الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مناظرات انتخابات أميركا

مناظرات انتخابات أميركا

د.احمد مصطفى

”هناك كثيرون في المنطقة يفضلون فوز هيلاري كلينتون بالرئاسة ـ على اعتبار أنها “تعرف الشرق الأوسط ولن تكون هناك مفاجآت في التعامل معها. ويذهب البعض إلى حد انه يروج لكلينتون وكأنه يعمل ضمن حملتها الانتخابية. قد يتفهم المرء ذلك، لكنه ليس بالضرورة صحيحا أو في مصلحة المنطقة، خاصة مع التحولات التي تشهدها علاقة واشنطن بالمنطقة منذ فترة حكم الرئيس جورج بوش الابن الثانية.”

الملاحظة الأساسية على المناظرة الثانية بين مرشحي الرئاسة الأميركية، الجمهوري دونالد ترامب والديموقراطية هيلاري كلينتون، أنها جاءت بشكل عام أفضل من المناظرة الأولى نهاية الشهر الماضي. اتسمت المناظرة الأولى بالتوتر والضعف والخروج عن صلب موضوع مناظرات الانتخابات، وكانت السيناتور كلينتون وهي البرلمانية والموظفة المتمرسة أفضل أداء من الملياردير ترامب الذي لم يسبق له العمل في الحكومة ومؤسساتها ولا دخل انتخابات عامة من قبل. ولعل هذه المناظرة الثانية تمهد الطريق امام المناظرة الأخيرة يوم 19 نوفمبر ليكون المرشحان فيها محل اختبار حقيقي أمام قضايا الانتخابات وليس التراشق الشخصي والفضائح. لا يعني ذلك أن حملات التشويه ستتوقف، أو أنها لن تجد ذخائر في مسيرة كلا المرشحين، لكن الأرجح أن هذه المناظرة الثانية تبدو بداية “استقرار” الحملة الانتخابية قبل نحو شهر من موعد الانتخابات.
دعونا من استطلاعات الرأي، التي أثبتت فشلها في توقع نتائج انتخابات أخرى في بلدان مختلفة، وما يمكن أن تشير إليه. وإن كان الأرجح أن تقدم كلينتون على ترامب بفارق كبير يمكن أن يتقلص بعد المناظرة الثانية تلك. المهم، أن تلك المناظرات قد لا تغير كثيرا من توجهات الناخبين الذين لم يحسموا رأيهم بعد لمن سيصوتون. فما زالت كلينتون “الموظفة المحنكة التي تعرف كيف تتعامل بيروقراطيا” وما زال ترامب “رجل الأعمال المغامر سطحي المعرفة والقادم من خارج مؤسسة إدارة البلاد”. وسيظل اختيار هؤلاء غير المقررين في الأغلب هو بين “السيء والأسوأ”. وسيظل العامل الحاسم هو يوم التصويت وما سيقرر هؤلاء، إنما تعد تلك المناظرات مؤشرا فقط ومادة استهلاك لوسائل الاعلام.
بالطبع، يلعب الإعلام دورا مهما في “الحشد والتجييش” في الحملات الانتخابية في أي انتخابات في أي بلد وكذلك هو الحال في انتخابات الرئاسة الأميركية. ومنذ بداية سخونة الحملة الانتخابية وحتى قبل المناظرة الأولى يحظى ترامب بالتغطية الأوسع إعلاميا خاصة مع زلات لسانه وتعليقاته السابقة التي عادى فيها المرأة والأقليات العرقية والدينية. وبالإضافة إلى تبني مؤسسات إعلامية كبيرة مثل النيويورك تايمز تأييد المرشحة الديموقراطية، أثار المرشح الجمهوري مشاكل عديدة مع وسائل الإعلام الرئيسية جعلت من الصعب حتى على تلك التي تميل نحو الجمهوريين تأييده. وهكذا يتكتل الإعلام ضد ترامب ويسهم في كشف فضائحه وتضخيم عيوبه ـ الموجودة أصلا ـ في الوقت الذي تتفادى فيه كلينتون دائرة الضوء الكاشفة التي يمكن أن تنال من صورتها أمام الناخبين.
بغض النظر عن نتائج المناظرات، بما فيها المناظرة الأخيرة المتبقية، يمكن للمرء توقع أن الخلافات داخل الحزب الجمهوري لن تنال كثيرا من فرص مرشح الحزب رغم ما بدا في الآونة الأخيرة من احتمال تخلي الحزب عن ترشيحه. فالسياسيون الجمهوريون الذين يحاولون إبعاد أنفسهم عن ترامب إنما يتحسبون لانتخابات تشريعية تجري مع الانتخابات الرئاسية او يحاولون أن يظهروا لدوائرهم ومؤيديهم أنهم “ملتزمون سياسيا”. ومن المحتمل أن يصب ذلك في صالح ترامب، طالما لم يدفعه للانسحاب من الانتخابات. ببساطة، يشعر الأميركي العادي ان السياسيين لا يوثق بهم وتلك ميزة تحسب لترامب على سطحيته السياسية. وهناك قطاع كبير من جيل الشباب سيكون موقفه “طالما هؤلاء السياسيين المنافقين يعترضون على ترامب فهو ليس مثلهم وهذا يعني أنه رجل واضح وصريح، لذا ننتخبه”.
هذا “التفريغ السلبي” يمكن أن يوفر للمرشح الجمهوري أصواتا سيكون من الصعب أن يتوفر مثلها لمنافسته الديموقراطية. وما ينطبق على موقف السياسيين ينطبق على الإعلام إلى حد كبير. ربما يصعب تصور كيف يمكن للحملة الإعلامية المستمرة ضد ترامب، التي تكشف بذاءته واحتمال تهربه من دفع الضرائب وعدم “التزامه السياسي”، أن تصب في صالحه. ببساطة، سيجد قطاع كبير من الشباب الأميركي أن حملة الإعلام التقليدي على ترامب إنما تعني أنه ليس كبقية “شخصيات المؤسسة” وبالتالي يمكن أن يكون خيارهم نحو “أميركا جديدة” بعيدا عن نفاق الإعلام والسياسيين وحسابات المصالح والفساد. بالطبع، تظل كل تلك احتمالات ـ لكنها ليست بعيدة عن التحقق خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن ترامب بكل ما ظهر منه حتى الآن إنما يعد أكثر تعبيرا عن المزاج الأميركي العام الحقيقي الذي لا تعكسه الدبلوماسية والسياسة ولا حتى الإعلام الأميركي التقليدي.
هناك كثيرون في المنطقة يفضلون فوز هيلاري كلينتون بالرئاسة ـ على اعتبار أنها “تعرف الشرق الأوسط ولن تكون هناك مفاجآت في التعامل معها. ويذهب البعض إلى حد انه يروج لكلينتون وكأنه يعمل ضمن حملتها الانتخابية. قد يتفهم المرء ذلك، لكنه ليس بالضرورة صحيحا أو في مصلحة المنطقة، خاصة مع التحولات التي تشهدها علاقة واشنطن بالمنطقة منذ فترة حكم الرئيس جورج بوش الابن الثانية. وربما على العكس، قد يكون فوز ترامب أفضل لاعتبارات كثيرة رغم ما يبدو من حملته وتصريحاته النارية ضد “الإرهاب الإسلامي”. فما إن يفوز المرشح ـ خاصة من خارج المؤسسة مثل ترامب ـ حتى تتغير شعاراته وربما تتحول مئة وثمانين درجة بمجرد توليه المنصب. وإذا كان التحول المحتمل قليلا في حالة كلينتون فإنه قد يكون هائلا في حالة ترامب بما يجعله رئيسا أميركيا افضل للمنطقة العربية من وزيرة الخارجية السابقة و”السيدة الأولى” السابقة.

إلى الأعلى