الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / تقرير: درس أكتوبر
تقرير: درس أكتوبر

تقرير: درس أكتوبر

هيثم العايدي

قبل 43 عاما خاض رجال ملحمة تاريخية قضوا بها على اساطير نسجت وغطرسة استمرت لـ6 سنوات سرعان ما تم تحطيمها في 6 ساعات.
ففي السادس من أكتوبر 1973 خاض الجيشين المصري والسوري أعظم حروبهما في التاريخ الحديث حتى باتت هذه الحرب درسا في قدرة الشعوب على تحقيق النصر بالارادة والاستعداد والتخطيط السليم.
فقد كانت الخطة تعتمد على مفاجأة اسرائيل بهجوم من كلا الجبهتين المصرية والسورية، بعد خطة أخرى استهدفت خداع أجهزته الاستخبارية من أجل استرداد الأرض التي احتلتها إسرائيل في يونيو 1967 وذلك بهجوم موحد مفاجئ، في ظهيرة يوم 6 أكتوبر.
فعلى الجبهة المصرية بدأ الجيش المصري بضربة جوية تشكلت من 222 طائرة مقاتلة عبرت قناة السويس وخط الكشف الراداري للجيش الإسرائيلي مجتمعة فى وقت واحد، استهدفت محطات الشوشرة والإعاقة في أم خشيب وأم مرجم ومطار المليز ومطارات أخرى ومحطات الرادار وبطاريات الدفاع الجوي وتجمعات الأفراد والمدرعات والدبابات والمدفعية والنقاط الحصينة في خط بارليف ومصاف البترول ومخازن الذخيرة.
وبعدها بخمس دقائق قامت أكثر من 2000 قطعة مدفعية و هاون ولواء صواريخ تكتيكية ارض بقصف مركز لمدة 53 دقيقة صانعة عملية تمهيد نيراني من اقوي عمليات التمهيد النيراني في التاريخ.
وبدأت بعدها عمليات عبور مجموعات اقتناص الدبابات قناة السويس، لتدمير دبابات العدو ومنعها من التدخل في عمليات عبور القوات الرئيسية وعدم استخدام مصاطبها بالساتر الترابي علي الضفة الشرقية للقناة.
وفي الساعة الثانية وعشرين دقيقة اتمت المدفعية القصفة الأولي لمدة 15 دقيقة، وفي توقيت القصفة الثانية بدأت موجات العبور الأولي من المشاة في القوارب الخشبية والمطاطية.
ومع تدفق موجات العبور بفاصل 15 دقيقة لكل موجة وحتى الساعة الرابعة والنصف مساء تم عبور 8 موجات من المشاة وأصبح لدى القوات المصرية على الشاطئ الشرقي للقناة خمسة رؤوس كباري.
ومع عبور موجات المشاة كانت قوات سلاح المهندسين تقوم بفتح ثغرات في الساتر الترابى لخط بارليف، وحين فتح الثغرات قامت وحدات الكباري بإنزالها وتركيبها في خلال من 6ـ9 ساعات.
وفى خلال الظلام أتمت عملية العبور حتى أكملت 80 ألف مقاتل مشاة و 800 دبابة ومدرعة ومئات المدافع.
وعلى الجبهة السورية وفي الساعة الواحدة بعد الظهر صدرت الأوامر للطائرات المقاتلة بالإقلاع من مطاراتها وفي الساعة الواحدة و55 دقيقة أعطي الأمر للمدفعية بفتح نيران التمهيد على الأهداف المعادية في الجولان.
في الساعة الثانية ظهرا كان ما يقارب تسعمائة مدفع وهاون تصب نيرانها على الموضع الأول المعادي وعلى جميع الأهداف الموجودة في الجولان والتي لم يخصص لها جهد جوي.
كما كان أكثر من ثمانين طائرة مقاتلة وقاذفة مقاتلة تجتاز خط وقف إطلاق النار والحدود الدولية اللبنانية لتسقط قنابلها على مراكز توجيه الطائرات في ميرون وجبل الشيخ وتل أبو الندى وتل الفرس، وعلى تجميع الدبابات المعادي في منطقة العليقة كفر نفاخ وعلى كل الجسور القائمة على نهر الأردن.
كانت نتائج الضربة الأولى والتمهيد المدفعي مؤثرة جداً. وما ان انتقلت نيران المدفعية إلى عمق الدفاعات المعادية حتى بدأت مجموعات اقتحام فرق النسق الأول «7 ـ 9 ـ 5»، تقدمها للهجوم.
وفيما كانت رياح الانتصار تحمل الكرامة على الجبهتين المصرية والسورية كان زلزال من الخزي يجتاح الجانب الإسرائيلي.
ومن تقرير لجنة أجرانات التي تم تكوينها في الـ21 من نوفمبر 1973 للتحقيق في أسباب هزيمة الجيش الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر 1973 يتضح لنا مدى تأثير حرب أكتوبر والتي كانت أهم تداعياتها انفجار فقاعة الغطرسة الاسرائيلية.
فقد تكونت اللجنة برئاسة رئيس قضاة المحكمة العليا الاسرائيلية شيمون أجرانت عضوية كلٌ من : موشيه لاندو و إسحاق نابينزال و رؤساء الأركان السابقين ييجال يادين و حاييم لاسكوف .
عقدت اللجنة أكثر من 140 جلسة لتستمع لما يقرب من 58 شاهدًا و لتقرأ حوالي 188 شهادة خطية.
وووفق مما نشر عن اللجنة فان أسباب هزيمة اسرائيل بالمقام الأول تأتي في الاعتقاد أن مصر لن تهاجم دون أن تكون متوفقة من ناحية القوات الجوية و إلى الاعتقاد الآخر بافتقار الجبهة السورية للحافز للقتال مع المصريين وكذا الاعتقاد بإن مناورات الجيش المصري لا تعتبر استعدادًا للحرب.
وجاء فيما نشر عن تقرير اللجنة أن الخطيئة الأولي للحكومة الإسرائيلية تمثلت في أن وزير الجيش آنذاك موشي دايان كان يمثل حاجزا بين رئاسة الوزراء ورؤساء الأجهزة الأمنية المختلفة.
وركز التقرير علي شهادة الجنرال إسرائيل ليور النائب العسكري لرئيسة الوزراء الإسرائيلية الراحله جولدا مائير.
وأكد ليور في شهادته أن مائير كانت علي دراية كاملة بكل العمليات التي يشرف عليها الموساد.
وأكد التقرير أن مائير كانت تولي اهتماما خاصا بالمعلومات الواردة من جاسوس مصري أبلغهم بموعد الحرب يوم الجمعة عشية العبور وانه كان قد ابلغهم بنفس المعلومه من قبل ثلاث مرات وذلك خلال اجتماع جمعه بزيفي زامير رئيس الموساد آنذاك علي حد قول التقرير, ولكن التقرير أكد أنه كانت هناك بعض الشكوك حول مدي مصداقية المعلومات التي يقدمها الجاسوس, حيث أنه أبلغهم ثلاث مرات بموعد الحرب وعاد لينفي هذه المعلومات قبل شهر واحد من اندلاعها, وهو ما دفع المخابرات العسكرية إلي الاستهانة بالمعلومة الأخيرة التي قدمها لهم مستبعدين تماما احتمالات الحرب.
وقد تناول تقرير اللجنة الأحداث ببعض التفصيل وانتقد الجيش الإسرائيلي بشدة لافتقاره إلى التأهب وخلل في التنسيق بين مختلف الوحدات.
كما جاء في شهادة رئيسة الوزراء الإسرائيلية انذاك جولدا مائير «بأنها أخطأت قبل السادس من اكتوبر مباشرة عندما وصلتها معلومات عن هجوم محتمل على كل من الجبهة المصرية والسورية، وبعد مناقشة الأمر فى اجتماع مع رئيس المخابرات ورئيس الأركان لم تجد فى نفسها الشجاعة الكافية لاتخاذ قرار باستدعاء الاحتياطى ورفع حالة التأهب فى الجيش، وارجعت مائير ترددها فى اتخاذ هذا القرار أو حتى اتخاذ قرار بتوجيه ضربة عسكرية استباقية بعد علمها بنوايا المصريين والسوريين الى خشيتها من رد الفعل الاميركى، خاصة انها كانت تنتظر دفعة من المساعدات العسكرية من الولايات المتحدة ، ولم تكن ترغب فى أن يفهم الأميركيون من استدعاء الاحتياطى ورفع حالة التأهب أن اسرائيل تنوي شن حرب جديدة ضد جيرانها فيفكرون فى التراجع عن مدها بالمعدات المطلوبة.
