الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / صناعة الإحباط وحرب الشائعات الموجهة لاختراق الأمن الوطني

صناعة الإحباط وحرب الشائعات الموجهة لاختراق الأمن الوطني

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. تؤكد الكثير من الدراسات الأكاديمية المتخصصة، سواء في الشأن الأمني أو السياسي أو النفسي أو الإعلامي ذات الصلة باستقراء علاقة القرارات والتصريحات وتأثيرها بالرأي العام وانعكاس ذلك على منظومة الأمن والاستقرار, من أن الأثر والتأثير الذي تتركه القرارات والتصريحات والرسائل الإعلامية الرسمية السلبية والتي ينتج عنها انعكاسات غير مرحب بها لدى الرأي العام على المديين المتوسط والطويل يكون عميقا وشاملا..”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعتبر مفهوم الامن السياسي واحد من ابرز واهم اشكال وامتدادات الامن الوطني والقومي للدولة – الاقتصادي , الاجتماعي , الانساني , الاعلامي , العسكري , الخ ـ بل هم الأهم من بين تلك الاشكال التي ترتبط بشكل مباشر مع استقرار وشرعية النظام السياسي ومؤسسات الدولة. وبالتالي قدرة ذلك النظام وتلك الحكومة على العمل والبناء والتقدم لصالح الفرد والمجتمع. ما يجعل الحفاظ على الامن السياسي من مختلف اشكال التهديد والاختراق المادي والمعنوي امرا ذا اولوية قصوى لمختلف انواع الانظمة السياسية والحكومات قديما وحديثا.
بناء على تلك الأهمية, وذلك الدور الحيوي الذي يلعبه جانب الأمن السياسي في مستقبل الدول واستقرار النظم السياسية وحياة الأفراد تركزت اخطر فنون تحطيم الأعداء دون مواجهات عسكرية مباشرة. واشكال صناعة الهزيمة الداخلية والاحباطات المجتمعية وكسر الإرادة الوطنية والأمل في حياة ومستقبل أفضل للأفراد , والتي تقع على رأسها ومن اهم اسلحتها “الكلمة” عبر وسائل نشرها ونقلها وبثها, كنشر الإشاعات الكاذبة, والدعايات المغرضة والمرئيات والتوجهات والقرارات السلبية المحبطة بمختلف اشكالها, والتي تستهدف ترابط المجتمع وثقة المواطنين “الرأي العام” في النظام السياسي ومؤسسات الدولة والوحدة الوطنية, وبمعنى اخر, هو اختراق وتهديد للامن السياسي.
والمتتبع لأشكال التهديد الموجه لإضعاف أو القضاء على جانب الامن السياسي يجد تطورا هائلا في الاساليب والمرئيات المستخدمة لذلك سواء كانت بطرق مباشرة وموجهة, او عبر طرق غير مباشرة او ربما غير مقصودة , خصوصا مع دخول التكنولوجيا الحديثة وثورة المعلومات وتعدد ايقونات العولمة وحركة المرور على شبكة الانترنت, أضف إلى ذلك تقلص ما يطلق عليه بسيادة الدول واستقلالها إلى حد كبير, وتدخل العديد من الاطراف الدولية في الشؤون الداخلية للدول والشعوب, وليس ذلك من قبل الدول فقط, بل من قبل اطراف وجماعات ومنظمات عابرة للحدود الوطنية, كالتنظيمات الارهابية على سبيل المثال لا الحصر, وكذلك عبر جهل او قلة خبرة بعض المسؤولين القائمين على المؤسسات الرسمية, من خلال سوء استخدامهم لوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي , وذلك عبر تصريحاتهم المستفزة او المحبطة للمجتمع, وقلة خبرتهم او تدريبهم على طرق ووسائل مخاطبة الرأي العام, ما جعل المحافظة على الامن الوطني بشكل عام, والامن السياسي على وجه الخصوص هدف بالغ الصعوبة وغاية يستحيل تكاملها في العصر الرقمي.
الأمر الذي دفع العديد من الانظمة السياسية سواء السلطوية منها او حتى الديموقراطية إلى استغلال هذه التحولات في النظام الدولي والمتغيرات على الصعيدين السياسي والامني لصالح النظريات الامنية الكلاسيكية” في النظم السلطوية ” أو التراجع عن بعض الديموقراطيات والحريات ” في النظم غير السلطوية “, وهو ما يتناقض في بعض الأحيان مع مبادئ الديموقراطية وحرية الأفراد , كما سبق واشرنا من نواح مختلفة سواء انسانية او حقوقية. الا ان ما حدث على صعيد المشهد السياسي الدولي منذ مطلع القرن 21 وما زال يدفع باتجاه المزيد من النزاعات والتدخلات والارهاب العابر للقارات وتهديد مستقبل الدول واستقرار المجتمعات يقوي بدوره منطقيا الاتجاه الأمني على حساب بعض التوجهات الحقوقية والديموقراطية رغم مخاطر ذلك على الحياة المدنية وتطور المجتمعات وتقدمها في الحياة الانسانية والحضارية.
على ضوء ذلك تركزت تلك التهديدات الموجهة للأمن السياسي, سواء كان ذلك من خلال الاختراقات الخارجية او الخيانات الداخلية او سوء استخدام وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من قبل المحسوبين على النظام السياسي, وان كان ذلك في كثير من الأوقات ينظر إليه على انه تصرف شخصي. والمتتبع لتلك الاشكال يجد انها وكما تصدر من الخارج سواء من خلال الدول او المنظمات الدولية او الجماعات الارهابية او غير ذلك من اشكال التهديدات العابرة للحدود الوطنية, فأنها بلا شك يمكن ان تنبع من الداخل الوطني عبر مواطنين الدول انفسهم ,وبأشكال مختلفة ومتعددة, وفي كلا الحالتين فإن اخطرهما هي سقوط الجبهة الداخلية سواء كان ذلك من خلال الاختراق الخارجي لها, او نتيجة قلة الخبرة وسوء التعامل مع المشهد الداخلي من خلال النظام السياسي ومؤسسات الدولة نفسها.
ومن اهم وابرز اشكال التهديدات الموجهة لاختراق الأمن القومي بوجه عام والأمن السياسي خصوصا في هذا السياق, الإشاعات التي يمكن ان تنشر عبر مختلف وسائل الاعلام والإعلان ووسائل التواصل الاجتماعي, والتي تصدر من الأفراد “المواطنين” في الداخل نتيجة عمق الهوة بين الرأي العام والنظام السياسي, أو نتيجة ضعف مصادر التواصل وتراجع منسوب الثقة بين الأفراد ومؤسسات الدولة, أو نتيجة محاولات خارجية يراد من ورائها إضعاف اللحمة الوطنية وبث أشكال التجزئة والتقسيم المذهبي والحزبيات, والتشكيك في مقدرة وإدارة وسلامة النظام السياسي الحاكم ومؤسسات الدولة, عبر دول تنظر إلى بعضها البعض من خلال منظور الخوف أو الكراهية أو الأطماع الاستعمارية.
(وهنا يكمن الخطر الحقيقي حيث ان الشائعات في هذا المقام تهدد نظام الحكم للدولة والمجتمع برمته, وذلك بهدف هز وضعضعة وإضعاف النظام القائم في الدولة خاصة …. وهي وسيلة لغسل دماغ الإنسان ولافتعال الفتن والأزمات في المجتمع, وهي إحدى أهم وسائل تحقيق أهداف الجهة المروجة للشائعة, فقد يتم ترويج شائعة فتتسبب في قيام حرب, أو هزيمة جيش بأكمله, او تحدث فسادا في الأرض, او بدعة في المجتمع لا أساس لها).
وكذلك الدعايات المغرضة والمضللة التي يحاول البعض نشرها عبر قنوات خارجية او حتى داخلية هادفة لتحطيم البناء واللحمة الوطنية , وهي : ( نشاط يؤدي إلى التأثير فى عقيدة – تفكير- الجمهور، سواء لجعله يؤمن بفكرة أو مبدأ معين، أو من أجل صرفه عن فكرة أو مبدأ يؤمن به, أو هي محاولة التأثير في الأفراد والجماهير والسيطرة على سلوكهم في مجتمع معين ولهدف معين أو الجهود التي تبذل لتغيير معتقدات الناس واتجاهاتهم وآرائهم باستعمال وسائل النشر المختلفة).
وللدعاية وسائل متعددة منها: الإعلان,الإعلام, الخطب والمناقشات, تنظيم الاجتماعات, عقد المؤتمرات والندوات, تأليف الكتب والقصص, مواقع التواصل الاجتماعي, والتي تأخذ صورتين إما ان تكون خطة هدفها إحداث تأثير على المدى الطويل, وهي ما يتعرض له المجتمع عبر التشكيك في تاريخه وتراثه الوطني وجغرافيته وعقيدته ودينه, وإما ان تكون خطة هدفها التأثير السريع ذات هدف محدود في وقت معين وتؤتي ثمارها في حينها ,وهي دائما ما تستهدف ضرب الأمن السياسي بوجه خاص ومختلف اشكال الامن في الدولة بوجه عام. وان كانت يمكن ان تصدر من الداخل الوطني عن غير قصد في اغلب الاوقات من خلال الافراد العاديين أو المسؤولين في الدولة, إلا ان مصدرها الدائم المنافذ الخارجية التي تتسلل عبرها إلى الدولة لضرب الاهداف المحددة والمخطط لها مسبقا, خصوصا تلك التي تستهدف الراي العام والجماهير بشكل رئيسي, رغم انها كذلك تستهدف الشريحة التي تحيط بالنظام الحاكم وافراد الاجهزة الامنية والعسكرية والمدنية في الاصل.
أما بالنسبة للخطابات والتصريحات والقرارات والتوجهات الرسمية السلبية والمحبطة للرأي العام, والصادرة عن مختلف القيادات السياسية والإدارية ” رؤساء دول ومن في حكمهم , وزراء , وكلاء , مدراء عموم , مدراء , وغير ذلك ممن يسمح له التصريح عبر مختلف وسائل الاعلام ” فهي جزء لا يتجزأ من اشكال الاضرار بالأمن الوطني عموما والامن السياسي خصوصا, وقد تناولت هذه النقطة بشكل اكثر تفصيلا في العديد من الدراسات والمقالات التي يمكن العودة إليها لمزيد من التفصيل, كمقال الخطاب الإعلامي الرسمي وإشكالية الرسائل الموجهة للرأي العام الوطني و مقال القرارات الرسمية , بين إشكالية التسرع وسياسات التعتيم, ومقال تأثير القرارات على الرأي العام وانعكاس ذلك على منظومة الأمن والاستقرار الوطني.
حيث، وللأسف الشديد، يلاحظ المتتبع لصيرورة مسار بعض التصريحات الإعلامية الرسمية أن جزءا كبيرا منها لا يتعامل بشكل احترافي ومهني مع ما نطلق عليه بالرسائل الرسمية التي تصل إلى الجماهير أو الرأي العام, وهو أمر لا نبالغ حين نؤكد أنه بالغ الخطورة على عدد من نواحي الحياة الوطنية القائمة والمستقبلية من خلال ما يمكن أن يخلفه على النفسية والثقافة الجماهيرية كإثارة الرأي العام ورفع درجة الحساسية والامتعاض والسخط لدى المتلقي أو الشارع, وتوجيه رسائل رسمية غير إيجابية في أوقات من الضروري مراعاة هذا الجانب خصوصا, ومن بين تلك النواحي الوطنية التي يمكن أن تتأثر جراء هذا الأمر, الأمن والاستقرار والثقة في المؤسسات الحكومية والمسؤولين في الدولة وهما أمران أساسيان لاستمرار البناء والتنمية ومن دونهما لا محالة من اضطراب الحياة، واتساع هوة التنازع السياسي بين أطراف الحراك الوطني.
وتؤكد الكثير من الدراسات الأكاديمية المتخصصة، سواء في الشأن الأمني أو السياسي أو النفسي أو الإعلامي ذات الصلة باستقراء علاقة القرارات والتصريحات وتأثيرها بالرأي العام وانعكاس ذلك على منظومة الأمن والاستقرار, من أن الأثر والتأثير الذي تتركه القرارات والتصريحات والرسائل الإعلامية الرسمية السلبية والتي ينتج عنها انعكاسات غير مرحب بها لدى الرأي العام على المديين المتوسط والطويل يكون عميقا وشاملا وخصوصا على الأمن والاستقرار الوطني من نواحٍ عدة, يقع على رأسها التراجع التدريجي لمنسوب الثقة في النظام السياسي ككل, ومؤسسات الدولة والقائمين عليها على وجه الخصوص, من خلال افتقاد الطمأنينة والإحساس بالانتماء والولاء للأرض والوطن وتأثيره على الهوية الوطنية, وهي من وجهة نظري أهم الأسس وأبرزها مساهمة في تحقيق الاستقرار والأمن أو تتسبب في الفوضى والإخلال بالمنظومة الأمنية والسياسية.

محمد بن سعيد الفطيسي باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية azzammohd@hotmail.com تويتر – MSHD999@

إلى الأعلى