الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار .. الجائزة العار

باختصار .. الجائزة العار

زهير ماجد

وأنا أقلب صفحات الكاتب جابريل جارسيا ماركيز الذي اضاف لنا حبا على حب وهو المتوفي قبل أيام قليلة، وجدت جملة أعرف انه كتبها ذات مرة وربما قالها مرات توحي بمكنوناته الطيبة ونظافة قلبه وعقله .. فقد قال ” اشعر بالعار لأني أحمل جائزة نوبل ويحملها ايضا مناحيم بيجن ” ..
كأنما يريد هذا الكاتب الكبير ان يغسل نفسه مما علق به من جائزة مشبوهة الأهداف، وهو الذي كتب نصوصا انسانية مدوية. كان عارا بالفعل ان تعطى الجائزة لأبرز قتلة اسرائيل وهو مناحيم بيجن ومن ثم بعده لشبيهه شيمون بيريز. كأنما هنالك إمعان من قبل مقرري الجوائز في قتل المعنى الانساني للجائزة اذا اعتبرنا ان لها هذا النوع من المعاني.
هنالك كاتب عربي ما زال يحلم بتلك الجائزة، لكنه ذات مرة أفلتت من لسانه الحقيقة عندما قال انها تعطى لأسباب سياسية. لو تم التفكير ولو لبرهة بما ارتكبه مثلا مناحيم بيجن من مجازر بدء من دير ياسين وصولا إلى مجازر اجتياح لبنان عام 1982، لتم اعادة سحب الجائزة منه وهو ميت، وقبلها الرفض المطلق لمنحه اياها وهو حي. وكذلك الحال مع شيمون بيريز الذي يشبه كثيرا نظيره بيجن، وكل قيادي في اسرائيل يشبهه. عالم من منتحلي صفات الإنسان يتحكمون بقدرات أعطيت لهم، لا يجوز ان تكون بين أيديهم، وهم اهل الشرور.
صدق ماركيز وهو يقلب الإنسانية ان ثمة أبرز اوجاعها ما هو متعلق بالفلسطينيين، وتتحمله الصهيونية الحاكمة في إسرائيل والتي تلعب دور المتابع في قتل الفلسطيني اينما كان، بل ومتابعة ارهاب العربي في أي مكان .. انها باختصار دولة الرعب التي نشأت من جيش ما زال هو الاسم الخفي لها، وما زال هو طابع تنظيمها وحراكها. يصرف الإسرائيلي على جيشه اكثر من اية دولة كبرى في هذا العالم، كما يصرف على مخابراته الخارجية الموساد مليارات تزيد كل عام، كل هذا من اجل البقاء بقوة النار والحديد في منطقة لا ترضى وجوده بل ترفضه تماما.
لم يأنس ماركيز للجائزة التي يحمل مثلها جزار شهير اسمه بيجن، واعتقد ان ماركيز حين يقول جملته تلك فإنما لا يقصد بيجن بعينه، بل كل قياديي اسرائيل الذين هم وجه الشبه به. ولعل التفسير المنطقي لموقف ماركيز من الجائزة قد تصل إلى حد رفضها، فهي ستظل بالنسبة إليه عارا وحملا ثقيلا يكاد ان يكون له معنى وحيدا وهو رفضه للجائزة لأنها صارت ملوثة بإعطائها لقتلة وجزارين وجلادين.
لو اعيد النظر بتلك الجائزة وبكيفية منحها، لرفضها بعض من نالها لأنها خرجت عن قيمتها المعنوية عندما اعطيت إلى بيجن وامثاله. من المؤسف ان يقول هذا الكلام كاتب من كولومبيا، بينما لم يتفوه به رجل عربي نال جائزة نوبل وهو احمد زويل وكذلك الحال مع نجيب محفوظ.
نكبر كثيرا موقف ماركيز الذي حيا كثيرا نضال الفلسطينيين في مناسبات عدة .. ليس غريبا على هذا الكاتب الذي له اصدقاء بحجم فيدل كاسترو وربما كان قريبا من تشي جيفارا، ثم هو صديق لكل مناضل ضد الامبريالية. ان من يقف مع الشعب الفلسطيني ومع مأساته الكبرى، لا يمكن الا ان يكون حرا في دروب الحرية والنضال الأممي.

إلى الأعلى