الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الشاعر غسان زقطان لـ”أشرعة”: التحرر من الأوزان الخليلية أو التفعيلة لا يعني على الإطلاق، إقصاء الأشكال واستبدالها بقصيدة النثر

الشاعر غسان زقطان لـ”أشرعة”: التحرر من الأوزان الخليلية أو التفعيلة لا يعني على الإطلاق، إقصاء الأشكال واستبدالها بقصيدة النثر

لغته تتكئ على تراث من الموروث المعرفي والشعبي والعالمي والحداثي

صناعة نظرية ملائمة لموهبة أو اتجاه أو فكرة ثم الاختفاء خلفها وتحويلها إلى برج رماية، لن ينقذ الشعر ولا الشاعر

الشعر أعمق وأكثر اتساعا وحرية من أي أطر ضيقة تحبس النص والشاعر في حيز “الغرض” وضمن اشتراطات محددة وتحاكمه بناء على معايير غير شعرية

حوار ـ وحيد تاجا:
يعتبر الشاعر غسان زقطان أحد أهم الشعراء الفلسطينيين الذين يشهد النقاد بأنه وضع بصمة خاصة بالمشهد الشعري بلغته التي تتكئ على تراث كبير من الموروث المعرفي والشعبي من جهة والعالمي والحداثي من جهة أخرى. ويزخر شعره بالصور الباهرة الطازجة المتألقة التي تعالج موضوعات حساسة بدءا من الحياة والموت وتفاصيل إنسانية تزخر بها الحياة العربية المعاصرة عامة والحياة الفلسطينيّة خاصة.
والشاعر غسان من مواليد بيت جالا عام 1954. صدر له عشرة دواوين شعرية، وهو روائي وكاتب مسرحي ويعمل مسؤولاً عن القسم الثقافي في صحيفة الأيام الفلسطينية، عاش في الأردن وبيروت ودمشق وتونس، وكان الشاعر العربي الوحيد الذي حصل على جائزة غريفين الدولية للشعر عن ديوانه “كطير من القش يتبعني”، ومنح وسام الشرف من الرئيس الفلسطيني، وفاز مؤخرا بجائزة محمود درويش. وقد ترجمت أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والنرويجية والألمانية .. كان لـ”أشرعة” معه الحوار التالي ..
* في حديثك عن الشعراء الذين تأثر بهم، تؤكد دائما، في لقاءاتك الصحفية، أن آباءك الحقيقيين، إضافة إلى الأمكنة، هم أبناء جيلك، وأنك لم تتأثر بالرواد الكبار، الذين قرأتهم متأخرا بحيث لم يعد ممكنا لهم إحداث أي نوع من التأثير. ** كنت انشغلت مبكرا في مختارات غير مقصودة ضمت يوسف الصايغ وفواز عيد ومالك ابن الريب ووالدي خليل زقطان وجبران وايليا ابو ماضي ونزار قباني وسعيد عقل، فيما بعد اتسع المشهد وتعددت مصادر التأثير ولكنني، دائما، أتذكر تلك المجموعة التي لا يجمعها سوى رف في مكتبة والدي في مخيم الكرامة نهاية الستينيات، الرواد كانوا في الرفوف العليا للمكتبة مع أعداد مجلة شعر، الرفوف العالية التي لم تسمح لي قامتي بالوصول إليها آنذاك، أتذكر ذلك الرف المنخفض ومقتنياته دائما بامتنان شديد. في تجربتي آثار وإشارات من شعراء جيلي، أمجد ناصر ونوري الجراح وعباس بيضون وبسام حجار وعناية جابر وسليم بركات واسكندر حبش، وسأجد ما يشي ببول شاوول وسركون بولس، وفي نفس الوقت محمد علي شمس الدين وشوقي بزيع ومنصف الوهايبي والغزي والرحبي وأولاد احمد، وطبعا نزيه ابو عفش. هؤلاء أبائي، وهي على أية حال، أبوة متبادلة ومتداخلة، رغم الاختلافات في التناول وتعدد الأساليب.
* رغم الإشارة إلى أعمالك الروائية أو المسرحية إلا انه بمجرد ذكر اسم غسان زقطان يحضر الشاعر بذهن الآخرين. ما رأيك وهل تجد في هذا “انتقاصا” من غسان الروائي والكاتب المسرحي؟
** لا، لا أظن أن الأمر يصل إلى الانتقاص من الجانب السردي في عملي، ولا آخذه ضمن هذا المنحى، بل لعلني أجده دقيقا، ربما دون قصد، فأنا في النهاية شاعر يكتب أشياء أخرى.
انطلق دائما من الشعر وأعود إليه، لا اختار هيئة جديدة عند كتابة الرواية او العمل المسرحي، اذهب إلى هناك بحمولة الشاعر وهواجسه ولغته، الشعر مران طويل على الكثافة والاختصار والتقشف، تدريب أجده مفيدا عندما ابدأ بكتابة نص سردي.
لست روائيا بالمعنى المتعارف عليه، ولست كاتبا مسرحيا ولا أقلل من شأن الحقلين على الإطلاق، بل لعلني أضيف أن السرد بانفتاحه يغذي الشعر ويمده بفضاءات جديدة ومفردات ودلالات ويعزز البحث والابتكار، ولا أظن أن هناك دقة في الحديث عن شروط عليها ان تتوافر في النص ليصبح رواية أو قصة ويخرج من تصنيف الشعر ليدخل في تصنيفات أخرى. اذهب إلى الكتابة، أيا كان الحقل، كشاعر، لا أدري ما دقة الفكرة ولكنني أحب ذلك.
* اعتبر بعض النقاد غسان زقطان أحد أهم الشعراء الفلسطينيين الذين وضعوا بصمة خاصة بالمشهد الشعري بلغته التي تتكئ على تراث كبير من الموروث المعرفي والشعبي من جهة والعالمي والحداثي من جهة أخرى. وهي رؤية تحيلنا من جديد إلى مسألة التراث والمعاصرة.. ؟
** أتعرف يا صديقي، الأهمية موضوع نسبي تماما، أحيانا يتمتع مكان بالأهمية القصوى أو كتاب أو مشهد، على الشعر ألا يبحث عن الأهمية بمعناها الرائج المرتبط بالذائقة السائدة والشهرة، التاريخ بمستواه الجمعي والشخصي هو البنية التحتية التي ينهض عليها النص.
كيف يمكن أن تصل إلى “المعاصرة” حين تتخلى عن ذاكرة المكان والناس والتاريخ الشخصي، فكرة القطيعة مع التراث التي أثيرت خلال عقد الستينيات من القرن الماضي، وروجت، عبر تنظير “حداثي” تحولت إلى ما يشبه “كمين”، أو اقتراح إقصائي يقوم على الانتقاء، التاريخ هو عملية تراكم متواصلة ومتجددة. هناك تتشكل “المعاصرة”. عليك ككاتب أن تكون جزءا من هذه العملية الحيوية لا حارسا عليها. ان تدمج تاريخك الشخصي في التحولات، عندما ننظر للتاريخ على أنه محصلة لمصائر فردية، وهو كذلك، او سيرة جمعية ونتبادل في تناوب مثمر وحيوي المادة والأداء.
ذاكرتي الخاصة وتاريخي الشخصي هما شراكتي في كل هذا، المعرفة التي يمكن أن أضيفها إلى التاريخ الذي لا يتوقف عن التدفق.
*اللافت أنك تكتب قصيدة نثر بعدَّة قصيدة التفعيلة. حتى إنك تضمِّن إحدى القصائد أبياتاً خليلية كاملة.. لماذا.؟
** التحرر من الأوزان الخليلية او التفعيلة لا يعني، على الإطلاق، إقصاء الأشكال واستبدالها بقصيدة النثر أو بأي اقتراح جمالي آخر، الأشكال لا تستنفد ولا تختفي، هي موجودة وقادرة على الحياة والتعبير. أرى في التمرد على عمود الشعر العربي وفيما بعد قصيدة التفعيلة ضرورة منحت الشعر العربي حيوية وأطلقت داخل المشهد أسئلة حقيقية حول الشعر والحياة، الأزمة لا تكمن في الموسيقى والإيقاعات، لم تكن الموسيقى في أي لحظة سببا في انكفاء الشعر، نحن ما زلنا نردد بدهشة قصائد مثل مرثية مالك بين الريب بعد أكثر من 1300 سنة، ببنيتها الكلاسيكية الخالصة، ما زال المتنبي يشكل جزءا أساسيا من الشعر العربي المعاصر ومن ذائقتنا “الحداثية”، وأبو تمام وأبو نواس وطرفة وامرؤ القيس والحمداني وصولا للجواهري واحمد شوقي…، هناك شعر رديء وشعر عظيم، هناك شاعر رديء وشاعر جيد، أما صناعة نظرية ملائمة لموهبة او اتجاه او فكرة ثم الاختفاء خلفها وتحويلها الى برج رماية فهذا لن ينقذ الشعر ولا الشاعر.
مرة أخرى لم تكن الموسيقى أو الإيقاعات مأزق الشعر كانت مأزق الشاعر، الركاكة تأتي من حيث لا يظن الكثيرون من الشعراء، تحديدا من البلاغة المدعية والمقصودة من المحسنات والزينة المبالغ بها والتي تقل النص وتحل محله. قرون الانحطاط ارتبطت شعريا بطغيان “البلاغة” و “المحسنات البديعية” و “التزيين اللفظي”.
اقتراح أشكال وجماليات ومناطق جديدة ضروري على ألا يعني ذلك إقصاء الأشكال الأخرى ونفيها خارج حركة الشعر المعاصر بقدر ما يتطلب تطوير هذه الأشكال من داخل بنيتها وجمالياتها الخاصة.
* اتجهت في “مشاة ينادون أخوتهم” باتجاه بلاغات السرد النثري العميق، كما في قصيدة “يا نهر، خذ أهلنا للشمال”. وكأننا نقف أمام حكايات شعرية ؟
** في “مشاة ينادون أخوتهم”، حاولت أن استكمل تجربة بدأتها في “استدراج الجبل، وظهرت كمحاولة أكثر اكتمالا في “لا شامة تدل أمي علي”، تجربة يقودها هاجس السرد متتبعا اقتراحات تمتد من تراث الشعرية العربية وتصل إلى جدلنا الراهن.
ليس ثمة قانون هنا، أو وسائل قياس، ولا ينبغي أن تكون، “الغنائية” بمعناها الإيقاعي التفعيلي المتداول هي جزء من بنية النص ومكوناته، وهي أشياء يمكن الاستغناء عنها أيضا، هذه هي الحرية التي تمنحنا إياها تجارب التمرد او “ثورة الشعر”، النثر أيضا جزء من هذه البنية ومكوناتها، وهذا ليس رأيا ” حداثيا ” كما قد يتبادر إلى الذهن، استاذنا ” ابو حيان التوحيدي ” قدم اقتراحه بهذا الشأن منذ قرون، في التجربة أنا جزء من هذا التراث، كما ترى عدنا من حيث لا نقصد إلى التراث والمعاصرة.
*أشرت إلى تأثرك بأبناء جيلك من شعراء الثمانينات، كيف تقيم هذا الجيل الان؟
** أحاول أن أتتبع اتجاها شكل دائما جزءا من المشهد الأدبي الفلسطيني والعربي، حتى في فترة الخمسينيات والستينيات التي شهدت “التسميات الكبرى” على نمط “شعراء النكبة”و”شعراء المقاومة” أو النسخة اللبنانية فيما بعد “شعراء الجنوب”، كان هذا الاتجاه يقدم اقتراحاته الفنية ضمن رؤية أوسع ولغة مختلفة عن السائد وتدافع الأكتاف وإغراق الشعر بقاموس السياسي وروايته، وصعود القومية واليسار، أتحدث عن تجارب مثل توفيق صايغ وجبرا ابراهيم جبرا التي ظهرت بقوة وتركت تأثيرا في مناطق الجدل آنذاك بيروت وبغداد، يمكن هنا أن أضيف “فواز عيد” في عمليه “أعناق الجياد النافرة” و “في شمسي دوار” في النصف الثاني من ستينيات دمشق.
هذا ينطبق علي وعلى الجيل الذي أطلق عليه اسم جيل الثمانينات الذي أجده امتدادا لتلك التجارب، وهو جيل يضم العديد من الأسماء العربية، لعل بلورته كجيل مختلف تشكلت في بيروت نهاية السبعينيات، عملية الإبعاد التي واجهها هذا الجيل سمحت له بالتحرر من ثقل مطالب البلاغة السياسية والبحث في مناطق جديدة.
بدأنا الكتابة في مرحلة الخسارة، الحرب الأهلية اللبنانية بتعقيداتها التي لا تزال قائمة إلى الآن، حصار بيروت، الحرب العراقية الإيرانية، صعودا في الثمانينات وتداعياتها حتى الانتفاضة الكبرى، نصوصنا الأولى كتبت في هذا السياق، كانت ممتلئة إلى حوافها بالتمرد، تمرد شمل الأشكال واللغة والإيقاع وقداسة “الرواد”. بدأنا قبل الرواد وزحزحنا تاريخ التجديد الحديث إلى ما قبلهم، ولم يكترث معظمنا بالسؤال المدوخ في أيهما سبق قصيدة “الكوليرا” لنازك الملائكة أو السياب، وأبعد من جدل “الآداب” و “شعر”، ذهبنا في مسالك أوصلت بعضنا إلى سعيد عقل ومصطفى وهبي التل وأحمد شوقي وارث الصوفية، كان ذلك خروجا عن الطاعة وعمليات التأريخ والتوثيق الثقيلة.
كان الأمر أقرب إلى مختبر جدل “شامي” بامتياز، أتحدث عن الجغرافيا، عن طريق دمشق ـ بيروت، تنظير أقل وكتابة واسعة ومتعددة، تجمع بين نزيه أبوعفش ورياض الصالح حسين وسليم بركات وعباس بيضون وبسام حجار، أمجد ناصر وميسون صقر وقاسم حداد وزاهر الغافري وسيف الرحبي ووليد الخزندار، وخالد درويش، زكريا محمد وهاشم شفيق وعواد ناصر وقاسم حداد وحلمي سالم وزهير ابو شايب، يمكن في هذا السياق ايضا قراءة يوسف بزي وعناية جابر، طبعا هناك أسماء كثيرة وهامة يمكن إدراجها هنا ولا تحضرني في هذه اللحظة.
في منطقة ما أجد أسبابا للمقارنة مع ” جيل الـ 27 ” في اسبانيا بتعددية تجاربه واختلافاته وتمرده على النمطية والرومانسية، الجيل الذي هبط بالشعر الى الشوارع وبين الناس بدل “الطيران فوقهم وفوق الحياة”.
البلاغة الفائضة والإيقاعات العالية والهتافات بقيت هناك خلفنا عالقة ومحبوسة في عقد السبعينات.
نحن تحدثنا عن الخسارة بآلات فردية وأصوات حقيقية، وبينما كانوا يواصلون النفخ في النحاسيات في السبعينيات خلفنا، كنا نتحدث عن الخسارة، خسارة الفرد وعزلته وغاياته الصغيرة، وعن الناس والعاديات البسيطة والهوامش، الهزيمة كانت من مصادرنا أيضا. ببساطة أشد كنا نمتلك شجاعة رثاء الثورة ومفارقة الأحلام والمسيرات الحاشدة والاكتفاء بالشوارع الجانبية وعد النوافذ المضاءة في البيوت المهجورة.
لم نكن جيلا مهزوما بقدر ما كنا قادرين على رؤية الهزيمة وتبينها وتفكيكها، اقتراح بدايات حقيقية تنشأ من هموم الناس ورغباتهم وتستحضر قوتهم.
كنا جزءا من المكان وحاولنا جميعا بوسائل مختلفة أن نعيد الشعر الى الزمن أيضا، وكان بين أيدينا حقبة من الشعر راكمتها تجارب أساسية في المشهد الثقافي العربي كانت بيروت محطتها الرئيسية.
هذا لا يعني أن ” البلاغة ” بسطحيتها ومخزونها السلفي قد انحسرت عن المشهد، ودعني استخدم تعبير، ” الحيل البلاغية “، ما زالت تحيط بالمشهد الأدبي الفلسطيني وتحاصره تحت مسميات وأقنعة جديدة تواصل التغذي من الشعار السياسي، او من رواية السياسيين، أو “الدعاة الجدد” والخطاب السلفي الذي استعاد حيويته وحضوره مع صعود الإسلام السياسي وقاموسه، لقد تحكمت مخيلة السياسي الضيقة، رغم افتقارها للموهبة وللواقعية، لعقود طويلة بالنص الأدبي المكتوب في فلسطين أو عنها، وهو أمر قائم إلى الآن وأظنه سيتواصل.
* تعترف في أحاديثك بأن العودة إلى الوطن كانت ناقصة، لكنها صالحتك مع الفكرة التي تحملها عن فلسطين التي ينبغي أن تتحرر، ليس من الاحتلال الإسرائيلي فحسب، بل من كونها استعارة كبرى وتنميطاً بلاغياً ؟.
** حتى في القياس الجغرافي هي عودة مشروطة إلى الجزء الذي سمح به اتفاق سياسي رديء، اتفاق لم يحظ بموافقة الفلسطينيين ولم يطرح لاستفتاء ولم يبحث إلا في سياق النخبة السياسية الضيقة، استطيع ان أصغي إلى حجة المدافعين عنه وان أتفهم الشروط التي تم فرضه من خلالها على منظمة التحرير. ولكن هذا لا يعني على الإطلاق انه قدر الفلسطينيين، على أية حال لقد انتهى اتفاق اوسلو، لم يعد موجودا، وما نراه على الأرض هو واقع تسبب فيه وضرر أحدثه قبل انتهاء أمره. المفارقة هنا، ان الاتفاق على الورق كان أفضل بكثير مما يحدث على الأرض.
بالنسبة لي ولكثيرين شكل الاتفاق نافذة ضيقة منحتنا إمكانية العودة والالتحاق ببقية الفلسطينيين المحاصرين في بلادهم. المصالحة التي حدثت كانت إغلاق تلك المساحة المصطنعة بين “حلم العودة” و” فردوسية الوطن ” وبين الواقع الذي تفرضه توازنات قوى لا صلة لها بالأحلام والوقائع القاسية على الأرض. البلاد لا تشبه البلاغة المكتوبة عنها والمثارة حولها، تلك المجازات الكبرى التي تجعل من الوطن جدولا طويلا من المطالب المتدرجة والتي تحول الموت الى غاية وطنية، في تحايل لغوي مستنفد.
وطن فقير ومقسم وحيوات محاصرة ولكنها تواصل بحثها عن حريتها بما ملكت من إمكانيات قليلة، هذه هي بلادنا، محاطة بالثرثرة والفساد والحيل البلاغية وإنشاء السياسيين.
* كيفَ تنظر إلى شِعر المقاومة الآن؟ وهل ما زالَ الشّعرُ الفلسطينيُّ شِعرًا مُقاومًا فِعلًا..؟
** مثل هذه التصنيفات لا تخدم الشعر، هذه أسماء وتصنيفات تصل دائما من السياسة بمعناها الضيق وأفكارها البرغماتية، هناك شيء استهلاكي في مثل هذه التصنيفات، لا يمت للشعر بصلة. مصطلح مثل ” شعر المقاومة” يفترض، إضافة إلى المواصفات والشروط التي ينبغي توفرها في الشاعر والقصيدة ليتمكن من دخول جنة المقاومة، وجود شعر خارج هذه الصفة شعر لا يتمتع بمزايا المقاومة ويقبع خارج “الوطنية” وهذا ترتيب يأتي من فكرة الترويج فعلا. انتهت التسميات الكبرى، نحن لا نتحدث هنا عن اتجاهات فنية وجدل الأشكال ولكننا نحبس الكتابة في موقف سياسي محدد ونطلق حكم القيمة على النص من خلال التزامه بالبرنامج السياسي وقدرته على إدراج أفكاره ونظمها، ستذهب هذه التسميات نحو الطائفة والجماعة، هذا يذكر بسنوات الأربعينيات من القرن الماضي ليس بعيدا عن اتفاقيات سايكس بيكو، عندما كانت القاهرة تتمتع بمنح الألقاب للشعراء، إبراهيم طوقان شاعر فلسطين ومصطفى وهبي التل شاعر الأردن كما حصل حافظ إبراهيم على شاعر النيل وخليل مطران شاعر القطرين أو شيء من هذا القبيل بينما احتفظ احمد شوقي بأمير الشعراء… إلى آخر هذه القائمة، الشعر أعمق وأكثر اتساعا وحرية من هذه الأطر الضيقة، التي تحبس النص والشاعر في حيز ” الغرض ” وضمن اشتراطات محددة وتحاكمه بناء على معايير غير شعرية.
* فزت مؤخرا بجائزة الشاعر محمود درويش. هل يمكن ان تحدثنا عن علاقتك بالشاعر محمود درويش ومدى تأثرك به على الصعيدين الإنساني و الشعري ؟
** لسنوات طويلة نَعَمْت بصداقة محمود درويش، كانت تِلك ضربة حظّ يعود للشعر ورام اللهْ وحسن الطالع فضل حدوثِها، صداقةٍ منحتنِيَ الكثيرَ من كلِّ شيءٍ. هكذا تصبح هذه الجائزةُ امتداداً حميماً للرفقة.
مع محمود درويش، لا تتعلَّم الشعر، ولكنَّك تهتدي إلى حِكمة الإصغاء، الإصغاء إلى حركة الحياة والكائنات في سعْيها الدؤوب للعيش، إلى أصوات الناس وهي تتدفَّق فيْ ممرات تاريخ هذه البلاد. والإصغاء إلى الكتابة، هناك بالضبط تكمن قوةُ محمود درويش، في القدرة على الإصغاء إلى شَغَف روحه ونَبض شعبه ومعجزة أن تُخلقَ إنساناً.
وحيث تتقاطع الجسور التي بناها لتصل بين هذه الجزر والممرات التي حفرها، تكمُن فكرته عن الشعر، ويتبدَّى خِطابه الذي شَكَّل اعتراضا طويلا على السائد واليقين والمتوقَّع والمُنجز، على الرطانة والبلاغة المنتشية بذاتها، البلاغة التي تشكّلت عَبر سوء تفاهم شامل مع الحياة وحقائقها.
الآن تبدو تلك الرفقة وحواراتها غير المنتهية، النصائح الصغيرة المتخفية، الكلام البسيط عن: الحياة وغايات اليوم والناس، الوطن بزمنه كاملاً وجغرافيَّته كاملة، الاحتلال قناع الفاشيِّ وذراعه.
كيفَ يصبح المنفى ثقافةً وينهض سؤال الطريق والبيت. المقاومة كضرورة أخلاقية، المقاومة غنيمتنا النبيلة التي انتزعنَاهَا من التاريخ.
استنفاد الأشكال والبحث عن وصفة التوحيديِّ والمشي على رؤوس الأصابع كي لا يجفل الحصان الوحيد في مَرثية مالك ابن الريب.
السؤال الصباحي عن شاعر شاب في القدس، الغارة الأخيرة على الشجاعية، البنت الصغيرة والأطفال الأربعة الذين ما زالوا يركضون على شاطئِ غزةَ، اغتيال الفتيان في أسرَّتِهم وعبء الأمل.
الضجر من السياسيين، الضجر الشديد من السياسيين.
الضحك وقراءة النَمائمِ في الصُحف، كل هذا وسِواه يتحوَّل إلى مسؤوليةٍ يستحيل تفادِيها.
لماذا اخترت الحفرة للسقوطِ معَ العدوِّ
والجسر للحديث مع إدواردْ سعيدْ؟
يذهب محمود درويش، ولا يجيب.
ثمة ما لن يتم تعويضُه، غياب الشاعر.
* في مقالة لكَ عن محمود درويش أشرت إلى عمق معرفته بـ “الآخر”، ونزوعه الواضح لخلق حوار وتعميق هذا الحوار ونقله إلى مطارح جديدة؟
** هذا صحيح. فثمة إضافات كانت حاضرة في كل مراحل مشروع درويش، إضافات متكئة على معرفة مختلفة وثقافة مختلفة، لعل أهمها هو معرفته بـ “الآخر”، ونزوعه الواضح لخلق حوار وتعميق هذا الحوار ونقله إلى مطارح جديدة، هكذا خرج من المشهد الرومانسي البسيط لـ “جندي يحلم بالزنابق البيضاء” او ” بين ريتا وعيوني بندقية” إلى مشهد ” العدو” في قصيدته “عندما يبتعد” في مجموعته اللافتة “لماذا تركت الحصان وحيدا”، إلى ابنة “العدو” الذي أصبح أبا، والى قصيدته “شتاء ريتا الطويل”، هذا الحوار هو الذي أوصله إلى قصيدته المتأخرة ” سيناريو جاهز ” التي ترك نهاياتها مفتوحة على ” شاعر آخر ليتابع المشهد، مشهد القاتل والقتيل عالقان في حفرة واحدة.
بموازاة ذلك تماما كان معنيا بفتح حوار داخلي مؤسس على أسئلة تأملية، لا تبحث عن إجابات، مع مجايله ادوارد سعيد، هنا اختار درويش عنوان “طباق” لقصيدته، وهو ترجمة للمصطلح الذي نحته سعيد، واختار لبناء المشهد فكرة الجسر بدلالاتها المفتوحة على الاحتمالات وكلاسيكيتها المأمونة.
ثمة ما يغوي هنا لدى الكثيرين في خلق مقارنة بين درويش وشعراء إسرائيليين مثل “بياليك”، لا أدري مدى دقة اعتباره إسرائيليا، وعلى وجه الخصوص الشاعر الإسرائيلي ” ايهودا أميخاي” الذي لم يخف درويش إعجابه به في أكثر من مناسبة، يقودهم في ذلك الفهم الخارجي والبسيط للرواية السياسية، تلك التي رواها سياسيون من الطرفين، فكلاهما جسّدا في مرحلة ما الهوية الوطنية لشعبيهما، ودافعا عن الرواية السائدة وأضافا لها، بالنسبة لي أرى أن هذه المقارنة وجدت أيضا مادتها في فترة السبعينيات، عندما استقرت “إسرائيل” كدولة منتصرة محاطة بأساطير النصر بعد حرب الأيام الستة العجيبة، دون أن تتخلى عن ميزة احتكار دور ” الضحية “، وتكرّس نهوض الحركة الوطنية الفلسطينية بعيدا عن وصاية النظام العربي السياسي، لقد سمحت الهزيمة، وهي مفارقة فعلا، للهوية الفلسطينية بالخروج من معطف النظام العربي، وهي هوية ساهم في إعادة صياغتها والحفاظ عليها وبعثها في إطار ” ثورة منفيين ” المثقفون الفلسطينيون وفي مقدمتهم، دون شك، ادوارد سعيد ومحمود درويش.
ولكن منذ صدور كتابه اللافت، ” لماذا تركت الحصان وحيدا ” تجاوز درويش المقارنة مع “أميخاي”و “بياليك” واتخذ منعطفا خاصا، كان قد مهد له عبر مجموعاته ” هي أغنية ” و” ورد أقل ” وعمقه في التسعينيات وحتى وفاته في هيوستن في العام 2008.
بدت تلك المجموعة ” لماذا تركت الحصان وحيدا ” اقرب إلى اعادات على ضوء يشبه الحكمة، لقد اختار شخوصه الذين صعد معهم في الستينيات والسبعينيات، العدو على وجه الخصوص، كما ظهر الأب الذي كان متواريا، ولكنهم وصلوا بهيئات جديدة وأفكار أكثر هدوءا وحكمة.
هذا يأخذني إلى نهايات صيف 2007 حين حل محمود درويش ضيفاً على “أمسيات ستروغا الشعرية” في مقدونيا، المهرجان الأعرق والأقدم في العالم، كان ذلك آخر مهرجان شعري يشارك فيه قبل أمسيته الفرنسية التي أحياها وهو في طريقه إلى “هيوستن”، يحبون هنا، في ستروغا، أن يتذكروا ذلك، إنه كان هنا في ذلك الصيف الأخير بعد أن توّجه المهرجان بجائزته الثمينة “الإكليل الذهبي” التي تمنح سنوياً لشاعر مؤثر من العالم.
من تقاليد الجائزة أن يزرع حامل الإكليل شجرة في “حديقة الشعراء” حيث توضع على الأرض لوحة برونزية تحمل اسم الشاعر وتاريخ حصوله على الجائزة، هناك، في الحديقة، ترتفع الآن 50 شجرة تحمل أسماء الشعراء من “بابلو نيرودا” في تشيلي حتى “بي داو” في الصين مروراً بالأميركي “غينسبرغ ” والإسرائيلي ” يهودا أميخاي ” والسوري “أدونيس” إلى السويدي” ترانسترومر”.
في المؤتمر الصحفي الذي أعقب الاحتفال في الحديقة سأل أحد الصحفيين محمود درويش، يقول الشاعر والمترجم المقدوني “نيكولا مازديروف”:
كيف تشعر وأنت تزرع شجرة غير بعيد عن شجرة تحمل اسم الشاعر الإسرائيلي “ايهودا عميخاي”؟
أجاب محمود:
لست قلقاً من ذلك، الشجرة لا تقتل شجرة…
* يراهن البعض على المشهد الشعري الشاب في فلسطين، فهو برأيهم المشهد الأكثر خطورة وتميزاً في العالم العرب، ما رأيك؟
** أظن أننا تجاوزنا فكرة الرهان وإطلاق الأحكام على هذا الجيل وعلينا أن نتدرب على التعامل مع مشاريع ناضجة واقتراحات جمالية وابتكارات وحساسيات متعددة تشمل طيفا واسعا من التجارب في غزة ومناطق الـ 48 والضفة والمنفى. وهي تحولات ليست مفصولة أو وليدة نفسها، لو تتبعنا المشهد الفلسطيني تحديدا جيل الثمانينيات لوجدنا امتداد هذه التجارب التي شملت الأشكال والمواضيع والقاموس.

إلى الأعلى