وتضيف مائير انها كانت تخشى أيضا من أن الجيش الاسرائيلى ليس لدية المعدات الكافيه للبدء فى حرب جديدة وأنها كانت تنتظر وصول المساعدات الأميركية قبل اتخاذ مثل هذا القرار، الطريف أن الموعد المحدد لوصول هذه المعدات كان السادس من أكتوبر وفق الاتفاقيات المبرمة سلفا ما بينهما.
اما عن ” رئيس الأركان الاسرائيلي الجنرال ديفيد إليعازر وقتها فقد قال في التحقيقات انه مثل غيره من القادة الاسرائيليين كان يعتقد أن المصريين ليست لديهم فرصة ضد اسرائيل فى اى حرب محتملة، لقد شعرنا نتيجه تفوقنا العسكرى و المخابرتى باننا نعرف جيدا كل ما يدور فى مصر، ففى مصر كانوا يتحدثون عن الحرب ويفكرون فى الحرب ويستعدون من أجل الحرب ولكنهم لن يخوضوها ضدنا ابدا، كنا نعلم بانها قد تكون أمر محتمل ولكن فى الوقت نفسه كنت اعتقد ومعى كثير من القادة العسكريين بانها امر وفق القواعد العسكرية غير محتمل، كنت أعرف انهم ليست لديهم فرصة وحتى لو بدأوا الحرب فمصيرهم الهلاك، لاننى كنت اتصور دائما انه سيكون لدينا تحذيرات مسبقة وهذا هو ما أخبرت به جولدا مائير رئيسه الوزراء ايضا”.
اضاف ديفيد إليعازر أن أحدا لم يحذره من اقتراب الحرب سواء من الجيش او افرع المخابرات المختلفة، وانه لم يتلق اى معلومات جدية من الجواسيس والعملاء الاسرائليين، فعلى سبيل المثال فى زيارتى للجبهه الشمالية ـ الجولان فى ايام قليله تسبق اندلاع الحرب ذكر لى قائد المنطقة الشمالية انه قلق من التصعيد فى الجيش المصري وهذا صحيح، ولكن لم يأتى احد من مركز المخابرات او القيادتين الشمالية أو الجنوبية  ليقول ان هناك علامات على ان الامر يتجاوز التدريبات المعتادة، ويقع خارج حالة الطوارئ الطبيعية بشكل يشير الى الاستعداد للحرب وفقط يوم السادس من أكتوبر السبت صباحا” تلقينا معلومه تفيد بأن الحرب قد تندلع فى المساء.
واضطر ديفيد إليعازر أن يذكر امام اللجنة بعض من أسرار الإدارة العسكرية لتفاصيل الحرب فى محاولة منه لدفع الاتهامات عنه بقدر الإمكان، فذكر بأنه قد أبلغ مجلس الوزراء فى الساعة العاشرة من مساء يوم السادس من أكتوبر بتحقيق نجاحات على هضبة الجولان لكنه اعترف بنجاح القوات المصرية المدوي، وقال ان عمليات صد القوات المصرية التى عبرت قد بدأت وأنه فى الصباح سيتم اخلاء المنطقة، وان موشيه دايان أظهر فى هذا الوقت قدرا” كبيرا” من التفاؤل فقد كان يرى انه فى حاله عدم تحقيق القوات المصرية والسوريه لأى تقدم أو انجاز آخر فهذا سيعنى ان الهجوم قد فشل.
لكن دايان يعود فى مساء السابع من أكتوبر وبعد مرور اقل من 24 ساعة على تفاؤله ليعترف أمام مجلس الوزراء بلهجة تحمل قدرا كبيرا من المرارة نصا “لقد كان تقديري لاحتمالات بدء العرب الهجوم ضدنا منخفضا للغاية، والنتائج الآن تقول ان القتال العربى على الجبهة أكبر وأقوى بكثير مما توقعنا.
قد يختلف الكثيرون على ما شهدته دهاليز السياسية بعد حرب أكتوبر .. لكن العدو قبل الصديق يعرف أن اكتوبر 1973 كان نصرا تحقق بارادة شعوب واستعداد وتخطيط قيادات وتضحيات واستبسال جيش في درس عملي لمقومات النصر وأسبابه.

إلى الأعلى