الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الثابت والمتحول في سياسة أنقرة

الثابت والمتحول في سياسة أنقرة

إن ما يزيد من تعقيد تحليل السياسة التركية هو وقوعها بين القطبين الجاذبين القويين أعلاه، أي قطب الإسلامية وقطب التورانية. وإذا ما حاول المرء رصد مشاكل تركيا القائمة على خلفية فاعلية القطبين أعلاه، فإنه لن يفلت قط من ملاحظة التذبذب المذكور أعلاه، الأمر الذي ينعكس بوضوح على أسطح وسائل الإعلام التركية على نحو واضح…

أ.د. محمد الدعمي

على الرغم من عدم إمكانية مباشرة سياسة دولة إقليمية كبيرة كتركيا دون إرفاقها بالتحديات والإشكالات والتمردات التي تتعرض لها تلك الدولة، إلا أن على المرء أن يحاول رصد وتحليل متغيرات سياسات أنقرة، على خلفية عامل التذبذب بين النزعة القومية التورانية المعروفة، من ناحية، وبين النزعة الإسلامية التي راحت تأخذ مدياتها بقوة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة هناك.
إن ما يزيد من تعقيد تحليل السياسة التركية هو وقوعها بين القطبين الجاذبين القويين أعلاه، أي قطب الإسلامية وقطب التورانية. وإذا ما حاول المرء رصد مشاكل تركيا القائمة على خلفية فاعلية القطبين أعلاه، فإنه لن يفلت قط من ملاحظة التذبذب المذكور أعلاه، الأمر الذي ينعكس بوضوح على أسطح وسائل الإعلام التركية على نحو واضح: فإذا ما كان تعاطف الحكومة التركية قويًّا مع “الأقلية التركمانية” في العراق، فإن مرد هذا التعاطف قومي، بطبيعة الحال، وإلا لماذا ينزعج الكرد والعرب في العراق وتركيا منه: فكلما ركزت الحكومة التركية على استقطاب الترك والقبائل التركمانية عبر قارة آسيا، وهي واسعة الانتشار، كما ندرك ذلك جيدًا، كلما تعاظمت الشكوك الإقليمية فيما يراود الرئيس أردوغان والقيادة التركية من حلم توسعي يراهن على الأقوام التركية أو الأقوام الناطقة باللسان التركي، وهي بدرجة من الانتشار والاتساع أنها تصل حدود الصين ومنغوليا شرقًا. هذا هو ما يثير حفيظة العديد من دول الإقليم، خاصة تلك التي تحتفظ بأقليات تركية أو تركمانية كما هي عليه الحال في العراق وإيران وسوريا، عدا الدول المحاددة لتركيا باتجاه أوروبا، شمالًا، كبلغاريا وألبانيا.
وإذا كان اعتماد الروح التورانية القومية مهمًّا ومثيرًا للحساسيات، فإن اعتماد الروح الإسلامية يثير الشجون والمخاوف من نواحٍ أخرى؛ ولدى دول إقليمية مهمة كمصر، بل وحتى لإسرائيل. من المنظور المصري، تعد تركيا أهم داعم وضامن لحركة الإخوان المسلمين التي راحت الحكومة المصرية تعدها، خطرًا “إرهابيًّا” على الدولة، فإن ذلك هو ما سيبقي على التوتر بين القاهرة وأنقرة.
ومن منظور آخر، لا يرى الإسرائيليون في الزعامة الإسلامية المهيمنة على السياسة التركية الآن، إلا دعمًا واضحًا لحركة حماس ولمجال هيمنتها الأساس عبر إقليم غزة، الأمر الذي يعقد من احتمالات فهم أدق وأوضح لمؤشرات ومدورات السياسة التركية.
لذا يبقى السؤال محيرًا لدول الإقليم: هل تبقى تركيا متمسكة بتوجهها الإسلامي، وإذا كان الأمر كذلك، كيف لها أن تبرر وتوضح العزف على الوتر القومي التوراني الممتدة أصدائه إلى أواسط آسيا؟
على هذه المحكات يمكن تحقيق قراءة أفضل للتفويض الذي منحه البرلمان التركي للحكومة بإطلاق يدها في “معركة تحرير الموصل”، إذ إن لهذا القرار وتلقفه من قبل الحكومة التركية بحماس وباستبشار الكثير من الدلالات وأهمها (كما أجتهد): أولًا، ضرب أي إمكانية لبسط الهيمنة الكردية على الموصل (ثالث أهم مدن العراق)؛ وثانيًا سحق عناصر “داعش” بعد انتهاء شهر العسل بينها وبين الحكومة التركية نظرًا لما أقدم عليه هذا “التنظيم” من أعمال تخريب وإرهاب في العمق التركي، خلال المدة الوجيزة المنصرمة.

إلى الأعلى