الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة .. الشعور بالظلم التراكمي .. محاولة لتقريب الصورة الغائبة

العين .. الثالثة .. الشعور بالظلم التراكمي .. محاولة لتقريب الصورة الغائبة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

د/عبدالله عبدالرزاق باحجاج
في حالات كثيرة يكون مدخل حل كبرى المشاكل المجتمعية أو الجماعية، الاعتداد بالأثر النفسي المترتب عليها ومعالجته أولا قبل أية عملية استدراكية أو تصحيحية جديدة، وبالذات إذا كان وراءها عمق تاريخي وناجم عنه تداعيات مالية كبيرة، فهل ينبغي معالجة هذه التداعيات النفسية والمالية أو أحدهما أم تجاهلها عبر القفز فوقهما؟ كيف سيكون مستوى القبول المجتمعي أو الجمعي من نتائج التصحيحات والاستدراكات حتى لو كان حجمها كبيرا؟ الإجابة نجدها في عدم رضا الممرضين من نتائج اللائحة التنفيذية للفئات الطبية والفئات الطبية المساعدة. وكذلك في عدم رضا البعض من نتائج النظام الموحد لمرتبات القطاع المدني.
والاستدلالات هنا كثيرة، لعل أبرزها، قضية تأخير الترقيات لست سنوات وأكثر في الكثير من الوزارات، بدليل ان ممرضة لم تحصل سوى على ترقيتين طوال (18) عاما، وكقضية حصر العلاوات الاستثنائية لموظفين محدودين دون غالبية الموظفين وفي وزارات كثيرة، بحيث نجد هناك الآلاف من الموظفين لم يحصلوا على أية علاوة استثنائية طوال حياتهم الوظيفية، وهم سيحالون قريبا إلى التقاعد .. الخ. فهل ينبغي القفز فوق هذه التراكمات دون حلها أو على الأقل الوقوف عندها؟ لن يكون لنجاح أية عملية تصحيحية أو استدراكية جديدة لأوضاع قديمة ما لم تأخذ بعين الاعتبار ما قد اختمر في النفسيات الاجتماعية عامة والموظفين خاصة بأنه ظلم تراكمي لم يعترف به حديثا، وكيف ينبغي الاعتراف به؟ ولو بحثنا في أية قضية معاصرة تثير الآن صداعات للجهات الحكومية، فسوف نجد وراءها الشعور بالظلم التراكمي، بل كل ما حدث سابقا في أي قطاع حكومي أو خاص وما قد يحدث مستقبلا سيكون وراءه تلك الخلفية النفسية الضاغطة، والمستقبل القريب قد أصبح سيناريو معالمه واضحا وضوح الشمس، بحيث أصبح الشعور بالظلم التراكمي يشكل كما استشرفناه في عدة مقالات سابقة، أخطر الإكراهات الداخلية المقبلة التي يجب نزع فتيلها فورا وليس آجلا، فالقضية تتحكم فيها استحكامات نفسية ومالية معقدة، لأنها وليدة تراكمات عقود بسبب أخطاء الماضي، وكان يفترض معالجتها قبل أو متزامنة مع أية عملية تصحيحية أو استدراكية، وقد يكون الحل الاعتراف بالأخطاء، وتوضيح الفلسفة الجديدة للعمل الوطني التي تتطلب تجاوز أخطاء الماضي عبر تصحيحها وفق مصلحة كل الأجيال، وهو ما نسميه بالاعتداد النفسي، ودون الاعتداد به سيظل الشعور بالظلم قائما وجاما فوق المراحل، وهذا الشعور يقف الآن بقوة ضد منظور وفلسفة توجهات الدولة الاستدراكية والتصحيحية رغم نتائجها الإيجابية الكبيرة، كيف؟ لن نجد هناك من يقلل من أهمية ما تقوم به الدولة منذ عام 2011 من عمليات استدراكية وتصحيحية لمجموعة اختلالات بنيوية عميقة، فوراءها إرادة سياسية ورؤية استشرافية قد أصبحت بعض كبرى الدول العالمية تتبنى نفس النهج، كفرنسا مثلا، كما أوضحنا ذلك في مقال سابق، وحتى أولئك الذين ترتفع أصواتهم هذه الأيام مطالبين بحقوق منسية أو متناسية، أو متجاهلة، لن يقللوا بدورهم من أهمية المسير الجديد ونتائجه التصحيحية ومدى استفادة الكل منه بنسبة وتناسب، لكن، داخل شعور ثقيل بالظلم لم يحررهم منه الأنظمة الجديدة التي تتحكم في المسير التصحيحي الجديد، والخلل ليس في السياسة ولا في الرؤية وإنما في تنفيذهما وفق فلسفة لم تنظر للواقع