الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تحليق في فضاءات ورحلة التشكيل المغاربي

تحليق في فضاءات ورحلة التشكيل المغاربي

سأتناول في هذه المساحة تفاصيل المشاركة في سمبوزيوم أعالي شليا الدولي الأول للفن التشكيلي والذي يأتي تحت شعار “الفن غذاء الروح” والذي أقيم مؤخرا بولاية خنشلة (اسم كاهنة قديمة لها مكانة كبيرة في التاريخ الجزائري) إحدى ولايات الشرق الجزائري وهي المدينة التي انطلقت منها أول رصاصات ثورة تحرير الجزائر عام 1954م من الاستعمار الفرنسي. أقيم السمبوزيوم بتنظيم الجمعية الولائية “لمسات للفنون التشكيلية” وهي جمعية محلية ناشئة لم تكمل العام الواحد منذ تأسيسها. والسمبوزيوم كلمة لاتينة قديمة وتعني المنتدى أو الندوة التي يجتمع فيها المفكرون أو الفلاسفة أو المبدعون للتبادل الثقافي والتعلم وفق جدول معين وفي زمان ومكان محددين. انقل هنا ما تعلمته في هذا السمبوزيوم من خبرات ومعارف وبمثابة السرد القصصي غير المتكلف والذي قد يصنف ضمن أدب الرحلات.
لقد تلقيت دعوة المشاركة في هذا السمبوزيوم من خلال الفنان الجزائري مراد عبداللاوي، مدير السمبوزيوم وهو الشخص الموكل له ترشيح الفنانين المشاركين من داخل البلدان العربية أو من خارجها. الفنان مراد فنان ذو تجربة تشكيلية عميقة اطلعت عليها وأعجبت بها مما زاد حماسي لأخذ قرار قبول الدعوة وخاصة أنها أتت في وقت كنت متعطشا فيه للسفر والرسم مجددا للاحتكاك والتعرف على زملاء جدد من محبي لغة الشكل واللون والتعرف على من لم تكن تجمعني بهم سابق معرفة. قبل السفر بأسبوعين تواصلت معي الزميلة الفنانة العُمانية طاهرة فدا وأخبرتني أنها تلقت دعوة لنفس السمبوزيوم، فتحمست أكثر وأعجبتني فكرة أن يمثل السلطنة في هذا المحفل فنان وفنانة ـ ولو بصفة غير رسمية ـ وأعني بذلك أن الدعوات لم تصل من خلال الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية، إنما أتت بشكل شخصي.
قمت للإعداد لهذه المشاركة بشكل جيد، فقد كنت متحمسا لاكتشاف الفن التشكيلي الجزائري والتعرف أكثر على دولة قد لا يعرفها الكثير منها تمام المعرفة، فهي دولة بعيدة نسبيا عن عُمان ولم يسبق لي زيارتها والاطلاع على ثقافتها من قبل. خلال هذه الفترة رحب الفنان مراد بجميع المشاركين في السمبوزيوم من خلال صفحته على الفيس بوك وبذلك اتضح لي بشكل عام عدد المشاركين والدول التي أتوا منها. وعرفت بعض أسماء المشاركين من بعض الدول العربية والأجنبية ضمن 65 مشاركا من أكثر من 17 دولة. لقد أعلمت مسبقا بأن جمعية لمسات للفنون التشكيلية ستوفر الإقامة والمعيشة والنقل طول فترة السمبوزيوم وما على الفنان إلا تحمل قيمة التذكرة من وإلى الجزائر.
سافرت إلى الجزائر فجر الجمعة 19 أغسطس عبر الدوحة متجها إلى مطار هواري بومدين بالعاصمة الجزائر لمدة 6 ساعات، وصلنا لها في تمام الساعة 12 ظهرا وكان علينا أن نتوجه إلى المطار الداخلي (يسمى المحطة الداخلية) والسفر جوا إلى مدينة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري مدينة الجسور المعلقة ومسقط رأس الروائية ذائعة الصيت “أحلام مستغانمي” كما أخبرني أحد أفراد أمن مطار هواري بومدين. لم يكن الاتفاق بأن يستقبلنا أحد المنظمين بمطار الجزائر العاصمة، لذلك رحبا كثيرا بالفكرة التي طرحها علينا (سليم) وهو مهندس شاب جزائري يعمل في إحدى شركات البترول في مسقط فقد تولى هو وصديقه عبدالحق والذي يعمل مهندسا أيضا في قطاع البترول أيضا. قام هذان الشابان بمساعدتنا وتسهيل عملية الحجز الداخلي من مطار العاصمة إلى مطار قسنطينة، لكن المزعج في الموضوع أن الرحلة الداخلية كانت بعد 8 ساعات من وقت وصولنا، حيث لم يكن هناك مقاعد في رحلة الساعة الثالثة ظهراً كما تأملنا سابقا . على كل حال حطت الطائرة في مطار قسنطينة في تمام الساعة التاسعة مساء واستقبلنا مجموعة من الفنانين الجزائريين الذين أتوا تطوعا لأخذنا إلى ولاية خنشلة وهم: الفنان جمال الجمعي والفنان عبدالباسط غدير أحمد وهو من الطوارق من الجنوب الجزائري ومعهم إبراهيم. أخذنا الصديق جمال في رحلة ليلية ساحرة بين قرى الشرق الجزائري وبين الحقول والهضاب مرحبا بنا بكثير من الحفاوة والفرح والموسيقى الجزائرية التقليدية، ورغم التعب بعد كل هذا المشوار الطويل إلا أنني كنت مندهشا وسعيدا بكل هذه التفاصيل التي كانت مختلفة عن جميع رحلاتي السابقة.
تبعد ولاية خنشلة ما يقارب من 200 كلم من مطار قسنطينة وهي ولاية صغيرة مقارنة بالولايات الـ 48 الأخرى في الأراضي الجزائرية الشاسعة. عند انتصاف الليل وصلنا إلى حمام الصالحين وهو المكان الذي سيعقد به السمبوزيوم، وهو عبارة عن وادي جبلي تحيط به الهضاب والجبال الملئية بأشجار الصنوبر البلوط والسنديان مشكلة غابة كبيرة تسكنها عشرات الخنازير البرية والضباع الذئاب وممتدة على ضفتي الوادي. وعلى الواجهة تتواجد العديد من المطاعم والنُزل الصغيرة، ومن ضمنها مبنى نزل عمال البريد- مكان إقامة السمبوزيوم. في بطن هذا الوادي توجد عين طبيعية تدفق بمياه معدنية ساخنة تمر من تحت براكين الجبال المحيطة بالمكان. يقصد السياح هذا المكان من داخل وخارج الجزائر، ولقد قام الرومانيون القدماء ببناء هذه الحمامات حول هذه العين لتكون استراحه للجنود. ولقد توالت عليها كثير من الحضارات قبل وبعد الإسلام ولا زالت بركة الماء الرئيسية في الحمام الروماني كما هي.
قضينا تلك الليلة في نزل متواضع ويبدوا أنه أقصى ما استطاع أن يوفره منظمو السمبوزيوم. وللأمانة لم يكن بالمكان المناسب للسكن بالنسبة لكثير ممن أتى للمشاركة في هذا السمبوزيوم، وقد تكون هذه النقطة من ضمن أهم سلبيات هذا الحدث. رغم كل شيء كنت مندهشا من جميع التفاصيل البسيطة ولقد أنستني طيبة سكان خنشلة وعراقتهم جميع السلبيات التي مرت بنا منذ الوصول إلى الجزائر. هدفي من خلال هذا المقال تسجيل تفاصيل جميلة علقت في ذاكرتي حول هذه الرحلة، ومن أهمها التعرف على شعب عربي أصيل لم أكن أعرف عنه الكثير باستثاء بعض المعلومات البسيطة والمشوشة والتي ينقلها لنا الإعلام من هنا وهناك.
لقد تعرفت على كثير من مثقفي وتشكيليي الجزائر ومن العالم العربي أيضا، فالتقيت بأهم الأسماء أمثال الفنان العالمي محمد بوكرش والفنان جمال رويبي والفنان مصطفى غجاتي، والفنان مصطفى بوسنة، والفنان جمال الجمعي وغيرهم كثير. ومن السودان الفنان محمد عبدالله عتيبي ومن تونس الفنان النحات حمادي والفنانة ليلى ومن مصر الفنان مصطفى غنيم والدكتور عادل عبدالرحمن والدكتورة عُلا ومن قطر الفنان حسن الملا والفنان عبدالرحمن المطاوعة والفنانة حصة كلا ومن الكويت الفنانة نورة العبدالهادي ومن السعودية الفنان سعيد العلاوي والفنانة كريمة المسيري ومن الإمارات الفنانة فاطمة الدهمش وغيرهم الكثير.
تجولت في أرجاء ولاية خنشلة وقراها القديمة وشاهدت حياة الناس البسيطة حيث يتجول الفلاحون في الطرقات ويبيعون محاصيل الخضراوات والفواكة من على عرباتهم الخشبية، وكثير من المسنين يتناولون القهوة في المقاهي التقليدية المتوزعة في طرقات الولاية. لقد استثارتني جميع هذه التفاصيل فقمت بتصوير حركة الناس في الطرقات، وأنواع الفواكه التي تباع بأسعار زهيدة كالمشمش والدراق والنكتارين والتين الشوكي والتين البري وغيرها الكثير. بحثت كثيرا عن تمر دجلة النور الذي تتميز به الجزائر فوجدته واستمتعت به مع القهوة التركية الجميلة. كانت الأيام الاولى بمثابة التحفيز لنا للرسم فقد صعدنا قمة جبل شليا وهي ثاني أعلى قمة في الجزائر حيث تبلغ 2228 مترا عن سطح البحر ويتواجد بها أنواع نادرة من أشجار الأرز والبلوط والصنوبر والخشبي.
بدأت حلقات العمل الفنية في اليوم الثالث، وبحماس كبير بدأت في الرسم في الهواء الطلق ولمدة 3 أيام كنا نرسم منذ الساعة العاشرة صباحا إلى الساعة السادسة مساء وبعدها نتوجه إلى مقهى ضمن متنزه طبيعي في إحدى ضفاف الجبال المطلة على حمام الصالحين ومطل مباشرة على مقر السمبوزيوم، فكنا نجتمع كل مساء مع الوفود المشاركة ونتحدث حول الفن والثقافة وهموم التشكيل العربي في جو يسوده التآخي والاحترام المتبادل. ولقد كنت متحمسا للرسم في حلقات العمل فرسمت 4 أعمال فنية أعجبت الكثير من المشاركين وفتحت لي آفاق التعاون وتبادل الخبرات مع إخواني وأخواتي التشكيليين العرب.
ودعنا ولاية خنشلة وزملاءنا الفنانين بتاريخ 26 أغسطس 2016م وتوجهنا إلى العاصمة للتعرف عليها بشكل أكبر من خلال زيارة متاحفها وأهم أماكنها السياحية كمقام الشهيد وحديقة التجارب بالحامة ومتحف الباردو ومتحف البوزار وقصر ياس البحر والذي تعرفت من خلاله بالفنان الرائع نورالدين شقران وأعمال استاذه الفنان العملاق إسياخيم والفنانة زُهراء سيلال. ولقد القتينا بأصدقاء جدد في العاصمة الجزائر من ضمنهم رئيسة تحرير جريدة الفجر الجزائرية الاديبة حدة حزام وعالمة الطيور الدكتورة ليلى والإعلامية وسيلة. ورغم قصر الفترة التي قضيناها معهم إلا أننا اكتسبنا معرفتهم واستفدنا من خبراتهم وتبادلنا الأرقام والتواصل الاجتماعي.
اخيرا .. كل رحلة سياحية لها طابع خاص بها ولها سلبياتها وإيجابياتها، لكن رحلة الجزائر 2016 كانت مختلفة تماما وبها الكثير من الإثارة والدهشة والمعرفة والخبرات الجديدة المتنوعة. ورغم وجود كثير من السلبيات التي صاحبت تنظيم السمبوزيوم لكنني لم ألتفت لها ولم أعرها أي اهتمام وستبقى هذه الرحلة في ذاكرتي ما حييت.

د. سلمان بن عامر الحجري
أكاديمي بجامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى