الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل يكتب النجاح لمشروع الإصلاح بالمغرب ؟!

هل يكتب النجاح لمشروع الإصلاح بالمغرب ؟!

محمد عبد الصادق

” ركز “العدالة والتنمية” على المغرب وتماهى مع الثقافة المغربية وغلّب الانتماء الوطني على الانتماءات العقائدية وتجنب التناقضات الإقليمية والدولية ونأى بنفسه عن الإكراهات والصراعات والشبهات التي أحاطت بجماعة الإخوان والتنظيم الدولي, وكانت الانتخابات الأخيرة اختبارا لشعبيته في الشارع المغربي خصوصا بين الفقراء والمهمشين الذين يعولون عليه في القضاء على الفساد
وتحقيق العدالة الاجتماعية…”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد حملة انتخابية ساخنة شارك فيها أربعون حزبا, استطاع حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية بزعامة رئيس الوزراء عبد الإله بن كيران الفوز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان (125) مقعدا مقابل (103) مقاعد لغريمه الليبرالي حزب الأصالة والمعاصرة وحصل حزب الاستقلال المحافظ على 46 مقعدا, وتقاسمت باقي الأحزاب المشاركة ما تبقى من مقاعد البرلمان البالغ عددها 395 مقعدا في ثاني انتخابات نيابية تجرى وفقا للإصلاحات التي أقرها دستور العام 2011م والتي تخلى بموجبها الملك محمد السادس عن بعض صلاحياته الدستورية لصالح الحكومة والبرلمان وتعهد بصيانة وضمان تنفيذ التعديلات الدستورية بغض النظر عن الحزب أو التيار الفائز في الانتخابات, وكان اللافت خسارة الأحزاب اليسارية التي كانت القوى السياسية الأبرز في المغرب لعقود طويلة , قبل ظهور الأحزاب المحسوبة على الإسلام السياسي.
البعض يشير لتجربة الإصلاح المغربية بأنها الوحيدة التي استطاعت الإفلات من شبح الفشل الذي طارد محاولات التغيير في العالم العربي, عقب اندلاع ماسميّ بثورات الربيع قبل خمس سنوات, فما زالت التجربة التونسية تراوح مكانها ومازال الشعب التونسي يدفع أثمانا باهظة من أمنه واستقراره والتراجع الاقتصادي رغم اكتمال أركان التحول الديمقراطي في تونس من دستور وبرلمان وحكومة وانتخابات رئاسية, ونفس الحال في مصر التي شهدت انتكاسة ديمقراطية بعد فشل الإخوان في إدارة شؤون البلاد واستدعاء الجيش ليعاود الحكم من جديد.
التجربة الديمقراطية في المغرب لم تزل وليدة وتحتاج للصبر حتى تنضج, تبدى هذا في أداء وممارسات الأحزاب في الانتخابية الأخيرة فقد غابت البرامج السياسية والاقتصادية وتحول الصراع بين الأحزاب المتبارية إلى محاولات لتشويه إنجازات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية دون تقديم البديل, وفي المقابل حشد الحزب الحاكم آلته الإعلامية الجبارة من صحف ومحطات تلفزة ولجان إلكترونية على شبكات التواصل الاجتماعي لتعليق سبب تباطؤه في الإصلاحات المنشودة, بوجود أطراف لم يسمها تحارب مشروعه الإصلاحي وتقاوم محاولاته الحثيثة للتطوير والتغيير, وسط هذا الصراع غابت المحاسبة الموضوعية لأداء الحكومة وتقييم إنجازاتها الاقتصادية والاجتماعية وغابت الخطط والبرامج التي تنوي الأحزاب تنفيذها في حال فوزها في الانتخابات .
لن يستطيع عبدالإله بن كيران تشكيل الحكومة من حزبه فقط بموجب الدستور وحصيلة المقاعد المتواضعة, التي يرى “العدالة والتنمية” أنه تم السطو عليها لصالح غريمه “الأصالة والمعاصرة” المدعوم من قبل القوى التقليدية, سيضطر بن كيران للجوء للأحزاب الصغيرة لتشكيل ائتلافه الحكومي, بعد رفض منافسه المشاركة في الحكومة وتفضيله المعارضة في مجلس النواب, لن يجد بن كيران صعوبة في تأمين الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة الجديدة والاستمرار على كرسي الوزارة لخمس سنوات القادمة.
استطاع المغرب بأقل التكاليف وبحكومة محدودة الصلاحيات تحقيق نجاحات سياسية واقتصادية بفضل المعادلة السياسية التي رعاها الملك محمد السادس وقادها بوطنية وحزم والشراكة الواعية من حزب العدالة والتنمية بزعامة بن كيران الذي لم يترك مناسبة إلا وأشاد برعاية ودور الملك محمد السادس في نجاح التجربة الديمقراطية في المغرب وكلما سئل عن صلاحياته المحدودة في مقابل صلاحيات الملك كانت إجابته:” من كان يريد رئيس حكومة يتصادم مع الملك فليبحث عن رجل غيري”.
هناك فوارق جوهرية بين التيار الإسلامي في المغرب ونظرائه في بقية الدول العربية؛ حيث تجنب المطبات التي أطاحت بالتجارب الإسلامية الأخرى ونجح في الفصل بين الحركة الدعوية والحزب السياسي, وتبنى منهجية الإصلاح مع إعلاء المصلحة الوطنية واعتمد العمل العلني القانوني الشفاف , عكس نظرائه الذين سعوا للتغيير بأي وسيلة والوصول للسلطة بأي ثمن, وتخلص من هاجس إقامة الدولة أو الخلافة الإسلامية ومبدأ الولاء والتمكين الذي طبع فكر وخطط عمل الحركات الإسلامية منذ ظهور أفكار مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا في عشرينيات القرن الماضي وقادت هذه الأفكار الإخوان لمصير كارثي كما شاهدنا تجربتهم مع الحكم في مصر والتي أضرت بالمشروع الإسلامي.
ركز “العدالة والتنمية” على المغرب وتماهى مع الثقافة المغربية وغلّب الانتماء الوطني على الانتماءات العقائدية وتجنب التناقضات الإقليمية والدولية ونأى بنفسه عن الإكراهات والصراعات والشبهات التي أحاطت بجماعة الإخوان والتنظيم الدولي, وكانت الانتخابات الأخيرة اختبارا لشعبيته في الشارع المغربي خصوصا بين الفقراء والمهمشين الذين يعولون عليه في القضاء على الفساد و تحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الفقر وتوفير فرص العمل التي استطاع بن كيران وحكومته قطع أشواط ولو متواضعة في سبيل تحقيقها ويتطلعون لاستكمال برنامجهم الإصلاحي عقب فوزهم في الانتخابات .
كانت هناك محطات مهمة في مسيرة حكومة بن كيران جعلت كثيرا من المغاربة يثقون في قدراتها ويعطونها أصواتهم على أمل استكمال برنامج الإصلاح رغم المصاعب التي اعترضت عملها وكان أولها أزمة الإضرابات العشوائية التي شلت قطاعات خدمية واقتصادية عريضة في المغرب وتصدت لها حكومة بن كيران باستقطاع جزء من أجور المضربين عن العمل ؛ مما أجبرهم على قبول التفاوض مع الحكومة وانتظم العمل بالمدارس والجامعات والجهات الحكومية بعد سنوات من الشلل.
اتخذت الحكومة قرارات صعبة لعلاج العجز المزمن في الموازنة؛ من قبيل رفع الدعم عن المحروقات ورفع سن التقاعد ورفع أسعار الكهرباء والغاز والمياه وغيرها من الخدمات ورغم قسوة هذه القرارات استطاعت الحكومة تمريرها, بعد تفهم كثير من المغاربة لحتميتها لأنهم لا يملكون بديلا آخر, ونجحت الحكومة في تسويق هذه السياسات ؛ مستندة لحسن السمعة ونظافة اليد وثقة الناس في أن أيديهم لن تمتد للمال العام.
حاولت الحكومة حماية الطبقات الأضعف في المجتمع عن طريق إنشاء “صندوق التكافل الاجتماعي” والدعم المالي المباشر للأرامل والأيتام وزيادة منح الطلبة الجامعيين ورفع الحد الأدنى لمعاشات المتقاعدين, كما نجحت في تحسين مناخ الاستثمار , بمحاولة القضاء على الروتين والبيروقراطية الحكومية ومحاربة الفساد والرشوة ومحاولة تطوير وميكنة الإدارات الحكومية, وتسهيل منح التراخيص اللازمة لتشغيل المشروعات الجديدة , ونجحت المغرب بفضل تلك الإصلاحات في جذب كثير من الاستثمارات الأجنبية في مجال صناعة السيارات والمعدات الثقيلة وتوطين الصناعات الصغيرة والمتوسطة في أجزاء عديدة من الأقاليم المغربية, بجانب تشجيع الاستثمار في السياحة مما أدى لزيادة أعداد الزائرين للمغرب بفضل الاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي .

Mohamed-abdelsadek64@hotmail.com
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى