الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شم النسيم

شم النسيم

”في هذه الأيام التي تستعيد فيها الإنسانية حب أسلافها للحياة واقبالهم عليها والاحتفال بالاستفادة من خيرات الطبيعة، هناك من يقتل أخاه الإنسان مستهترا بكل قيم الحياة والانسانية. ليس القتل بالسلاح فحسب، وإنما بالحصار والتجويع والخصومة الفاجرة والحقد الأعمى، ورغم أن هذا فريق قليل العدد مقارنة بالملايين التي ما زالت تحتفل في دور العبادة والمتنزهات إلا أنه فريق يسمم الأعياد والاحتفالات وينزع بهجتها.”
ــــــــــــــــــــ
صادف هذا العام أن تزامن عيد الفصح عند الكاثوليك، ومسيحيي الغرب عموما، مع عيد القيامة عند الأرثوذكس وهكذا لحق بالعيد في كل أنحاء الأرض احتفال “شم النسيم” المعروف أكثر في مصر وما زال المصريون يحتفلون به حتى الآن. ورغم أن الجو في مصر يعاني من تلوث شديد زاد في السنوات الأخيرة، لكن المصريين خرجوا هذا الأسبوع إلى المتنزهات والريف ليحتفلوا بالعيد الذي يمثل قدوم الربيع. واستهلك المصريون كميات كبيرة من الفسيخ (السمك المملح) والبصل والملانة (نبات الحمص الأخضر) كعادتهم منذ آلاف السنين. وسبق يوم الاثنين الذي احتفل فيه بشم النسيم، تلوين البيض وأكله يوم السبت، المعروف بيوم “سبت النور” ـ والمرتبط بالبيض الملون في تراث الجميع وليس فقط اقباط مصر أو مسيحيي الشرق.
وهناك من يرى أن طقس أكل البيض يعود إلى احتفالات أقدم من ميلاد السيد المسيح عليه السلام، حتى إن البعض يرجع تسمية عيد القيام في الغرب (إستر Easter) إلى أنه كان في الأساس احتفالا بعشتار، إلهة الخصوبة والجنس عند البابليين والأشوريين. ومن بين رموزها البيض والأرانب. وقد سمي عيد بداية السنة العبرية عند اليهود كذلك بعيد الفصح، وهناك من يربط بين العيد في اليهودية ووقت خروج اليهود من مصر في زمن فرعون، وأنه صادف احتفال الربيع (شم النسيم) عند قدماء المصريين.
أما شم النسيم، فكان يحتفل به الفراعنة في وقت قدوم الربيع، وتختلف الروايات حول ارتباطه بأي من آلهتهم مثل اختلاف بدء الاحتفال به قبل خمسة آلاف سنة أو أكثر من ذلك. لكن الطقوس لم تتغير كثيرا: السمك المملح والبصل والملانة. ومن غير الواضح متى وكيف أكمل يوم شم النسيم أعياد “أسبوع الآلام” عند أقباط مصر، لكن الطقوس في أغلب أعياد ومواسم الأديان الرئيسية كلها تظل لها جذور في تراث شعوب المنطقة، وانتقلت منها ملامح كثيرة إلى احتفالات شعوب أخرى في أوروبا وآسيا ـ وإن تطعمت احتفالاتها الدينية بطقوس لا شك تعود إلى تقاليد في تاريخ تلك الشعوب. وان اختلف التوقيت قليلا مع النوروز الفارسي الذي يأتي قبل شم النسيم والفصح، لكن جذر العيد والاحتفال وربما حتى طقوسه متشابهة.
كان هذا الأسبوع، بأعياده واحتفالاته، تذكيرا قويا بأن الجذر الإنساني لكل الأديان ربما كان واحدا، وهكذا تتقاطع رسالاتها جميعا مع مبادئ وقيم انسانية اساسية بسيطة مثل الاحتفال بالحياة وتجاوز مصاعبها وآلامها لاستمرار الجنس البشري مقدرا هبات الطبيعة ونعم الله سبحانه وتعالى. تذكرت كل ذلك في تناقض مرعب مع ممارسات ترتبط بالدين في أنحاء مختلفة من العالم، وخاصة في منطقتنا التي كانت مهدا لكل الأديان الرئيسية عند البشرية. ورغم أننا نعاني في المنطقة من مشاكل مزمنة منذ أمد بعيد يستغل فيها الدين بعكس ما أريد من رسالته، لكن النظر إلى ما جرى في هذا الأسبوع الذي توافقت أعياد واحتفالات يعد تكبيرا لصورة مؤلمة. لا أريد أن افسد فرحة الأعياد والاحتفالات، لكن اغماض العين عما يجري حولنا يزيد من تفاقمه ويعزز من شره. ولننظر من سوريا إلى اليمن مرورا بفلسطين، ومن الفلبين إلى لندن مرورا بنيجيريا والقرم بدرجة أقل من منطقتنا، لنجد كيف وصل الحال بنا نتيجة تعصب وتطرف لا علاقة له بدين أو انسانية.
في هذه الأيام التي تستعيد فيها الانسانية حب أسلافها للحياة واقبالهم عليها والاحتفال بالاستفادة من خيرات الطبيعة، هناك من يقتل أخاه الانسان مستهترا بكل قيم الحياة والإنسانية. ليس القتل بالسلاح فحسب، وانما بالحصار والتجويع والخصومة الفاجرة والحقد الأعمى، ورغم أن هذا فريق قليل العدد مقارنة بالملايين التي ما زالت تحتفل في دور العبادة والمتنزهات إلا أنه فريق يسمم الأعياد والاحتفالات وينزع بهجتها. وإذا كان المسلم والمسيحي يتقاتلان في نيجيريا أو إفريقيا الوسطى، يحرقون القرى والنجوع ويشردون البشر والأنعام ويأتون على الأخضر واليابس، بينما المتطرفون اليهود يريدون طرد المسيحيين والمسلمين من دورهم وأرضهم في فلسطين بل ويحرمونهم العبادة لله في أماكنهم المقدسة، فإن كثيرا من أبناء الدين الواحد والجماعة البشرية الواحدة يتقاتلون في أماكن أخرى من الهند إلى أوكرانيا مرورا بسوريا. بينما جماعات أخرى ـ تدعي التستر بالدين وسماحته وسلميته ـ تؤجج النزاعات والخلافات بين الشعوب وحتى بين الشعب الواحد.
أليس هذا ما يفعله من يدعون أنهم يمثلون الاسلام ويتسمون باسمه؟ تلك التفجيرات التي تقتل الأبرياء في مصر، وذلك الشقاق بين دول الخليج وبعضها، وحتى إثارة اللغط في الغرب بما ينعكس سلبا على الجاليات المسلمة المسالمة فيه، كلها نتائج لممارسات هؤلاء الدنيوية الدنيئة جريا وراء سلطة ومنافع مالية. هؤلاء الذين يعادون حب الناس للحياة، وللاحتفال الجمعي بخيرات الطبيعة ونعم الله، تقتلهم أنانيتهم غير الانسانية وتسمم حياة الناس حولهم. لو أن هؤلاء الذين يدعون أنهم “إخوان” وأي أسماء يحملونها استلهموا شم النسيم والنوروز واحتفال عشتار، لما شهدنا حمامات الدم في سوريا ولا التفجيرات والقتل في مصر والجزائر وتونس ولا الشقاق والخلافات على ضفاف الخليج. لكن “لو” تفتح عمل الشيطان، لذا فانبذوهم واحتفلوا يا من تحبون الحياة وتقدرون نعم الله على خلقه.

د. أيمن مصطفى* كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى