الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ذبابة الضجر

ذبابة الضجر

في غربته يصارع الوحدة والملل، يفتح كتبه ويحاول جاهداً أن ينسى الملل. يقرر الخروج من غرفته، يفتح دولاب ملابسه، يتأمل الملابس. يغلق الدولاب دون ان تمس أصابعه أي قطعة. يرمي نفسه على سريره ويخرج من صدره زفرة طويلة.. ينظر إلى السقف الأبيض أمامه، ينهض ويفتح الدولاب مرة أخرى. هذه المرة يأخذ بنطال جينز ازرق وقميصا مخططا يلبسهما، وامام المرآة يسرح.. وجهه حزين ممتلئ بالضجر هذا كل الذي رآه. يلبس حذاءه ويحرص أن يشد حباله ويزين آخر الربطة بعقدة مشدودة. خرج من غرفته، ولا يعرف أين يتجه. هائما لا يفكر ولا يركز على شيء. كل ما كان يشغله ضجره وحالة الملل والكآبة الجاثمة والمسيطرة عليه. بعد نصف ساعة تيقن أن لا مفرمن الملل، فقرر الرجوع إلى غرفته. استلقى على سريره بكامل ثيابه وبحذائه المتسخ. سمع صوت ذبابة.. سرعان ما استقرت على حافة كوب كان من زمن يحمل في جوفه شايا. بقايا الشاي المتيبس على ما يبدو اغرى الذبابة. خلع ملابسه بهدوء وراح يتأمل الذبابة، كم عينا فيها وكيف تطير، طارت.. وهذه المرة اختارت أن تحط في ستائر نافذته الوحيدة. راح يتأملها ويتساءل لماذا اختارت الستارة من كل زويا الغرفة، ولماذا لم تختر بقايا التفاح؟ اعتقد ان التفاح يمثل وجبة دسمة أفضل من الشاي المنسي. رجع بصره إلى الستارة. جحظت عيناه. لم يجد الذبابة حيث كانت. شعر بتوتر، واخذ يبحث ويتمتم أين أنت ؟ جال بعينيه أرجاء الغرفة، ركز كامل حواسه، لم يرغب الا أن يسمع صوت جناحيها. رآها على طرف وسادته، اقترب منها هذه المرة ولكن بحذر. أعجبه لمعان جناحيها ولون عينيها الفيروزي. اخذت تلعق رجليها وكأنها أحست باهتمامه. راحت تلمع رجليها لتكون في أحلى صورة. طارت بعد طقسها ومرت أمام عينيه غير عابئة به. سمع بوضوح كبير صوتها وهي تئز. تخيل انه هناك محرك ديزل داخلها ويحرك الجناحين الصغيرين بتلك السرعة المجنونة. تخيل أنها تستعرض امامه مهارتها في الطيران. كأنها وسط استعراض عسكري. طارت إلى اقصى الغرفة وبحركة سريعة غيرت اتجاهها ورجعت تجاهه بسرعة كبيرة، لترتفع مرة اخرى. تخيلها طائرة اباتشي وهي تناور وتختار اهدافها ومن ارتفاع حطت اخيرا على بقايا التفاح وبحركة لا شعورية صفق بقوة، وبكل حماس صرخ، كنت اعرف، كنت اعرف، رن هاتفه واسم اخيه يلمع وسط شاشته. ضغط زر الرد واقترب من النافذة يكلمه بكل حماس وهو يضحك. كومة من الاسئلة خرجت منه بينما ينتظر اجابة اخيه، تأتي من بعد آلاف الاميال فتح نافذته وبسرعة رأى الذبابة تخرج منها، تيبس وجحظت عيناه سقط الهاتف من يده، لعن اخاه والهاتف ورجع إلى ضجره.

عبدالعزيز الرحبي

إلى الأعلى