الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : العدوان الثلاثي على سوريا

شراع : العدوان الثلاثي على سوريا

خميس التوبي

المعركة الدبلوماسية في مجلس الأمن الدولي التي استُخدم فيها سلاح “الفيتو” حول الأوضاع في سوريا هي الوجه الآخر للمعركة الميدانية التي يتواجه فيها محوران يقفان على النقيض تمامًا من الماء إلى الماء، محور تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ومن معها من الأتباع والعملاء والأدوات، تأبط الإرهاب سلاحًا في الميدان مثلما يحاول أن يتأبط مجلس الأمن واحتكار سلاح “الفيتو” دعمًا للإرهاب وتسخيرهما معًا في خدمة مخططاته التآمرية ومشاريعه الاستعمارية. ومحور تقوده روسيا الاتحادية وسوريا وحلفاؤهما، يناضل من أجل إطفاء جذوة الإرهاب المشتعلة خوفًا من أن تستكمل ما بدأت بحرقه من الدول والشعوب، وتلافيًا من انتقال شررها إلى دول وشعوب أخرى موضوعة على قائمة مخططات المحور الأول التآمرية.
لقد كان لافتًا استخدام الثلاثي (واشنطن، لندن، باريس) الفيتو لإحباط مشروع القرار الروسي الأشمل والداعي إلى وقف العمليات القتالية من قبل جميع الأطراف، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى المناطق السورية المحاصرة، والذي قدمته موسكو بديلًا لمشروع القرار الفرنسي الداعي جميع الأطراف إلى الوقف الفوري للقصف الجوي، ومنع تحليق الطائرات الحربية السورية والروسية فوق مدينة حلب، والتنفيذ الفوري لوقف إطلاق النار، والتسهيل الآمن لوصول المساعدات الإنسانية إلى جميع أنحاء سوريا.
إنها معركة دبلوماسية بامتياز بين محورين: محور شر بقيادة أميركية بريطانية فرنسية، ومحور خير بقيادة روسية ـ سورية، كانت كفيلة برسم حدود المواجهة، وتعيد إلى الأذهان العدوان الثلاثي على مصر (بريطانيا، فرنسا، كيان الاحتلال الصهيوني) عام 1956، ودور الاتحاد السوفيتي آنذاك في الوقوف إلى جانب مصر، لكن هذه المرة تدخل الولايات المتحدة نيابة عن حليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الصهيوني مع بريطانيا وفرنسا للعدوان على سوريا، وإن كانت ثلاثها ـ ومن معها من العملاء والخونة والأدوات ـ تقود العدوان باسم كيان الاحتلال الصهيوني وبعنوانه العريض: “تفتيت المنطقة لتأمين بقائه”، وتحاول استنساخ الماضي مع فارق أنها سخرت على الأرض جيوشًا جرارة من الإرهابيين والتكفيريين والمرتزقة نيابةً عنها، وتعمل على دعمهم لوجستيًّا، ومحاولة إنشاء مناطق حظر طيران لحمايتهم من الملاحقة السورية ـ الروسية، والتدخل العسكري الجوي إن لزم الأمر.
غير أن اتساع مساحة التداول في صيغ مشروعي القرارين (الفرنسي والروسي) أفضى إلى تحليل عميق لمنظور العلاقة القائمة بين المحور الأميركي ـ البريطاني ـ الفرنسي والإرهاب، وإلى محددات إضافية للصراع، حيث النحيب والخشية بدَوَا واضحين في مشروع القرار الفرنسي من مصير محتوم لـ”داعش والنصرة” ومن معهما من التنظيمات الإرهابية يلوح في الأفق، وواضحين كذلك في الإعلام الموازي والداعم للإرهاب والذي لم يرد أن يترك فرصة لالتقاط الأنفاس.
من الواضح أن الولايات المتحدة ـ ومعها معسكرها المتآمر على المنطقة ـ تعيش أزمة كبرى في منطقة الشرق الأوسط لم تشهد لها مثيلًا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. ولعل في تفاعلات واشتباكات ونتائج رهانات الأميركي على ما خطط له وابتناه من ما يسمى “مشروع الشرق الأوسط الكبير” والذي بدأ منذ احتلال العراق وحتى الآن ما يؤشر إلى حجم هذا المأزق، ويضع صانعي السياسات الأميركية في موقف لا يحسدون عليه، والأهم أن سلوك الإدارة الأميركية يعيش لحظة انكشاف وافتضاح تاريخي أمام العالم الحر، الذي بات شاهدًا على ازدواجية واضحة في المواقف، وإصرار على تمرير مشاريع تعيد رسم خريطة المنطقة، وإن تبدلت التكتيكات وتغيرت الأدوات تقدمًا أو تأخرًا، سواء أكان ذلك في سوريا أو غيرها من تجارب سابقة في بلداننا العربية. ولذلك دخول السمسار الفرنسي على خط إنقاذ سيده الأميركي، ما هو إلا مسعى تنطبق عليه حكاية العجوز مع زوجها الأعرابي:
عجوز ترجى أن تكون فتية … وقد نحل الجنبان واحدودب الظهر.
تدس إلى العطار تبغي شبابها … وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
ومع استمرار الجيش العربي السوري وحلفائه في تكسير نصال الإرهاب التي شحذها الصهيو ـ أميركي، يستمر الأخير في النواح والنباح، ومع رفع درجة التأهب للقيام بعملية عسكرية أميركية خاطفة ومنسقة مع حلف شمال الأطلسي على المطارات والقواعد العسكرية السورية يطل كابوس حربي أفغانستان والعراق، وكابوس المقاومة الشرسة، ويطل معها كابوس منظومتي “أس 400″ و”أس 300″ الروسيتين، ما دفع أوباما بين الحين والآخر للطلب من “البنتاجون” إعداد طبخة جديدة، لكنها طبخة تأتي دائمًا وقد غلب عليها “الخيارات” على حساب “الجزر والبصل والثوم والبهارات”.

khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى