الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التوظيف الاستراتيجي لـ«داعش»!

التوظيف الاستراتيجي لـ«داعش»!

”مِنْ قَبْل، كانت الولايات المتحدة تكتفي باحتضان ورعاية ودعم وتمويل وتدريب وتسليح وتجهيز .. مَنْ تَعْتَقِد بولائهم لها في حروبها للهيمنة الإمبريالية، والتي كانت تُفضِّل الزَّج بجيوشها البرية فيها؛ فهي التي تغزو وتَقاتِل على الأرض وتحتل وتُسَيْطِر؛ ثمَّ تتوفَّر على نَقْلِ السلطة إلى هؤلاء الأصدقاء والحلفاء.”

جواد البشيتي

في أسطورة توراتية، هي أسطورة «الوعد الرَّبَّانيِّ لأبرام العبراني»، جاء أنَّ الرَّب كلَّم أَبرام العبراني، فقال له واعِدًا إنَّ هذه الأرض الواسعة الشاسعة الممتدة من نهر مصريم (أيْ النيل) إلى نهر فرت (أيْ الفرات) يَمْنَحها لنسله؛ وفي القلب منها تشمل هذه الأرض فلسطين، التي كانت مأهولة لدى صدور هذا الوعد الرَّبَّاني (قبل آلاف السنين من صدور وعد بلفور البريطاني).

واليوم، حيث تعمل الولايات المتحدة باستراتيجيته للقضاء على «داعش» بـ»حَرْبٍ فريدة»، نرى شيئًا شبيهًا؛ فالولايات المتحدة، التي عَقَدَ لها التاريخ الزعامة على العالَم، واختَّصها بـ»قدرات فريدة»، تغنَّى بها الرئيس أوباما، شَرَعَت تُوزِّع «المُلْك» و»الأوطان»، وتَصْطَفي أقوامًا، تَمْلكهم، فَتُمَلِّكهم؛ وكأنَّها الرَّب التوراتي!
وإنَّ «أرض الميعاد (الجديدة)»، في هذا القرن الحادي والعشرين، تَضُمُّ مناطق من شرق وشمال سوريا، ومن غرب وشمال العراق، ويَقْطُنها الآن «قَوْمٌ جَبَّارون»، يُسَمَّوْن «داعش»؛ والبحث جارٍ عن «أقوام تحبهم الولايات المتحدة، ويحبونها» حتى تَنْقُل إليهم مُلْك هذه الأرض من قَوْم «داعش» الإرهابيين الهمجيين الوحشيين الجبَّارين؛ فـ»صاحِب الوعد»، وصاحب «القدرات الفريدة»، سيَفْعَل بهذا «القَوْم» ما فُعِلَ بأصحاب الفيل، فيُرْسِل عليهم طَيْرًا أبابيل، ترميهم من الجوِّ بحجارة من سجِّيل، حتى يصبحوا كعصف مأكول؛ فإذا أصبحوا كعصف مأكول يَزْحَف إليهم، وعليهم، «القَوْم الطِّيبون المعتدلون»، الذين أشهروا إيمانهم بسيِّد العالَم، وأصبحوا «المارينز» العرب، في ولائهم ووعيهم وشعورهم، وأدُّوا، واحسنوا تأدية، الفروض والواجبات، فمَوَّلتهم ودرَّبَتْهُم وسلَّحتهم وجهَّزتهم .. الولايات المتحدة، فنالوا شَرَف القتال على الأرض، واقتحموا، وطَّهروا، وملأوا كُلَّ «فَرَاغٍ» تُخلِّفه الضربات الجوية (الأبابيلية).
مِنْ قَبْل، كانت الولايات المتحدة تكتفي باحتضان ورعاية ودعم وتمويل وتدريب وتسليح وتجهيز .. مَنْ تَعْتَقِد بولائهم لها في حروبها للهيمنة الإمبريالية، والتي كانت تُفضِّل الزَّج بجيوشها البرية فيها؛ فهي التي تغزو وتَقاتِل على الأرض وتحتل وتُسَيْطِر؛ ثمَّ تتوفَّر على نَقْلِ السلطة إلى هؤلاء الأصدقاء والحلفاء؛ لكنَّ خسائرها البشرية، وعلى ضآلتها النسبية، كانت أعظم من أنْ تَحْتَمِلها؛ وكثيرًا ما ذهبت النتائج (العملية الواقعية) النهائية لحروبها بما تَوقَّعَت، وبما أرادت بلوغه من أهداف وغايات؛ فاشتدت لديها الحاجة إلى «استراتيجية جديدة»، تخوض بها حروبها بأقل قدر ممكن من الخسائر بالأنفس والأموال التي تخصها.
في زمن قياسي، احتلَّ «داعش (الخارِق)» نحو رُبْع أراضي بلاد الرافدين؛ أمَّا سيِّد العالَم فيحتاج، مع ما يتمتَّع به من «قدرات فريدة»، ومع تحالفه الدولي الواسع، إلى سنوات لـ»تحرير» ما احتله «داعش» من أرض!
إنَّه زمن لا تفسير، ولا تعليل، لطوله إلاَّ الرغبة في «التأسيس والبناء» لقوى من أهل العراق وسوريا، ومن سائر أهالي الجوار الإقليمي، تَخْدم، وتُحْسِن الخدمة، في الجيش الإمبراطوري العالمي للولايات المتحدة، وتكون جديرةً بثقة سيِّد العالَم، تَحْكُم عنه، وله، ولا تَرْتَكِب «الخطيئة الكبرى» لأسلافهم.. خطيئة «.. فاذهب أنتَ وربك فقاتلا إنَّا ههنا قاعدون»! ■

إلى الأعلى