الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / .. ونستقبل عاماً هجرياً جديداً (2)

.. ونستقبل عاماً هجرياً جديداً (2)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
عام كامل تصرمت أيامه، وتتابعت ساعاته، فبالله عليكم: ماذا أودعنا خلال هذا العام المنصرم كم ترملت فيه من امرأة! وكم تيتم فيه من طفل! وكم مريضٍ تعافى، وسليمٍ ووري التراب! أهل بيت يشيعون ميتًا، وآخرون يزفون عروسًا؛ فرحٌ بمولود، وعزاء على مفقود، عبرات من شوق اللقاء، وعبرات من آلام الفراق، أفراح انقلبت أتراحًا، وأتراح انقلبت أفراحًا، واحد يتمنى دوام يومه ليتلذذ بفرحه، وآخر يتمنى زوال يومه هذا العام إنما هو خزائن تودع فيها الأعمال وتغلق لتفتح يوم القيامة هذه الأيام التي مضت خزائن، هناك من أودع فيها ذِكرًا واستغفارًا وصدقة وإنفاقًا مباحًا وهناك من أودع فيها فحشاء ومُنكرًا وبغيًا:(فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) (الأنعام 81 ـ 82).
وقد جاء في الحديث: إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل قال قتادة: فأروا الله تعالى خيرًا في هذا الليل والنهار فإنهما مطيتان تحملان الناس إلى آجالهم، تقربان كل بعيد، وتبليان كل جديد، وتجيئان بكل موعود إلى يوم القيامة”.عام كامل تصرّمت أيامه؛ كل يوم يمر، بل كل ساعة تمضي، وكل لحظة وثانية تمر علينا، إنما هي تقربنا من الأجل.
إن العقلاء يتبصرون في تصرم أيامهم ولياليهم، ويعلمون أن كل لحظة وثانية ودقيقة فضلاً عن كل ساعة ويوم وشهر وسنة تسير بهم وتقربهم إلى ربهم.لقي الفضيل بن عياض رجلاً فسأله: كم مضى من عمرك؟! قال الرجل: مضى من عمري ستون سنة، فقال له الفضيل: فإنك منذ ستين سنة تسير إلى ربك، يوشك أن تبلغ إليه. قال الرجل: آه! فما العمل؟! قال: خذ من صحتك لمرضك، ومن فراغك لشغلك، وتصدّق من مالك، وابذل من بدنك. وجعل يوصيه بالعمل الصالح، سواء ببدنه أو ماله أو خبرته أو وقته أو غير ذلك، روى البخاري عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) له:(يا ابن عمر: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وكان ابن عمر يقول:(إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن فراغك لشغلك) وحياة الناس في اليوم تكون: يخرج في الغداة في الصباح، فالناس جميعًا يخرجون في الصباح، وإنك إذا نظرت إليهم في طرقاتهم أو نظرت إلى بيوتهم لوجدت البيوت في الصباح تفتح فيخرج الرجل ويخرج الشيخ الكبير وتخرج الفتاة وتخرج الطفلة، هذا يحمل أولاده، وهذه معها متاعها، وهذا ربما خرج مسرورًا، وهذا خرج حزينًا، هذا خرج يتجهز لعرس، وهذا خرج ليعزي في ميت، هذه خرجت مسرورة مع زوجها في سفر، وهذه خرجت مطلقة مبعدة إلى أهلها، الناس يغدون جميعًا، كما قال ـ عليه الصلاة والسلام:(كُلُّ النَّاسِ يغدو، فبائعٌ نفسَهُ)، يعني صارف عمره، وممضٍ وقته خلال هذا اليوم، فهم ينقسمون إلى قسمين:(فمُعتِقُها) من النار بعمل الصالحات، (أو موبقها).
إن المرء سيُسأل (عن عمره) يعني هذه الأيام التي تمضي، عن كل دقيقة مرت عليك، وعن كل ساعة مضت، ماذا فعلت فيها؟! وعن المال الذي اكتسبته، والمال الذي أنفقته، وعن الشباب، وخصّ الشباب بالذكر لأنه قوة بين ضعفين، بين الطفولة والشيخوخة، كما قال الله عز وجل:(اللَّه الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْف ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْد ضَعْف قُوَّة ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْد قُوَّة ضَعْفًا وَشَيْبَة يَخْلُق مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيم الْقَدِير) (الروم ـ 54).
لنتذكر بانقضاء العام انقضاء العمر، وبسرعة مرور الأيام قرب الموت، وبتغير الأحوال زوال الدنيا وحلول الآخرة، فكم ولد في هذا العام من مولود وكم مات فيه من حي، وكم استغنى فيه من فقير، وافتقر من غني، وكم عز فيه من ذليل، وذل فيه من عزيز:(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران 26 ـ 27).
راجع نفسك على أي شيء تطوي صحائف هذا العام: فلعله لم يبق من عمرك إلا ساعات أو أيام، فاستدرك عمراً قد أضعت أوله، قال (صلى الله عليه وسلم):(اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك).
هكذا أوصانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، باغتنام هذه الخمس قبل حلول أضدادها، واستدرك مافات بالتوبة، واستقبل ما بقي بالعمل الصالح، فإن إقامتك في هذه الدنيا محدودة، وأيامك معدودة، وأعمالك مشهودة، فوالله ثم والله أخي إنه لينتظرن كأس لزامٌ علينا أن نذوقه، إنه الموت، أنا اموت وأنت تموت وكل حي يموت شئنا أم أبينا، رضينا أم لم نرض، وإن بعد الموت قبرًا وبعثًا ونشورًا وكتابًا يسطر كل ما عملناه في أعمارنا، وإن هناك يوم جزاء وحساب، فإما جنة أو نار، جزاء على ما قدمناه في أيامنا وحياتنا، فمن قضى عمره في طاعة ربه ومولاه وقدم خيرًا فهو إلى خير ونعيم أبدي إن شاء الله، ومن قضى عمره في اقتراف الشرور المعاصي وإغضاب ربه عز وجل فهو إلى شر وشقاء أبدي، ألم يتداركه الله عز وجل برحمته وقال تعالى:(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا، وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الإسراء 12 ـ 15).

إلى الأعلى