الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / وجهٌ شاخِص لـ”ستيفن كرين”

وجهٌ شاخِص لـ”ستيفن كرين”

“ماذا سنفعل الآن؟” قال الضابط المُساعد بنبرة ملؤها الانفعال والحماس.
“فلنواريه التراب،” قال تيموثي لين.
نظر الضابطان إلى الأسفل بالقرب من أصابعِ أقدامهما حيث يرقد جسد زميلهما. كان وجهه قد تحول إلى اللون الأزرق، أما عيناه فكانتا تُحدِّقان قُبالَةَ السماء. وكان أزيز الرصاص الحي يعلو هَامَة هذين الضابطين الواقفين. وفي أعلى التلة كانت سَريّة مُشاة سبتسبرجن على الأرض تُطلق وابلاً منتظماً من الرصاص.
“أليسَ من الأفضل..” ابتدأ الضابط المُساعد “أن نرجئ دفنه حتى الغد.”
“كَلَّا،” قال لين “لا يمكنني السيطرة على هذه النقطة ساعة أخرى. يجب أن أنسحبَ، وأن نواري صديقنا بيل.”
“حسناً،” قال الضابط المُساعد على الفور. “هل لدى رجالك معدات للحفر؟”
فصاح لين حيث يرابط عدد قليل من جنوده في الخلف. أقبلَ منهم جنديان يمشيان الهُوَيْنَى؛ الأول يحمل فأساً والآخر مجرفة، وبدآ يحفران باتجاه قناصة روستينا. كان الرصاص الحيّ يُحدث فرقعة بالقرب من آذانهما.
“احفرا هنا،” قال لين بغلظة.
أصبح الرجلان، المُجبران على تنكيس بصريهما إلى مستوى الطبقة العليا من التربة، مُتعجلين وخائفين لمجرد أنهما لا يستطيعان الرؤية لتحديد الجهة التي تنبعث منها الطلقات. فوقْع الضربات الخافتة للفأس وهو يعزق الأرض، على السمعِ، وسط فرقعة الطلقات السريعة، كأنه أزيز رصاص قريب. حالاً شَرَعَ الجندي الآخر في العمل.
“يُخيّلُ إليّ،” قال الضابط المُساعد بِرَويّة “أنه من الأفضل أن نُفتش عن أشياء داخل ملابسه.”
هز لين رأسه بالموافقة. واختلسا سوياً نظرة تَطَفُّل على الجثة. آنَئِذٍ هز لين كتفيه فجأة، مُثيراً هِمّته.
“أجل،” قال لين “من الأفضل أن نفتش عما لديه.” جثا على ركبتيه، فاقتربت يداه من جثة الضابط المُتوفى. إلا أنّ يديه كانتا ترتعشان فوق أزرار السترة العسكرية. كان الزر الأول بنياً يميل إلى الاحمرار، مُلطَّخاً بدمٍ جاف، فلم يجرؤ على لمسه.
“اِسْتَمِر.” قال الضابط المُساعد بصوت أجشّ.
مد لين يده المُتَخَشّبة وعبثت أصابعه بالأزرار المُلطخة بالدم. وأخيراً وَقَفَ ووجه شاحب كالموتى. لقد تحصَّل على ساعة، صافرة، غَليون، كيس صغير لحفظ التبغ، منديل، محفظة صغيرة تحوي بطاقات وأوراق. ونظر في وجه الضابط المُساعد. ساد الصَّمتُ المكانَ. لقد شعر الضابط المُساعد أنه كان جباناً لأنه أسدى كامل المُهِمّة المُريعة إلى لين.
“حسناً،” قال لين “أظن أنَّ مهمتنا قد انتهت. هل لديك حربته ومسدسه؟”
“أجل،” قال الضابط المُساعد.
بدا الانفعال جلياً على صفحة وجهه، وانفجر فجأة غضباً في وجه هذين الجنديين. “لِمَ لا تسرعان في حفر القبر؟ ماذا تفعلان، بلا إتقان؟ بسرعه، هل تُصيخان السمع؟ لم أر غباءً كهذا قط…”
وبينما كانت تتعالى صرخاته في فورة غضبه، كان الجُنديان يجاهدان حفاظاً على روحيهما. فحتى اللحظة لايزال الرصاص يرغي فوق رأسيهما.
وتم الانتهاء من حفر اللَّحْد، إنه ليس بتحفة فنية بل شق ضحل ورديء. وتبادل لين والضابط المُساعد النظرات بصمت مُريبٍ مرة أخرى.
فجأة انطلقت ضحكة غريبة من فم الضابط المُساعد. كانت ضحكة مُرعبة، نابعة من ذلك الجزء الخفيّ من العقل الباطن، ضحكة أثارها في أول الأمر غناء الأعصاب.
“حسناً،” قال بكِيَاسَة للين “أرى أن نواريه التراب بطريقة تليق بمقامه.”
“أجل” قال لين.
كان الجنديان واقفين ينتظران، متكآن على أدواتهما. “أظن،” قال لين “أنه من الأفضل لو أنزلناه في القبر بأنفسنا.”
“أجل،” قال الضابط المُساعد. وتذكر أنه طلب من لين أن يقوم بتفتيش الجثة، فانحنى بثبات كبير وأمسك بزي الضابط المُتوفى. فانضم إليه لين. كانا حريصين على ألاّ تلمس أصابعهما الجثة. جذباها بقوة، فارتفعت الجثة وعلت ثم انخفضت حتى سقطت بثقلها داخل القبر، فنظر الضابطان إلى بعضهما البعض، بينما كانا على استقامة واحدة. إنهما دوماً يتبادلان النظرات. حينها تنفسا الصعداء.
“أعتقد أنه ينبغي.. ينبغي علينا قول شيء. هل تعرف يا تيم الصلوات التي تتلى أثناء الدفن؟” قال الضابط المُساعد “إنهم لا يتلون الصلوات حتى يُهال التراب على القبر.” قال لين ضاغطاً على شفتيه كتعبير نظري.
“لا يتلون الصلوات؟” قال الضابط المُساعد، مُنصدماً أنه ارتكب خطأً.
“اوه، حسناً،” صاح فجأة “هيا…هيا لنقل شيئاً… مادام أنه يستطيع سماعنا.”
“سمعاً وطاعة،” قال لين “هل تعرف الصلوات؟”
“لا أستطيع تذكر سطر منها،” قال الضابط المُساعد أَخَالَ الأمرُ على لين فقال “يمكنني ترديد سطرين عن ظهر قلب، لكن.. ”
“حسناً، قل ما تعرفه. إنه أفضل من لا شيء. فالوحوش تعلم المسافة الفاصلة بيننا وبينهم وهم قادرون على إصابتنا بدقة مُتناهية.” قال الضابط المُساعد
نظر لين إلى جُندييه.
“انتباه.” أعطى أوامره نبراً. فامتثل الجنديان للأمر أن ضربا برجليهما الأرض، والأسى يغلب على وجهيهما. فأنزل الضابط المُساعد خوذته حتى ركبتيه. أما لين فكان واقفاً أعلى القبر حاسر الرأس.
كان قناصة روستينا يطلقون النار بمَهَارَة.
“يا ربنا، لقد غرق صديقنا في مياه الموت العميقة، لكن روحه قد صعدت إليك كالفقاعة التي تخرج من شفتي الغريق. نسألك، ونتضرع لك، يا ربّ، الفقاعة المائية الصغيرة، و …”
ومع أنَّ لين كان خشن الصوت وتبدو عليه سيماء الخجل، لم يتردد حتى هذه العبارة، لكنه توقف، بعد أن خالجه شعور باليأس ونظر إلى الجُثْمان.
تحرك الضابط المُساعد باضطراب “ومن مشارفك العالية..” بدأ، ثم أنهى كلامه.
“ومن مشارفك العالية..” قال لين.
فجأة تذكر الضابط المُساعد عبارة في الجزء السابق من صلوات الدفن في سبتسبرجن واستغلها كعلامة للنصر لرجل تذكَّر كل شيء ويمكنه المُضي قُدماً.
“يا رب ارحمه..”
“يا رب ارحمه..” ردد لين العبارة.
“ارحمه،” أعاد الضابط المُساعد بفشل ذَرِيع.
“ارحمه،” قال لين.
ثم اعتراه شعور عنيف، فاستدار فجأة قُبَالَة جندييه كالنمر، وقال “احثوا التراب عليه.”
كانت رماية قناصة روستينا مُحْكَمة ومستمرة.
تقدم أحد الجنود المُستائين حاملاً مجرفته. ورفع أول حمولة له من التراب، وفي أوينة من تردد لا يمكن تعليله وازن المجرفة أعلى هذه الجثة، التي كان وجهها الأزرق يُحدّق بحدَّة خارج القبر. أفرغ الجندي مجرفته – في القدمين.
شعر تيموثي لين لكأن حملاً ثقيلاً اُزيح سريعاً عن كاهله. لقد شعر بأن الجندي قد يفرغ المجرفة في الوجه. لكنه أفرغها في القدمين. لقد وفر عليه شيئاً كبيراً. فالمجرفة الأولى تم إفراغها في القدمين. كم كان مُرضِياً! وبدأ الضابط المُساعد يُثرثر “حسناً، بالطبع – ذلك الرجل الذي تناولنا معه الطعام سوياً طوال هذه السنوات.. مستحيل.. لا يُمكن، أنت تعلم، التخلي عن أصدقائك الحميمين يتعفنون في الميدان. استمر، ناشدتك الله، جرّف. جرف، أنت!”
فجأة طأطأ الرجل الذي يمسك المجرفة رأسه، وأمسك ذراعه الأيسر بيده اليمنى، ونظر إلى الضابط المسؤول عنه منتظراً أوامره. فتناول لين المجرفة من الأرض. “اذهب إلى الخلف،” قال للرجل المكلوم. كما أنه وجَّه أوامره إلى الجندي الآخر. “اتخذ ساتراً لنفسك أيضاً، سأنهي المهمة بنفسي.”
كان الرجل المكلوم يجاهد بمشقة كَأْدَاء ليصل إلى قمة السراة دون أن يُلقي نظرة على الاتجاه الذي تنبعث منه الطلقات، أما الرجل الآخر فكان يتبعه بخطوات متساوية؛ لكنه كان مختلفاً عنه، حيث إنه نظر بقلق إلى الوراء ثلاث مرات.
إنها – في الغالب – ليست إلا طريقة الكَلِيم والسليم في المشي.
ملأ تيموثي لين المجرفة، مُتردداً، ثم وبحركة أشبه بإيماءة اشمئزاز قذف التراب في القبر، وعندما سقط التراب أحدث صوتاً! توقف لين فجأة ومسح حاجبيه- لقد أضْنَاهُ العمل.
“ربما كنا على خطأ،” قال الضابط المُساعد. كان طَرْفُه يرفرف غباءً. “ربما كان من الأفضل لو لم نواريه التراب في هذا الوقت بالتحديد. لو أرجأنا دفنه ليوم غد لكان الجثمان …”
“تباً لك،” قال لين، “اخرس!،” كان لين هو الأعلى رتبة. وملأ المجرفة مرة أخرى وألقى التراب على القبر. كان الترابُ في كل مرة يُحدث صوتاً! وقد اجتهد لين في العمل بشكل محموم ليغمر الفجوة، لكأن رجلاً يحفر لنفسه خندقاً اتقاء الخطر.
ما لَبِثَ أنْ أصبح لا يُرى منه شيئاً إلا الوجه الأزرق. ملأ لين المجرفة. “ربٌ لطيف،” صاح على الضابط المُساعد. “لِمَ لَمْ تُدره بطريقة صحيحة عندما أنزلته؟ هكذا.. ” ثم بدأ لين يتلعثم.
أدرك الضابط المُساعد ذلك. لقد كان شاحباً حتى شفتيه. “اسْتَمِر، يارجل،” صاح متوسلاً بصوت أشبه بالصراخ. أرجح لين المجرفة للوراء. وانطلقت للأمام كحدبة البندول. وعندما سقط التراب في الحفرة أحدث صوتاً!

ترجمة: سليمان الخياري مُترجم بوزارة العدل

إلى الأعلى