الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التوكل على الله

التوكل على الله

إبراهيم السيد العربي:
يقول الله تعالى:(ومن يتوكل على الله فهو حسبه) .. نعم أخي المسلم: طبيعة المؤمن أنه يتوكل على الله تعالى في طلب الرزق وهذه غريزةُ، عند كل الأحياء من المخلوقات من البشر وكل من خلقه الله تعالى، فما إن تَبدوَ بوادرُ الصباح حتى يستعد الفلاحون والتجار، وأصحاب الصنائع والحرف، وأرباب الوظائف والإدارات، يستعدون للدخول في كدحٍ طويلٍ كي يحرز كلُّ امرئٍ منهم قوته وقوت عياله.
وهذا الكدح الطويل والسعي الحثيث محكّ قاسٍ للأخلاق والمسالك، والثبات واليقين، والطمأنينة والرضى. إن اللهف على تأمين العيش، واللهاث من أجل سدِّ أفواه الصغار والضعاف قد يلجئ بعض النفوس إلى التلون، والكذب والحيف، والتدليس والغش. وربما وُجد ضعاف يتملقون أقوياء، وأذلاء يذوبون في أعتاب الكُبراء.
إن إلحاح الرغبة في طلب الكفاف أو طلب الثراء مع وعورة الطريق، وطول المراحل والمنازل في هذه الحياة، وشعور المرء بالحاجة إلى ناصرٍ ومؤنسٍ مع ما قد يلاقي من أعداء ومتربصين كل ذلك قد يدفع الإنسان إلى اللؤم والذلة وسلوك المسالك الملتوية.
ولكن دين الإسلام يأبى ثم يأبى أن يكون الكدح وراء الرزق مزلقة لهذه الآثام كلِّها، وينهى ويكره أن يلجأ المسلم أبداً إلى غشٍ أو ذلٍ, ليجتلب به ما يشاء من حطامٍ. وفي سدِّ هذا الطريق يقول ـ عليه الصلاة والسلام:(لا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوا بمعصية الله فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته).
إذن ما هو المخرج؟ وما هو الحل من هذه المعضلة التي يعيشها كثير من الناس على ظهر هذه البسيطة؟ يتهارشون ويأكل بعضهم بعضاً، ويظلم بعضهم بعضاً؟ وفي عصرنا شاهد كبير ونمازج كثيرة على هذه الصورة المزرية. عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله يقول:(لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً )، وابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ يقول: إن من ضعف اليقين أن تُرضي الناس بسخط الله, وأن تحمدهم على رزق الله، لا يجرُّه حرصُ حريصٍ ولا ترده كراهية كاره، وإن الله بقسطه وعدله جعل الرَّوْحَ والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهمَّ والحزن في الشك والسخط.
أخي القارئ الكريم: إن التوكل على الله. شعورُ ويقينُ بعظمة الله وربوبيته وهيمنته على الحياة والوجود والأفلاك والأكوان. فكل ذلك محكوم بحوله وقوته سبحانه وتعالى.
ومعنى التوكل على الله تعالى: قطعُ القلب عن العلائق، ورفض التعلق بالخلائق، وإعلان الافتقار إلى محوِّل الأحوال ومقدِّر الأقدار لا إله إلا هو. إنه صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار ولا ينفع ذا الجد منه الجد. التوكل صدق وإيمان، وسكينة واطمئنان، ثقة بالله في الله، وأمل يصحب العمل، وعزيمة لا ينطفئ وهجُها مهما ترادفت المتاعب. بالتوكل تُرفع كبوات البؤس، وتُزجر نزوات الطمع. لا يكبح شَرَهَ الأغنياء ولا يرفع ذل الفقراء سوى التوكل الصادق على الحي الذي لا يموت سبحانه وتعالى.يقول سعيد بن جبير رحمه الله: التوكل على الله تعالى جماع الإيمان. المتوكل على الله ذو يقظة فكرية عالية ونفسٍ مؤمنةٍ موقنةٍ. قال بعض الصالحين: متى رضيت بالله وكيلاً وجدت إلى كل خير سبيلاً. وقال بعض السلف: بحسبك من التوسل إليه أن يعلم من قلبك حسن توكلك عليه.
والتوكل أخي القارئ الكريم هو أيضاً: إيمان بالغيب بعد استنفاد الوسائل المشروعة في عالم الشهادة.وتسليم لله تعالى بعد أداء كل ما يرتبط بالنفس من مطلوباتٍ وواجباتٍ، وأول بواعث التوكل ومصادره توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة؛ فالرب المعبود سبحانه وتعالى: له الأسماء الحسنى والصفات العلى (اللَّهُ خَالِقُ كُلّ شيء وَهُوَ عَلَى كُلّ شيء وَكِيل).
فلابد من اليقين الكامل في أن الرزق مقسوم , وليحذر كل مسلم ومسلمة من أن يقع في معصية الله تعالى لينال بها رزقاً هو مقدّر له من الأزل, وحسبنا الله هو مولانا ونعم الوكيل, قال تعالى:(ومن يتوكل على الله فهو حسبه, إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً) والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

* إمام وخطيب جامع الشريشة/ سوق مطرح

إلى الأعلى