السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: لماذا التربص الإسرائيلي الدائم بقطاع غزة؟

شراع: لماذا التربص الإسرائيلي الدائم بقطاع غزة؟

خميس التوبي

وسط الركام المتصاعد من الهم العربي، يأتي التلويح الإسرائيلي بشن عدوان إرهابي جديد وخاطف على قطاع غزة ليضيف عليه مزيدًا من الركام، مستغلًّا حالة التضعضع والتشرذم للفلسطينيين والعرب، ونتائج ما سمي زورًا بـ”الربيع العربي”، وقطف ثماره اليانعة المتمثلة في مستجد ما طفا على السطح من علاقات تنسيق وتفاهم وتطبيع وشراكة ـ بعد عقود من السرية ـ بين كيان الاحتلال الإسرائيلي وبعض القوى العربية التي تقود فوضى هذا “الربيع” المزعوم والمركَّبة من التكفير والإرهاب والفتن الطائفية والمذهبية لخلخلة الدول العربية وتفتيتها والتي يناصبها العداء كيان الاحتلال الإسرائيلي.
لا يزال قطاع غزة عَظْمًا في حلقوم الاحتلال الإسرائيلي، وكم تمنى قادة الاحتلال الإسرائيلي أن يبتلع البحر يومًا ما غزة، وما زاد من انحشار عَظْمِ غزة في الحلقوم الإسرائيلي ومضاعفته للوجع، هو سيطرة حركة حماس على القطاع ومشاركتها حركة الجهاد الإسلامي في نهج المقاومة، وتنافسهما في تطوير أدوات المقاومة، ما جعل كيان الاحتلال الإسرائيلي يبحث عن الوسائل الكفيلة باقتلاع القطاع وبمن فيه من حركات المقاومة، ولذلك لم تكن الحروب الإرهابية العدوانية الإسرائيلية شبه السنوية على قطاع غزة، بالإضافة إلى الحصار الخانق إلا إحدى الوسائل التي يحاول كيان الاحتلال الإسرائيلي استخدامها لاقتلاع العَظْمِ الغزي من حلقومه.
قبل هذا التلويح بشن عدوان إرهابي همجي جديد والذي جاء على لسان نائب وزير الحرب الإسرائيلي إيلي بن دهان، كان الطيران الحربي الإسرائيلي شن خمسًا وثلاثين غارة على قطاع غزة استهدفت أراضي زراعية ومواقع تابع لحركة حماس. وكالعادة لا يحار المجرم الإسرائيلي تبرير جرائمه وتلفيق الأعذار ونسج الحجج ليظهر أمام الملأ أنه معتدى عليه، حيث أرجع سبب هذه الغارات العدوانية الإرهابية إلى ما زعم أنه ردًّا على صاروخ أطلق من القطاع على جنوب فلسطين المحتلة.
الحقيقة هي أن كيان الاحتلال الإسرائيلي بقادته مجرمي الحرب وبقطعان مستوطنيه وإرهابييه، يعلم أن القدس والضفة الغربية المحتلتين على درب الالتهام لتكونا لقمة سائغة في فمه، والمسألة بالنسبة إليه هي مسألة وقت لا أكثر، ولم يبقَ في هذا الإطار سوى القليل، فالقدس (الغربية والشرقية) تقريبًا على وشك استكمال تهويدها وتدنيسها، وسكين التدنيس والتهويد والاستعمار الاستيطاني كل يوم تقتطع مما بقي من جسد الضفة الغربية؛ فحدود عام 1967 أصبحت بالنسبة للمحتل الإسرائيلي شيئًا من الماضي، وفي أكثر من موقف ومناسبة أكد نكرانه لها ورغبته في تغييرها. لكن يبقى أمام مشروع التصفية هذا عَظْمُ قطاع غزة حائلًا أمام اكتمال المشروع، ليس من حيث الجغرافيا، وإنما من حيث الطبيعة المقاومة التي تتعزز بيئتها كل يوم، وتعمل على تطوير وسائلها وأدواتها. ولضرب بنية المقاومة هذه عمل كيان الاحتلال الإسرائيلي ـ ولا يزال ـ المستحيل، توهمًا منه أن المقاومة مرتبطة بالأرض والجغرافيا، ولم يفهم أن المقاومة هي ثقافة وسلوك وتربية وعقيدة متأصلة ومتجذرة في نفس الفلسطيني والعربي، وأن لا مجال لذلك إلا بزوال الاحتلال والاعتراف بالحقوق وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين.
وفي إطار هذا التوهم الإسرائيلي، لا يزال المحتل الإسرائيلي مسنودًا بحلفائه الاستراتيجيين وتحديدًا الولايات المتحدة التي تغرقه بأسلحة الإبادة والفتك، وتغدق عليه الهبات المالية من أموال دافع الضرائب الأميركي، لكي تستخدم في إبادة الشعب الفلسطيني وتكسير نصال مقاومته الشريفة، وفي تدمير الشعوب العربية ودول المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك، حاول كيان الاحتلال الإسرائيلي الاتكاء إلى مستجد العلاقات الطافية على سطح العمالة والخيانة لتغيير النهج المقاوم لحركة حماس، وبقائها في إطار وضعها الطبيعي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، كجمعية خيرية، حيث كانت لافتة الحوارات والاستضافات لقيادات حماس، ومحاولة إشراك الحركة في رعاية وتأجيج الفوضى الإرهابية والطائفية والمذهبية التي جاء بها المسمى زورًا “الربيع العربي”، فضلًا عن الزيارات العربية والصهيونية إلى السودان واستخدام سياسة العصا والجزرة مع قيادتها لقطع العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بما يضمن عدم وصول الدعم الإيراني إلى حماس والفصائل المقاومة الفلسطينية.
من هنا، يمكن القول إن العدو الإسرائيلي سيبقى شاهرًا أسلحة إرهابه على الدوام ضد قطاع غزة لطالما تمسك هذا القطاع بشرف المقاومة، والتمسك بالحق والعرض والكرامة، في حين أن التنازل عن هذا الخيار المُؤيَّد بقوة القانون الدولي والشرائع السماوية والأرضية سيعني خيانة القضية الفلسطينية والمشاركة في تصفيتها؛ لأنه بكل بساطة أن كيان الاحتلال الإسرائيلي بمجرد أن ينجح في التخلص من المقاومة ساعتئذ لن يعترف بأي حق من حقوق الفلسطينيين ولا حتى العرب، وسيستكمل مشروعه الاحتلالي الاستعماري من النيل إلى الفرات.

إلى الأعلى