الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة يوسف (2)

سورة يوسف (2)

اعداد ـ أم يوسف:
(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ * إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)
سورة يوسف .. هي السورة الثانية عشرة في ترتيب سور المصحف ونزلت بعد سورة “هود” .. وبدأت السورة بحروف مقطعة “الر” ذكر اسم نبي الله يوسف أكثر من 25 مرة. وهي إحدى السور المكية التي تناولت قصص الانبياء، وقد أفردت الحديث عن قصة نبي الله “يوسف بن يعقوب” وما لاقاه من أنواع البلاء ومن ضروب المحن والشدائد من إخوته ومن الآخرين في بيت عزيز مصر وفي السجن وفي تآمر النسوة حتى نَجَّاهُ الله من ذلك الضيق .. والمقصود بها تسلية النبي بما مرّ عليه من الكُرب والشدة وما لاقاه من أذى القريب والبعيد ومن أسباب نزول السورة (عن مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص في قوله عز وجل:”نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ القَصَصِ” قَالَ: أُنْزِلَ القرآن عَلى رسولِ الله فتلاه عليهم زماناً فقالوا: يا رسول الله لو قصصت فأنزل الله تعالى:”الر تِلكَ آياتُ الكتابِ المبينِ” إلى قوله:”نَحْنُ نَقُصُّ عَليكَ أَحْسَنَ القَصَصِ” .. الآية فَتَلاهُ عليهم زماناً فقالوا: يا رسول الله لو حدثنا فأنزل الله تعالى:”اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا” قال: كل ذلك ليؤمنوا بالقرآن. وقال عون بن عبدالله: ملَّ أصحاب رسول الله فقالوا: يا رسول الله حدثنا فأنزل الله تعالى الله “اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا” .. الآية قال: ثم أنَّهم مَلُّوا ملة أخرى فقالوا: يا رسول الله فوق الحديث ودون القرآن يعنون القصص فأنزل الله تعالى:”نَحنُ نَقُصُّ عَليكَ أَحْسَنَ القَصَصِ” فأرادوا الحديث فدَلَّهم على أحسن الحديث وأرادوا القصص فَدلَّهم على أحسن القصص.
.. واختلف العلماء لم سُميّت هذه السورة بأحسن القصص من بين سائر الأقاصيص؟ فقيل: لأنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم ما تتضمن هذه القصة وبيانه قوله في آخرها:(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ) (يوسف ـ 111)، وقيل: سماها أحسن القصص لحسن مجاوزة يوسف عن إخوته وصبره على أذاهم وعفوه عنهم ـ بعد الالتقاء بهم ـ عن ذكر ما تعاطوه، وكرمه في العفو عنهم، حتى قال:(لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ..) (يوسف ـ 92). وقيل: لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين، والجن والإنس والأنعام والطير، وسير الملوك والممالك، والتجار والعلماء والجهال، والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن، وفيها ذكر التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا، والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا. وقيل: لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب وسيرهما. وقيل:(أحسن) هنا بمعنى: أعجب. وقال بعض أهل المعاني: إنما كانت أحسن القصص لأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة، انظر إلى يوسف وأبيه وإخوته وامرأة العزيز، قيل: والملك أيضاً أسلم بيوسف وحسن إسلامه، ومستعبر الرؤيا الساقي، والشاهد فيما يقال: فما كان أمر الجميع إلا إلى خير.
قوله تعالى:(إِذْ قَالَ يُوسُفُ ..)، “إذ” في موضع نصب على الظرف، أي: اذكر لهم حين قال يوسف. وقراءة العامة بضم السين. وقرأ طلحة بن مصرف “يؤسف” بالهمزة وكسر السين. وحكى أبو زيد: “يؤسف” بالهمزة وفتح السين. ولم ينصرف لأنه أعجمي، وقيل: هو عربي. وسئل أبو الحسن الأقطع ـ وكان حكيماً ـ عن “يوسف” فقال: الأسف في اللغة الحزن، والأسيف العبد، وقد اجتمعا في يوسف، فلذلك سُميّ “يوسف” (لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ) “بكسر التاء” قراءة أبي عمرو وعاصم ونافع وحمزة والكسائي، وهي عند البصريين علامة التأنيث أدخلت على الأب في النداء خاصة بدلاً من ياء الإضافة، وقد تدخل علامة التأنيث على المذكر فيقال: رجل نكحة وهزأة، قال النحاس: إذا قلت يا أبت بـ “كسر التاء” فالتاء عند سيبويه بدلاً من ياء الإضافة، ولا يجوز على قوله الوقف إلا بالهاء، وله على قوله دلائل: منها أن قولك: “يا أبه” يؤدي عن معنى “يا أبي” وأنه لا يقال:”يا أبت” إلا في المعرفة، ولا يقال: جاءني أبت، ولا تستعمل العرب هذا إلا في النداء خاصة، ولا يقال:”يا أبتي” لأن التاء بدل من الياء فلا يجمع بينهما. وزعم الفراء أنه إذا قال: “يا أبت” فكسر دل على الياء لا غير، لأن الياء في النية. وزعم أبو إسحاق أن هذا خطأ، والحق ما قال، كيف تكون الياء في النية وليس يقال:”يا أبتي”؟ وقرأ أبو جعفر والأعرج وعبدالله بن عامر “يا أبت” بفتح التاء، قال البصريون: أرادوا “يا أبتي” بالياء، ثم أبدلت الياء ألفا فصارت “يا أبتا” فحذفت الألف وبقيت الفتحة على التاء. وقيل: الأصل الكسر، ثم أبدل من الكسرة فتحة، كما يبدل من الياء ألف فيقال: يا غلاماً أقبل. وأجاز الفراء “يا أبت” بضم التاء، (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً) ليس بين النحويين اختلاف أنه يقال: جاءني أحد عشر، ورأيت ومررت بأحد عشر، وكذلك ثلاثة عشر وتسعة عشر وما بينهما، جعلوا الاسمين اسماً واحداً وأعربوهما بأخف الحركات. قال السهيلي: أسماء هذه الكواكب جاء ذكرها مسنداً، رواه الحارث بن أبي أسامة قال: جاء بستانة ـ وهو رجل من أهل الكتاب ـ فسأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الأحد عشر كوكباً الذي رأى يوسف فقال:(الحرثان والطارق والذيال وقابس والمصبح والضروح وذو الكنفات وذو القرع والفليق ووثاب والعمودان .. رآها يوسف عليه السلام تسجد له)، قال ابن عباس وقتادة: الكواكب إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه. وقال قتادة أيضاً: الشمس خالته، لأن أمه كانت قد ماتت، وكانت خالته تحت أبيه.(رَأَيْتُهُمْ) توكيد. وقال:(رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) فجاء مذكراً، فالقول عند الخليل وسيبويه أنه لما أخبر عن هذه الأشياء بالطاعة والسجود وهما من أفعال من يعقل أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجاً عن الأصل.
.. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.

إلى الأعلى