بـكـر ـ رضي الله عـنه) ـ أخـرجه البخاري وصححه، وقال النبي (صلى الله عـليه وسـلم):(إن الله عـز وجـل بعـثـني إلـيـكـم، فـقـلـتـم كـذبـت، وقال أبـو بـكـر: صـدقـت، وواسـاني بنـفـسه ومالـه، فـهـل أنـتـم تاركـوا لي صاحـبي؟)، وعـن ابن عـباس ـ رضي الله عـنهـما ـ عـن النبي (صلى الله عـليه وسـلم)، قال:(لـو كـنـت مـتـخـذا مـن أمتي خـليـلاً، لاتخـذت أبا بـكـر خـليـلاً، ولـكـن أخي وصاحبي) ـ اخـرجه البخاري وصححه، وعـن محمد بن الـحـنفـية، قال قـلـت لأبي: أي الـناس خـير بعــد رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلـم)؟ قال:(أبـو بـكـر ـ رضي الله عـنه ـ قـلـت: ثـم مـن؟، قال : عـمـر ابن الخـطاب رضي الله عـنه، قال: وخـشـيـت أن يـقـول عـثـمان ـ رضي الله عـنه ـ قـلـت ثـم: أنـت؟ قال: ما أنا إلا رجـل مـن الـمسـلمـين) ـ رواه البخـاري في الصحيح، وعـن أبي سـعـيـد الخـدري، قال: قال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(لا تسـبـوا أصحابي، فـلـو أن أحـدكـم أنفـق مـثـل أحـد ذهـباً، ما بلـغ مـد أحـدهـم ولا نصـيـفـه) ـ رواه البخـاري.
فأحـيانا الإنسـان يـكل إلى الله أمـر أولاده، وهـو عـلى فـراش الـمـوت أو يـكل إلى الله في أمـر صـحـته، وقـد أعـجـزه الـعـلاج، يطـلـب الشـفـاء مـن الله وقـد كاد أن ييـأس وهـو يـتألـم ويـقـول: يا رب تـوكلـت عـلـيـك وفـوضـت أمـري إلـيـك، أنـت أعـلـم وأنـت أرحـم وأنـت أكـرم وأحـكـم، فـيـجـيـب الله دعــاءه وتضـرعـه فـيتـماثـل إلى الشـفـاء، فـفي هـذا الحـال إذا تـوكـلـت عـلى الله فـثـق بالإجـابة، وســترى العـجـب العـجـاب، وسـوف تـرى أنـك أقـوى الناس، أغـنى الـناس لإسـناد كل أمـرك إلى الله.
ولـذلك قـالـوا: إذا أردت أن تـكـون أقـوى الناس فـتـوكل عـلى الله، وإذا أردت أن تـكـون أكـرم الناس فـاتـقي الله، وأن تـكـون أغـنى الناس فـفـوض أمـرك لله، قال الله تعـالى:(.. وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ..) (الطـلاق 2 ـ 3).
وإذا أردت أن تكـون أغـنى الناس، فـكـن بـما في يـدي الله أوثـق مـنـك مما في يـديـك فالـذي يـتـوكل عـلى الله هـو أقـوى إنسان، لأن الله مـع الـذين اتقـوا والـذين هـم محسـنـون.
والـدعـاء سـلاح الـمـؤمـن فـلازمـه، وكـلـنا ضـعـفـاء والله هـو الـقـوي، وأي قــوة لـم تكـن مسـتـمـدة مـن الـقـوي الحـكـيـم، فهي ضـعـف ووهـن، ولـكـنـك قـوي بالله وكـريـم بالله فأنت كـريـم بـطاعـة الله، وغـني بالاعـتـمـاد عـلى الله، وقــوي بـتـوكلـك عـلى الله، لـذلك ما تـوكل عـلى الله أحـد وخـيـب الله ظـنه، وما تـوكل أحـد عـلى الله إلا كـفـاه الله وأرضاه وأكـرمه.
فإذا عـلـم العـبـد أن الله هـو الـذي يكـفـيه، لـم يـرفـع حـوائجـه إلا إلـيه، ويـعـاب مـن يشكـو الـرحـيـم الـودود إلى الـذي لا يـرحـم، فإذا أيـقـنـت أن الله وحـده هـو الـذي يكـفي فـلا تـسأل غـيره في جـميـع شـؤونـك.
فالله سـبحانه وتعـالى سـريـع الإجـابة، لـمـن انقـطـع إلـيه إذن: أنـت متجـه إلى الله تعـالى بـكلـيـتـك، ولا تعـلـق أملـك بـمـن دونه، فـهـو ســريـع الإجـابة، وتـوكـل في جـمـيع أحـولـك وأمـورك عـليه، فأما إذا كانت حاجـتـك، في حـق الله خـيراً محـضاً كـطـلـب الهـدايـة والاسـتـقـامة والـرزق الحـلال والـكـفايـة، فـهـذا الطـلـب يجـاب فـورا لأنـه في حـق الله.
أما إذا طـلـبـت الـدنيا، فهـناك وضـع آخـر لعـلها لا تنـفـعـك ، لعـلها تـؤذيك وتـبعـدك عـما خـلقـت مـن أجـله، فـلـذلك قـد يجـيـبـك، لكـن الأدعـية الـمتعـلقـة بالآخـرة سـريعـة الإجـابة، ومـن عـلـم أن الله كافـيه لا يسـتـوحـش، مـن إعـراض الخـلـق عـنـه ولا يـأنس بهـم.
قال الله تبارك وتعـالى:(وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون، فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (القـصص 12 ـ 13).
فـمـن الـذي حـرم عـلى هـذا الطـفـل كل هـذه الـمـراضـع إلا أمـه؟ إنه هـو الله العـلـيـم الحـكـيم، هـذا تحـريـم مـنـع لحـكـمة، لا تحـريـم تشـريـع عـام، أما حـينـما جـاءت أمـه التـقـم ثـديـهـا، فالله عـز وجـل مـن خـلال قـصة سـيـدنا مـوسى وسـيـدنا يـوسـف يـريـك أن الفـعــل بـيـد الله وحـده، ولا يـوجـد فـعـل خـارج عـن أرادة الله.
والعـاقـل القـوي الإيـمان، لا يضـع نفـسه مـوضـع التهـمة، فإذا مـا وضـع نفـسه موضـع التهـمة فـلا يلـومـن إلا نفـسـه، فـإذا مشي مـع السفهاء مـن الناس فـهـو الـذي أوقـع نفـسه في هـذا الـمـأزق، وكان سـبباً في تـكـلـم الـناس والخـوض في عـرضه.
وقـد عـلـمـنا الـرسـول الـكـريـم (صلى الله عـليه وسـلم) حـينـما جـاءته أم الـمـؤمنين السـيـدة صـفـية بنـت حـيي إلى معـتـكـفـه في الـمسـجـد، فأراد الـرسـول أن يـوصلها إلى البيت، فـمـر بـه رجـلان مـن الأنصار، قال النبي (صلى الله عـليه وسـلم) عـلى رسـكـما فـوقـفـا، إنها صـفـية، فـقـالا سـبحان الله قال:(إن الشـيـطـان يجـري مـن الإنسان مجـرى الـدم فـخـشـيت أن يـقـذف في قـلـوبـكـما شـيئاً) ـ رواه أبو داود.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى