الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بين الفيتو الروسي ونظيره الأميركي

بين الفيتو الروسي ونظيره الأميركي

د. فايز رشيد

”وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرلوت صال وجال على عواصم عديدة, كان من بينها موسكو وواشنطن, من أجل الترويج لمشروع بلاده المشترك مع اسبانيا, لم يُبدِ اي نوع من المرونة أو يأخذ في الاعتبار الملاحظات التي ابدتها الدبلوماسية الروسية, وكأنه ذهب إلى هناك ولسان حاله يقول للروس: اقبلوا هذا المشروع أو ارفضوه!. كان يود رفض موسكو لمشروعه.”

غريبة كل هذه الإدانات الدولية للفيتو الروسي الأخير (الخامس) في مجلس الأمن, الذي عطل مشروع قرار فرنسي – اسباني جرى إعداده مسبقا في الدوائر الإمبريالية, تمثلت رغبة تلك الدوائر في فرض وصايتها على الأزمة السورية! قالوا وتقولوا عن حقوق الإنسان, وإغاثة المحاصرين وحقوقهم الإنسانية في حلب. هذه المصطلحات التي تعودنا عليها من واشنطن والدوائر الغربية عموما! والتي تؤشر في اتجاه واحد فقط,عنوانه الحفاظ على مصالح تلك العواصم! بالتالي فهم يحافظون حتى على كل رئيس يأتون به, ويتلقى أوامرهم, حتى لو كان شبيها بهولاكو في ممارسته, أما الرؤساء الذين يريدون استقلالا حقيقيا لدولهم, بعيدا عن أوامر وزارات الخارجية في واشنطن والعواصم والسفارات الأميركية في الدول المعنية, فهؤلاء ليسوا أكثر من دكتاتوريين, حتى لو كان الواحد منهم أرسطو في فهمه للديموقراطية وممارسته لها! هذه هي شريعة الغاب.هذه هي سياسة النفاق الأميركية والغربية عموما, والتي تكيل بمكيالين. نعم, حقوق الإنسان تُنتهك يوميا في فلسطين على أيدي الفاشيين الجلادين الصهاينة, منذ ما قبل إنشاء الكيان الصهيوني وحتى اللحظة, لكن واشنطن ومنذ إنشاء الأمم المتحدة, عطلّت 42 مرة (من خلال استعمالها لحق النقض – الفيتو) على مشاريع قرارات تدين الكيان الصهيوني, أواستيطانه أو حتى جرائمه النازية! أما واشنطن في سوريا, فهي حريصة على حقوق الشعب السوري, مع أنها غزت العراق, وكانت السبب المباشر في تقسيمه الجغرافي والطائفي الحالي وقتل عشرات الآلاف من أبنائه. هذا الأمر تود تكراره حاليا في سوريا وليبيا واليمن وغيرها, من الدول العربية.
وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرلوت صال وجال على عواصم عديدة, كان من بينها موسكو وواشنطن, من أجل الترويج لمشروع بلاده المشترك مع اسبانيا, لم يُبدِ اي نوع من المرونة أو يأخذ في الاعتبار الملاحظات التي ابدتها الدبلوماسية الروسية, وكأنه ذهب إلى هناك ولسان حاله يقول للروس: اقبلوا هذا المشروع أو ارفضوه!. كان يود رفض موسكو لمشروعه. موقف لم يتردد نائب وزير الخارجية الروسي غاتيلوف في وصفه, بأنه مشروع قرار “يستدرج” فيتو روسيا مُسبقا. هذا الامر الذي لا يحدث في عالم الدبلوماسية المعقّد والمفتوح على المشاورات والمناورات والمساومات, كي يصل الجميع إلى مشروع قرار وسط, متفق عليه.
أيضا, منذ أسبوع, صرح الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية مارك تونر (الأربعاء 5 أكتوبر/تشرين الأول الحالي 2016), أنه على الرغم من الغياب الملحوظ لأي أثر للإدانة الأميركية الموجهة لسياسات إسرائيل الاستيطانية, في ثنيها عن الاستمرار في هذه السياسة المدمرة لآفاق السلام, فإن الولايات المتحدة تحرص على جعل مواقفها تجاه الاستيطان علنية ومعروفة. وأضاف في إطار دفاعه عن موقف حكومته (بصراحة عندما نرى إسرائيل تقوم بتنفيذ هذا النوع من العمل – النشاط الاستيطاني الجديد- الذي يتناقض مع الهدف المعلن لها, والتزامها بتحقيق هدف ومتابعة حل الدولتين, فإن ذلك يثير مخاوف خطيرة, وعلينا أن نقول ذلك سرا وعلانية للحكومة الإسرائيلية). جاء ذلك ,خلال رده على أسئلة الصحفيين, في أعقاب إصداره بيانا شديد اللهجة, يدين مصادقة حكومة الكيان على بناء وحدات استيطانية جديدة في مستوطنة “شيلو”, وعدم جاهزية الولايات المتحدة لاستخدام ثقلها قي التأثير على الكيان.
لعل من الضروري, تذكير تونر, بأن مثل هذه الادانات رغم شدتها اللغوية, لم تمنع أو توقف الكيان الصهيوني عن الاستمرار في اعلانات حكومته, بناء وحدات استيطانية جديدة كلّ أسبوع, وعلى مدار سنوات طويلة، متحدية كل هذه الادانات ومتمردة عليها, لذا على الناطق الرسمي باسم الخارجية الأميركية أن يقرأ التصريحات والبيانات التي صدرت عن الخارجية الصهيونية , وعن المسؤولين الاسرائيليين, التي رفضت هذا التنديد الأميركي بالاستيطان, معتمدة في رفضها على مواقف وتصويتات الادارة الأميركية في كافة المحافل الدولية, طيلة المراحل السابقة في مجلس الأمن ازاء موضوع الاستيطان. نسأل تونر: لماذا لا تدينون الاستيطان الصهيوني في مجلس الأمن؟. لماذا لم تشترط الإدارة الأميركية على تل أبيب؟ أنه ومقابل مساعدة الـ 38 مليار دولار المقدمة إليه, على مدى السنوات العشر القادمة,عليه وقف استيطانه, والانسحاب إلى حدود 4 حزيران/يونيو 1967, والموافقة على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على تلك الأرض المحتلة ,إضافة إلى قطاع غزة. كذلك, لطالما أعلن الرئيس أوباما مرارا, بأن العودة إلى حدود عام 67 ليست أمرا واقعيا, نظرا للمتغيرات الديموغرافية والجغرافية ,التي حصلت منذ تلك الحرب. نذّكر الناطق باسم الخارجية الأميركية, بالاتفاق الاستراتيجي الموقع بين الولايات المتحدة والكيان, والذي اعترفت فيه إدارة الرئيس الأميركي بوش الإبن, بأن أميركا لن تمارس ضغوطا على إسرائيل لقبول حلّ لا تريده. نذّكر أيضا, بأن اللوبي الصهيوني في أميركا والتيار الصهيو –مسيحي المساند له ,يجمعان مليارات الدولارات سنويا, لتوسيع الاستيطان, وإقامة مستوطنات جديدة ,فهل فكرت مطلق إدارة أميركية في تجميد هذه المبالغ, لإجبار الكيان الصهيوني على وقف استيطانه؟. واشنطن هي التي عطلت اتفاق 9 أيلول/سبتمبر 2016 بين كيري ولافروف حول سوريا. هي التي أتاحت من خلال الهدنة الأخيرة للمنظمات الإرهابية الأصولية المتطرفة, تحقيق انتصارات جزئية, كان هدفها إعادة احتلال طريق الإمدادات التسليحية من تركيا! واشنطن ورغم مشروع الاحتلال العثماني لأراض واسعة في سوريا والعراق, غضت الطرف عن ذلك, ولم تبادر إلى دعوة مجلس الأمن للانعقاد من أجل إدانة الطرف المعتدي على أراضي البلدين العربيين. واشنطن لا تريد وحدة سوريا, بل تسعى لتفكيكها. نعم تريد الاستمرار في تفتيت النسيج الاجتماعي للشعب السوري. واشنطن تمارس ديماغوجية مكشوفة.

إلى الأعلى