الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطابة وفن الالقاء (44)

الخطابة وفن الالقاء (44)

أحمد محمد خشبة:
.. والهدية إنما تكون على قدر المهدي، ومن خصائصها أنها تكون أقرب شئ إليه وأعز شئ عنده، ومن هنا ندرك قيمة الصلاة وندرك حرص الرسول (صلى الله عليه وسلم) عليها ودعوته أمته إلى المحافظة عليها.
ولعل في تعبير المحافظة ما يدل على كون الصلاة شيئا ماديا ملموساً تسلمها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسلمها لأمته ولذلك جاءت التعبيرات القرآنية بمعنى المحافظة وعدم التضييع والقرب، وجاءت الوصايا النبوية لمن سيأتي بعده من ورثته من ابناء امته بضرورة المحافظة على هذا الميراث الخالد.
فنجد القرآن الكريم يعبر عن الصلاة بقوله:(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا الله قانتين)، (والذين هم على صلاتهم يحافظون)، (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً).
كذلك نجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحرص كل الحرص أن يؤكد على أمر الصلاة في كل مناسبة، وكيف أن الصلاة هي عمود الدين وأن من أقامها فقد أقام شعائر الدين ومن هدمها فقد هدم الدين.
روى الترمذي بسنده/ عن معاذ بن جبل ـ رضى الله عنه ـ قال: رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد).
ويروى الطبراني بسنده: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لا دين لمن لا صلاة له، إنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد).
ويروى الحاكم: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(ما أفترض الله على خلقه بعد التوحيد شيئا أحب إليه من الصلاة، ولو كان شئ أحب إليه منها لتعبد بها ملائكته فمنهم راكع ومنهم ساجد وقائم وقاعد).
.. ولذلك أيضا كانت الصلاة هي آخر ما ينطق به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يوصى أمته، وفي هذا دليل أيما دليل على مكانتها، وأنها هي الجامعة لأصول الدين والدليل على تمام اليقين.
فهي أي الصلاة مقياس حرارة الإيمان في قلب المسلم والميزان الذي يقاس به إيمان المؤمن.
وقد جمعت الصلاة جميع صفات الهدية النافعة، ألم نقل إنها هدية رب العالمين لنبيه الأمين ولأمته من المؤمنين والمسلمين المصلين وهل يمكن أن يهدي لنا ربنا إلا ما ينفعنا ويفيدنا.
فمن خصائص هذه الهدية أنها نور، فالصلاة نور يتلألأ في قلب المؤمن ويسطع في وجهه وينعكس على جوارحه، وفي الحديث يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملأ مابين السموات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) ـ رواه مسلم.
والصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، كما أكد الله تعالى هذا في قوله:”اتل ما أوحى اليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر” وكأن الصلاة تدريب عملي للامة على مكارم الأخلاق والبعد عن الرذائل والفواحش ولذلك جاء في الحديث القدسي:(إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي ولم يستطل بها على خلقي ولم يبت مصرّاً على معصيتي وقطع النهار في ذكرى ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة ورحم المصاب)، والصلاة مكفرة للذنوب بدليل قوله تعالى:(وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين)، وبدليل قوله (صلى الله عليه وسلم):(أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنة شئ؟ قالوا لا يبقى من درنه شئ. قال فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)، والصلاة كذلك دليل انتظام الصف المسلم وترتيبه وخشوعه وتدبر(إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج) وفيها أيضا تنظيم لوقت المسلم على مدار اليوم، يقول تعالى:(إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) أي: فرضاً مؤقتاً بوقت لا يصح أن تتقدم عليه ولا يجوز أن تتأخر عنه إلا لضرورة شرعية.
.. وهكذا أيها الإخوة المسلون رأينا كيف إن الصلاة وهي هدية رب العالمين إلى حبيبة ونبيه ورسول هدايته للعالمين قد جمعت كل خصائص وخصال الخير الجامعة وكيف أن قيمتها باقية إلى يوم الدين وقد عرفنا ان نبينا استحق هذه الهدية وهذه المنحة نتيجة لصبره وجهاده واجتهاده ولذلك حافظ عليها وأمرنا ان نحافظ عليها وأن نعض عليها بالنواجذ وقد رأينا وسمعنا ما في الصلاة من فوائد وخصائص وكيف أنها نور وبرهان وأمانة ومؤدية إلى البعد عن الرذائل والفواحش وكما أنها دليل على انتظام الصفوف وائتلاف القلوب وترتيب الأوقات فإنها كذلك مؤدية للثبات.
نعم الثبات ضد الخوف والهلع والجزع، فهي تجعل المؤمن هادئاً ثابتاً موقناً راضياً رزيناً رحيماً شفيقاً شاكراً لأنعم الله صابراً على أحكام مولاه (إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً، إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون).
نسأل الله سبحانه وتعالى ان يجعلنا ممن أحسن استقبال الهدية. وان ينسئ لنا في العطية وان يزيد لنا في منحة اللدنية. كما اسأله سبحانه ان يقر بنا عين نبيه (صلى الله عليه وسلم):(أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ادعوا الله يستجب لكم).
* الخطبــة الثانيــة:
الحمد الله هيئنا لحفظ الهدية ووفقنا إلى أن لا نخفر ذمة نبيه واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له شهادة موقن بحجم المسؤولية واشهد أن محمد عبده ورسوله القائل كلكم راع وكلكم مسؤول عن الرعية. اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وارزقنا يا رب معهم المعية…. وسلم تسليما كثيراً.
أما بعـد .. أيها الأخوة المسلمون: فكما علمنا أن الصلاة قد جمعت كل خصال وخصائص الهدية النافعة من حيث إفادتها وإضافتها إلى شخص المهدي إليه فهي نور وبرهان ومكفرة للذنوب ومؤدية إلى البعد عن العيوب والفواحش ودليل على النظام والترتيب في الصف المسلم. وهي بالإضافة لذلك.
خير ما يستعين به المسلم على أمره وخير ما يستعين به على مواجهة ما يلم به من الأمور ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أهمه أمر أو حزبه أمر فانه يفزع إلى الصلاة طلبا للراحة والسكينة وصدق الله القائل” واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين” وصدق صلى الله عليه وسلم وهو ينادي بلال أرحنا بها يا بلال) .. والصلاة جامعة لكل العبادات العملية فهي أم العبادات فيها التوحيد والتمجيد وفيها الزكاة لسائر البدن وفيها الصيام بنوعية الصيام عن الطعام والشراب وكذلك الصيام عن الكلام إلا بما يتعبد به الله عز وجل وكذلك فان في التوجه إلى الكعبة فعلا من أفعال الحج.
أيها الأخوة المسلمون: إن المحافظة على هدية ربنا لرسوله ولأمته محافظة على كياننا وعقيدتنا وتمييزنا وانتظامنا ونظامنا .. نسأل الله سبحانه أن نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه كما نسأله جل وعز أن يهيئ لنا من أمرنا رشدا وان يرزقنا التقوى اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمه أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم وفق ولاة أمورنا إلى الخير دائما وارزقهم يا رب البطانة الصالحة.
عباد الله: ان الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذا القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي. (يعظكم لعلكم تذكرون).
* مناسبة الخطبة:
في عام 1999م وقع زلزال كبير بدولة تركيا المسلمة أودي بحياة الآلاف حيث بلغ عدد الضحايا أكثر من خمسين ألف شخص، فجاءت هذه الخطبة متأثرة بهذا الحدث.
وقد علمت أن أحد اخواني من أئمة المساجد في مصر قد خطبها عند حدوث كارثة(تسونامي) منذ عامين تقريباً، وقد ألقيتها بنفس المعاني تقريباً عندما أثر إعصار (جونو) على شواطئ عمان صيف 2007م..
الحمد الله المقدر ما كان وما يكون ولا يقف أمام قدرته كائن ، واشهد أن لا اله إلا الله خلق كل شي فقدره تقديرا واشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الآخذ بأيدينا إلى النجاة، إن نحن اتبعنا منهجه وسرنا على نهجه. اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وأصحابه ومن سار على نهجه واستمسك بسنته إلى يوم الدين. ورضي الله عن الصحابة أجمعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد.. فيا أيها الأخوة المسلمون.. فمنذ أيام أصيبت إحدى الدول الإسلامية بزلزال رهيب أودى بحياة الآلاف، وزلزل الناس أمام هذا الزلزال الرهيب الرعيب، والذي زلزل العمران والمباني وزلزل معها القلوب والأنفس.. زلزل الناس زلزالاً شديداً أمام هذا الحدث الغريب الذي لم يعهدوا مثله، ووقف الناس يتسألون ما بال هذا الزلزال؟ أهناك علاقة بين ما يحدثه الناس وبين الأحداث التي تحدث لهم، أهناك علاقة سببية بين المعاصي والمفاسد التي تقع من البشر، وبين ما ينزل بهم من كوارث يسميها الناس كوارث طبيعية؟!.
وقف الناس يتسألون. فمنهم من قال: هذه كوارث طبيعية، وتحدث في كل بلاد الدنيا. تنزل بالمؤمنين والكفار. والمتقين والفجار. ولا علاقة لها بطاعة أو معصية. ولا باستقامة ولا انحراف .. ما بالكم تربطون كل شي بالدين. وتريدون أن تدخلوا الدين في كل مسألة؟! هذا رأى ..
والرأي الأخر يقول: لا. إن هذه الكوارث التي تنزل. لا تنزل اعتباطاً ولا تقع جزافاً. إن هذا الكون في قبضة الله تبارك وتعالى ، يدبر أمره ويعلم كل صغيرة وكبيرة فيه. (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين).
هذا الكون لا يسير عبثا إن الله هو الذي يسيره، إن الله هو الذي يقدر كل ما فيه (إنا كل شئ خلقناه بقدر)، (وخلق كل شئ فقدره تقديرا)، كل ما يجرى في هذا العالم كل ما تمر به الأرض وكل ما يتحرك في السماء، كل نبته تنبت. كل نجم يطلع، كل ذرة في هذا الوجود، كلها بإذن الله وقدره ومشيئته.
الله هو الذي يزلزل الأرض. الله هو الذي يجري الأنهار، الله هو الذي يرسل الرياح، ولماذا يظهر الزلزال في وقت دون وقت وفي مكان دون مكان وبمقدار معين دون آخر، لمإذا ظهر هنا في هذا المكان وظهر في هذا الزمان وظهر بقوة (سبعة وكذا من عشرة)، على مقياس الزلزال واستمر كذا ثانية. الله هو الذي يقدر ذلك ولا يفعل شيئاً عبثاً، لا يفعل شيئا إلا لحكمة ارتضاها. هذا ما يعتقده المؤمنون.
أما الغربيون وتلاميذهم من العلمانيين فيعتقدون أن الله بمعزل عما يجري في الكون. وأن الله خلق الكون وتركه. وهذه الفيضانات التي تغرق الناس وتهدم المساكن وتهدم البيوت وهذه الزلازل التي نراها في أماكن شتى وهذه الأعاصير والبراكين التي تثور وتنفجر ولا يستطيع احد إيقافها ما هي إلا غضب الطبيعة؟! الطبيعة تغضب، وما هذه الطبيعة الصماء الخرساء حتى تغضب؟ الطبيعة لا تغضب، لان الطبيعة لا تسير نفسها،الذي يسير الطبيعة والكون كله هو الله تبارك وتعالى،وهوسبحانه حينما يجري هذه الأحداث يجريها بأقدار ولأقدار وبقدر وقدر.
هذه هي عقيدة المسلمين أمام هذه الأحداث فنحن نعتقد أن الكون في قبضة خالقة ومدبره. الصغيرة والكبيرة فيه تجري بأمره.

* إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى