الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / السيّد خالد بن برغش وعرش زنجبار

السيّد خالد بن برغش وعرش زنجبار

يُعدّ السيّد خالد بن برغش1 سابع سلاطين زنجبار رغم أنّ اعتلائه للعرش لم يدم سوى يومين 25-27 أغسطس من عام 1896م بعد وفاة ابن عمه السلطان حمد بن ثويني. وعلى الرغم من مؤازرة بعض العائلات العربية إلى جانب جزء من السكان المحليين لحقه الشرعي في المطالبة بحكم آبائه2؛ إلا أنّ الإدارة البريطانية لم تكن راغبةً في توليه عرش زنجبار ومتعلقاتها؛ سيما وأنّ بريطانيا أصبحت لها اليد العُليا في الموافقة على من ترتئيه مُناسباً لحكم زنجبار منذ أن أُعلنت زنجبار محميّة بريطانية عام 1890م في عهد السلطان علي بن سعيد، وبالتالي تحكّم بريطانيا في مفاصل السلطنة العربية 3. وبالطبع فإنّ مُناسبة السلطان للحكم بحسب الرؤية الإنجليزية تعتمد على مدى استعداده لتنفيذ سياستها في المنطقة وعليه فإنّ بريطانيا فضّلت السيّد حمود بن محمد خلفاً للسلطان الراحل باعتباره أكثر ملاءمة للمصالح البريطانية؛ وهذا ما حدث فعلاً إذ تمّ تنصيبه سلطاناً على زنجبار بمجرد خروج السيّد خالد من القصر؛ فلا غرابة البتّة أن يشعر السلطان المُعيّن بفضل الإنجليز في ايصاله إلى سدة الحكم وبالتالي الانقياد التام للإدارة الإنجليزية.
تجدر الإشارة إلى أنّ السيّد خالد بن برغش كان من ضمن الأسماء المرشّحة للحكم منذ عهد السلطان علي بن سعيد؛ وفي هذا الإطار تُشير المصادر إلى أنّ السيد خالد حاول الوثوب على السلطة فور علمه بوفاة السيد علي ودخل القصر لكن بريطانيا تمكّنت من احتواء الأمر وخرج السيد خالد من القصر بناءً على نصيحة الزعماء العرب وفي هذا الصدد يقول المغيري ” وقد توسّموا من السيّد خالد عدم الانقياد لأوامرهم ومطالبهم، وأنّه لم يطلب الملك منهم ، بل اعتمد في طلبه على العرب” كإشارة واضحة إلى أسباب استبعاد الإنجليز للسيّد خالد عن حكم زنجبار؛ إذ كانت الإدارة البريطانية ترى أنّه لو وصل إلى الحكم سيكون من الصعوبة بمكان السيطرة عليه بسبب طبيعته العدائية لها؛ لذلك تمّ اختيار حمد بن ثويني المولود في عُمان سلطاناً على زنجبار، وهذا الاختيار في حد ذاته كفيل بأن يجعل السلطان الجديد أداة طيّعة في أيدي البريطانيين، وبعد وفاة السلطان حمد اختير السيد حمود بن محمد للسبب ذاته وتمّت تنحية الأمير خالد.
ومن الجدير بالذكر كذلك أنّ السلطان برغش بن سعيد الذي حكم خلال الفترة 1870-1888م كانت له محاولات مع بريطانيا لضمان حكم نجله السيّد خالد بعد وفاته؛ بيد أنّ بريطانيا كان لها رأي مغاير. يذكر الدكتور بنيان في مقالته المنشورة في Anaquel de Estudios?rabes أنّ السيّد برغش سلّم وصيته للقنصل البريطاني جون كيرك عام 1881م متضمنة رغبته في أن تضمن له بريطانيا تولية السيد خالد الحكم من بعده لكن الفكرة لم تلق قبولاً لدى الإنجليز، وقد تحججت بريطانيا أنّ صغر سن السيّد خالد كان أحد أسباب رفض هذه الفكرة رغم انّها لاحقاً وافقت على تعيين السيّد علي بن حمود خلفاً لوالده سلطاناً على زنجبار وهو لم يتجاوز 18 عاماً ووُضع تحت الوصاية البريطانية.
وعودةً على موضوع اعتلاء السيّد خالد لكرسي الحكم في زنجبار إثر وفاة السلطان حمد بن ثويني يقول المغيري “بادر السيد خالد بن برغش ودخل بيت الحكم ، وجلس على كرسي المملكة ، وعاضده على ذلك زعماؤها العرب وأعيانها المسلمون” . وتُشير بعض المصادر إلى أنّ السيّد خالد كان مقرباً من ابن عمه السيّد حمد الذي كان يكلفه بحضور بعض المناسبات نيابة عنه وعندما كان على فراش الموت أوعز إلى الأمير خالد بألا يتأخر عن اعتلاء عرش زنجبار، كما طلب من رئيس العسكر مساعدته في تحقيق هذا المطلب. وقد يبدو هذا الأمر منطقياً بسبب التدخل السافر من المستعمر ـ بكسر الميم ـ في شؤون سلطنة زنجبار حيث لم يبق للسلطان سوى الاسم فقط. ومن ثمّ أعلن السيد خالد نفسه سلطانًا على زنجبار مستعيناً بمساندة العرب الذين رغبوا في التخلص من الهيمنة البريطانية بعدما شعروا بوطأة التدخلات البريطانية في بلادهم، وأمر المدفعية أن تطلق 21 طلقة من على سفينة السلطان الراحل، وأعيد رفع راية القصر التي نُكّست لموت السلطان السابق، وبعث بمذكرات إلى القناصل الأجانب يعلمهم فيها بتوليه سدة الحكم في زنجبار4.
وفي المقابل أعتبرت السلطات البريطانية عدم حصول السيّد خالد على موافقتها لتولي عرش زنجبار تحدياً صريحاً لنفوذ بريطانيا وسطوتها، وبالتالي أرسلت له انذاراً للتنحي والخروج من القصر؛ إلا أنّه أصرّ على موقفه حتى انتهت المهلة المحددة عند الساعة التاسعة بتوقيت زنجبار يوم 27 أغسطس. ونتيجة لذلك تجمّعت ثلاثة طرادات بريطانية، بالإضافة إلى ذورقين حربيين على متنها نحو 150 جندياُ إلى جانب عدد 900 في منطقة الميناء، فيما تجمّع حول السيد خالد عدد يتراوح 2800-3000 أغلبهم من السكان المحليين غير المسلحين مع عدد قليل من قطع المدفعية والرشاشات. وبعد انتهاء المدة المحدّدة اتخذت بريطانيا قرارها بقصف القصر الذي يتحصن فيه هو واتباعه لمدة تتراوح ما بين 38و 45- بحسب مختلف المصادر5- معلنة حرباً غير متكافئة تُعرف في المصادر بالحرب الإنجليزية –الزنجبارية وبأنّها أقصر حرب في التاريخ وإن كنت أرى بأنّها لم تكن حرباً بقدر ما هي عدوان صريح على زنجبار وسلطانها وشعبها6. وقد أسفر هذا العدوان الغاشم عن مقتل حوالي 500 شخص من المدافعين عن القصر فيما أصيب جندي بريطاني واحد فقط7، وتدمير أجزاء كبيرة من القصر وبالتالي لجأ السيد خالد مع بعض اتباعه إلى القنصلية الألمانية طالباً حق اللجوء السياسي ثم نقل لاحقاً إلى دار السلام Dar es Salaam عاصمة شرق افريقيا الألمانية آنذاك، وهناك عاش كسلطان لمدة 20 عاماً يرفرف على منزله علم سلطنة زنجبار. كما تمّ سجن زعماء العرب الذين ساندوا السيد خالد ونفي بعضهم خارج زنجبار، و فرض غرامات على بعضهم، وكذلك مصادرة وبيع ممتلكاتهم وتعويض رعاياهم التجار الهنود ممن تأثروا في هذا الصراع. وبعد تغيّر الأوضاع السياسية مجدداً في اقليم شرق إفريقيا واقتسامه بين القوى الامبريالية أصبحت تنجانيكا من نصيب بريطانيا؛ وعليه نشطت بريطانيا في البحث عن السيّد خالد إلى أن اعتقلته في عام 1917م ثم نُفي إلى جزيرة سانت هيلانة Saint Helenaوبعد أربع سنوات جرى ترحيله وأفراد أسرته إلى جزر سيشل Sychelles ، وفي عام 1922م سُمح له بالإقامة في ممباسا (كينيا) بعد أن تعهد بعدم المطالبة بالحكم ، وعاش مدة خمس سنوات أخرى في المنفى حيث توفي عن عمر ناهز 53 عاماً وهنا يقول Durup في ختام مقالته The Exile Sayyid Khalid مُعقباً على ذلك” وهكذا تنتهي حياة السلطان الذي رغب في الحفاظ على الاستقلال الحقيقي عن الهيمنة البريطانية بعد أن قضى حوالي 30 سنة في المنفى” . وكنتيجة طبيعية فقد أدّت هذه الحادثة إلى ترسيخ مفهوم أنّ الإنجليز هم المسيطرون فعلياً على مفاصل البلاد يقول الريامي “هكذا قويت شوكة الإنجليز في زنجبار وتجرأوا على وضع الشعار البريطاني ليس على كرسي العرش فحسب كما كان عليه الحال في سلطنة السيد حمد بن ثويني وإنما على مختلف الأوراق الصادرة عن الحكومة كما عينوا نظّارا إنجليز على رأس الوزارات المختلفة بدلاً من العرب الذين تمت تنحيتهم جانباً” .
وبذلك طُويت صفحة من تاريخ زنجبار الحديث بطلها السيّد خالد بن برغش الأمير الثائر الذي لاحظ أن سلاطين زنجبار فقدوا أدوات الحكم الفعلي ولم يبق لهم سوى الحكم الصوري فقط ، وبالتالي حاول الوقوف ضد بريطانيا وسياستها في المنطقة ، وتحدى بشجاعة وبسالة قوة الإنجليز رغم عدم تكافؤ القوتين محاولة منه في فرض ارادة شعب زنجبار في اختيار سلطانهم ، وقد سانده أعيان العرب في مطلبه هذا لأنهم لم يروا أنفسهم كشركاء في الحكم مع البريطانيين أو أصحاب سلطة لا سيما بعد وضع بلادهم تحت الحماية والهيمنة الإنجليزية.

المراجع:

* الريامي، ناصر بن عبدالله. زنجبار شخصيات وأحداث، ط3، بيت الغشام، مسقط، 2016.
* المغيري، سعيد بن علي. جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار. تحقيق محمد علي الصليبي وزارة التراث القومي والثقافة مسقط:2001.
* Durup,J.”The Exile Sayyid Khalid bin Barghash Al-Busaidi in the Seychelles”http://www.seychellesweekly.com/September%205,%202010/top6a_The%20Exile%20Sayyid%20Khalid%20bin.html
* Johnson, B. “The Shortest War in History”, http://www.historic-uk.com/HistoryUK/HistoryofBritain/The-Shortest-War-in-History/.
* Turki,B.”Sayyid Khalid Bin Barghash, Britain and the throne of Zanzibar”,https://revistas.ucm.es/index.php/ANQE/article/viewFile/ANQE1010110035A/3521

الهوامش :

1 ولد السيد خالد بن برغش في زنجبارعام1874م وتوفي في ممباسا عام 1927م ، والدته السيدة موزة بنت حمد بن سالم بن سلطان بن الامام احمد بن سعيد له من الأبناء برغش، فاطمة، سعيد، ماجد علي، غالب ، قيس.
2 مسألة الحكم في زنجبار تفجرت منذ وفاة السيد سعيد عام 1856م واصبحت هناك مطالبات متكررة فيمن يخلف السلطان الراحل من ابنائه واحفاده يُروى عن السلطان برغش بن سعيد أنه سُأل عن الحكم في زنجبارذات مرة فقال انها “للأطول سيفاً” وهنا يعلق الدكتور بنيان أن بريطانيا أصبحت هي الأطول سيفاً بل والأكثر حدة في المنطقة بنهاية القرن 19م.
3الاتفاقية البريطانية – الألمانية Heligoland-Zanzibar treaty عام 1890م لتقسيم مناطق النفوذ بين القوتين الامبرياليتين وبموجب هذه الاتفاقية اصبح من حق المانيا السيطرة على تنجانيقا وعلى إثرها وضعت زنجبار تحت الحماية البريطانية .
4 في مقال ل Durup بعنوان ” The Exile Sayyid Khalid ” ذكر بأن السيد خالد تواصل مع الأميركيين (الممثل الاميركي في زنجبار) لتوصيل رسالة الى ملكة بريطانيا فحواها “الملكة فكتوريا، توفي حمد بن ثويني ولقد اعتليت عرش اجدادي آملا أن تستمر العلاقة الودية بيننا كما كانت من قبل ، السلطان خالد بن برغش” ؛ إلا ان الرسالة لم تُرسل .
5 يقول الريامي إنه من العبث تسمية هذه الواقعة بالحرب ، فرغم أن كتب التاريخ درجت على ذلك فهو في تقديرنا تدوين مغلوط للتاريخ لا يخلو من الغرض والإنحياز.
6 يقول المغيري “لو أخذ الإنجليز بالصبر والتأني في هذه الحادثة وخصوصا في مثل زنجبار الجزيرة الصغيرة ، إنهم لو حاصروها بالعساكر لما احتاجوا إلى ضربها بالمدافع وهدم الآثار وحرقها بالنار”
7 يذكر المغيري أن المعركة دامت 25 دقيقة ويقول المغيري كذلك “وقد أعلنت الدولة الإنجليزية أن هذه الحرب باسم السيد حمود بن محمد” فكيف تكون الحرب باسمه وهو لم يُعلن بعد سلطاناً على زنجبار؟؟!!

د.سليمان المحذوري
باحث في تاريخ وحضارة شرق إفريقيا
abualazher@gmail.com

إلى الأعلى