الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / إضاءة ٌعن “العقل السياسي العربي” لمحمد عابد الجابري

إضاءة ٌعن “العقل السياسي العربي” لمحمد عابد الجابري

المدخل إلى كتاب (1)
كان عليّ القفز إلى الكتاب الثالث من السلسلة النقدية “نقد العقل العربي” المكوَّنة من أربعة كتب: “تكوين العقل العربي”، “بنية العقل العربي”، “العقل السياسي العربي”، و”العقل الأخلاقي العربي”، للمفكر المغربي الراحل “محمد عابد الجابري”. كان عليّ مفارقة الكتابين الأولين بالقفز مباشرة ًنحو الكتاب الثالث، على أمل الكتابة مستقبلاً عن الكتاب الرابع، والسبب في ذلك، أنّ الكتابين السالفين ـ بشهادة المؤلف ذاته ـ يختصَّان بنقد تحليليّ للعقل النظري في الثقافة العربية قديماً: العقل النحوي، العقل البلاغي، العقل الكلامي، العقل الفلسفي (ص/2). أما في كتاب “العقل السياسي العربي”، فمنطقة التحليل اختلفت اختلافاً عن منطقة الكتابين الأولين؛ هنا بدأ الاشتغال نقدياً على العقل الفعلي لا النظري للثقافة العربية، بعقل الواقع العربي لا بعقل الفكر العربي (ص/7)، كما تحدّده ُـ أي عقل الواقع العربي ـ دوافعه الداخلية، الشعورية واللاشعورية، التي تتجلى بمظاهرها الخارجية.
والسياسة، وهي المسجاة على المصطبة النقدية في هذا الكتاب المنفرد بها وحدها كموضوع من موضوعات عقل الواقع العربي. السياسة على ضوء المعطى التاريخي القديم، كما تحدّدها محركاتها الداخلية الثلاث: العقيدة، الغنيمة، القبيلة، وكيف أنَّ هذه المفاعيل الثلاث أثَّرت في تكوين الدعوة المحمدية مروراً إلى نشأة الدولة الإسلامية، وكيف أثَّرت كذلك في حركات الردَّة ـ الخروج عن الإسلام ـ بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، صعوداً بالفتنة بعد ذلك داخل الإسلام ذاته.
تلك “المحدّدات” الثلاث: الغنيمة، القبيلة، العقيدة، التي كانت لها “تجليات” في “دولة الملك السياسي” كما أسّسها مُلك معاوية بن أبي سفيان، والقائمة إلى اليوم. وتجلياتها الأخرى في “ميثولوجيا الإمامة”، وفي “الحركة التنويرية” المضادة لأيديولوجية الدولة الأموية الجبرية مع ظهور الفرق المختلفة، لتكون مع العصر العباسي تجليات جديدة في “الأيديولوجيا السلطانية” كمحاولات تنظيرية سياسية مستقاة معظمها من الأدبيات السياسية الفارسية.
اختصاراً، وظّف الجابري أدواته المفاهيمية المستقاة من “التحليل النفسي”، كمفهوم “اللاشعور السياسي” كما أسّس أبجدياتها سيجموند فرويد، وكما صاغ قالبها يونغ في “اللاشعور الجمعي” حيث يبحث اللاشعور الجمعي عن تلك الرواسب سحيقة القدم للجماعة، والمؤثرة لا شعورياً في تجاربها الإنسانية. وتوظيفه كذلك لمفهوميّ “البنية التحتية” و”البنية الفوقية” من الفكر الماركسي والبنيوي، والوحدة بينهما في مثال المجتمعات السابقة لمرحلة الرأسمالية أو غير الرأسمالية. وتطرّقه كذلك إلى نمط الاقتصاد عند المجتمع العربي قديماً، القائم على نمط الاقتصاد الريعي؛ حيث يقوم هذا النمط بالابتعاد عن خط العمل والإنتاج، والاعتماد على جباية أموال الرعية وإنفاقها على الدولة.
وأخيراً، لماذا وقع اختياري بالذات على هذا الكتاب لأستفتح به ِسلسلة مقالات “المدخل إلى كتاب”؟! ذلك أن الجابري ـ على الرغم من تحفّظات ناقديه تجاه أعماله ـ يبقى صاحب مبادرة فكرية لاستعمال العقل في نقد العقل؛ من خطاب العقل إلى واقع العقل، من العقل الفاحص إلى العقل القائم. فهو في ذلك ـ رغم اختلاف وجهات النظر حوله ـ يبقى قلماً وفكراً ينظر إلى الواقع والفكر كعقل مكوّن ويتكوّن يستطيع خطاب العقل الناقد إعمال مبضع الجراحة النقدية في عناصره.

منهل الرئيسي

إلى الأعلى