بخلفياته السابقة، وإنما تعاملت مع الاستدراكات والتصحيحيات من منظور مستقبلي ووفق قاعدة المساواة التي لا تعتد بأية خلفيات موضوعية سابقة، فاستوى الأب من جيل ما قبل السبعين مع ابنه من جيل الثمانينات، وربما يكون قد تفوق عليه ماليًّا ووظيفيًّا، ورغم ذلك، ينبغي أن ننظر للمسير الجديد بإيجابية لا بسلبية مطلقة على اعتبار أن الكل مستفيد من المرحلة الجديدة مع اعترافنا طبعا بوجود حالات متضررة بصورة متفاوتة، أكثرها ضررا اصحاب الدرجات المتدنية التي لم تدخل مرتباتهم سوى ريالات معدودة، وكذلك اصحاب الشهادات حيث تم خفض القيمة الاقتصادية للمؤهلات العلمية، وهذا الطرح نثيره لسببين مهمين، أولهما كبح جماح المتأثرين بالظلم التراكمي، وهم عدديا كثر، وقد يشكلون إكراها مقبلا، ونقول لهم لطفا بوطن اجتهد فاعلوه في ايجاد أنظمة لإدارة المستقبل لا الحاضر، واجتهادهم مقدر، لكن. وهذا يدفع بنا إلى الهدف الآتي مباشرة، وهو يكمن في فتح آفاق الجهات الحكومية لمسألة مهمة جدا، وهي أن كل فعل ايجابي يتجاوز معالجة الشعور بالظلم التراكمي سوف يرتد على الفعل الإيجابي على الأشخاص أنفسهم، بعبارة أدق، ان نقل الكل إلى مرحلة افضل بكثير من السابق، سوف لن تكون انجازا عند الكثير رغم انها إنجاز فعلا، لأنها وضعت نظاما للمستقبل يتساوى في الغالب جميع اجيال الموظفين دون لاعتداد بالشهادات والخبرات وتأخر الترقيات، ففي معظم القطاعات الحكومية هناك ظلم تراكمي قد أصبح يستدعى من الماضي ليضرب المرحلة الراهنة، وهذا الشعور هو الذي يجعل من مرحلة الاستدراكات والتصحيحات لم تأخذ الزخم المستحق لها رغم أهميتها الكبرى، لماذا؟ لأنها انطلقت كما قلنا سابقا من تأسيس بنية جديدة تستوعب كل الموظفين، القدامى والجدد على حد سواء دون الاعتراف للقديم بأفضلية مالية أو وظيفية، فسقط اعتبار الشهادة بل تراجع تقويمها الوظيفي درجة أو درجتين، كما سقط اعتبار الخبرة، فتساوى الكل في التسكين عند المرتبات الأساسية، مثل قضية الممرضين، وسوف يكون المستفيد من اعتماد هذا المعيار من يترقى في التوقيت القانوني المناسب ويحصل على مكافأة أكثر من غيره، ولو بحثنا في ماضي أغلبية الوزارات فإنها كانت تؤخر ترقيات موظفيها ما بين ست إلى سبع سنوات، فكم سبع سنوات في العمر الوظيفي للموظف حتى ينتظر الترقيات؟ وهنا تكمن المشكلة، فالأغلبية تشعر بالظلم، ولن ترضيها اي زيادة حتى لو كانت معتبرة ما دام لم نحل عقد الظلم التاريخية.
كيف يمكن حل تلكم الإشكالية الكبيرة؟ وإذا لم تحل فسوف تفجر إكراهات قطاعية أو فئوية خاصة بعد ما اكتشف البعض مؤخرا قيام بعض الوزارات بإعادة تحسين درجات وإعادة توظيف متقاعدين بدرجات اعلى بينما زملاؤهم في نفس المهنة تاريخيًّا وربما يكونون اقدم منهم وهم لا يزالون يقبعون في الدرجات السادسة والخامسة بينمها قفزوا إلى الدرجة الأولى، اليس هذا ظلم؟ ويتم ذلك استغلال لثغرة قانونية تعطي للوزير الحق رفع توصية بترفيع بعض موظفيه درجة وربما أكثر، وقد مورس من قبل البعض وفق أمزجة واهواء شخصية بعيدا عن اية استحقاقات موضوعية، أليس هذا ظلم؟ بل إن بعض الوزراء الذين غادروا من غير رجعة مارسوا ظلم الإقصاء على بعض موظفيهم لاعتبارات خاصة.. وللأسف بعض الوزراء الجدد يتبنون نفس النهج، اليس هذا ظلما؟ ومع هذا نقول للذين يشعرون بالظلم التراكمي لطفا بوطن، كلنا نحبه، وكلنا يدافع عن أمنه واستقراره، وكلنا على استعداد للتضحية من أجل ديمومة أمنه واستقراره، فالحقوق لا تسقط خاصة بعد فتح باب التصحيح والاستدراك لمعالجة الاختلالات البنيوية، لكن، كيف نطالب بها حفاظا على أمننا واستقرارنا ؟

إلى الأعلى