الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكـريـم الله للإنسان (127)

تكـريـم الله للإنسان (127)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :
فإياك ثـم إيـاك أن تضـع نفـسك في مـوضـع التهـمة، صحـيـح أن الله يعـلـم لـكـنـك مـكـلـف أن تبـين وأن تـوضـح ، والله جـل جـلاله يعـلـم لـكـن لا يكـفي أن تقـول إن الله يعـلـم، ثـم تـضـع نفـسك مـوضـع التـهـمة، لا يكـفي أن تقـول الله ناظـر وأنـت في مـوضـع متهـم فـيه، لا ليـس مـن السـنة يجـب أن تعـلـم أن الله يـعـلـم، ويجـب أن تـدفـع عـن نفـسك كـل ما يصـلك إلى الشبهات.
يعـني لـو دخـل رجـل بـيتـا فـيه امـرأة لا تحـل لـه، ولـيسـت مـن محارمه وهـو أنـقى مـن ماء الثـلـج، وهـو في طهـر الـمـلائكـة، فـوجـود هـذا الـرجـل في بـيت مـع امـرأة أجـنبية، أنه مـوقـف فـيه شـبهـة، لا تـفـعـل هـذا.
فالخـلـوة محـرمة في الإسـلام، لـذلك سـد الله باب الـذرائـع لأنه باب عـظـيـم، وهـناك مـواقـف لا شـك أنـك طاهـر، ومسـتـقـيـم ومـتـمـلك لـزمام نفـسك ، فـسـد باب الـذرائـع مقـدم عـلى جـلـب الـمصالح، لـكـن أي مـوقـف يضـعـك مـوضـع التهـمة الشـرع يأمـرك أن تـبـتـعـد عـنه.
أحـيـاناً تـدخـل محـلاً تجـارياً لا يـوجـد فـيه أحـد، يجـب عـلـيـك أن تخـرج فـوراً، فـلا تقـل أبقـى في الـمحـل حـتى يأتي صاحـبه، فإذا بقـيـت في الـمحـل فأنـت في مـوضـع متهـم فـيه ، لا يـوجـد أحـد وأنـت لسـت صاحـب الـمحـل فـما الـذي يجـعـلـك تبقى داخـل المحـل تنـتـظـر صاحـبه.
لـذلـك فأروع شيء أن تطـيـع الله في خـلـوتـك، لأن طـاعـة الله في خـلـوتـك عـلامـة إخـلاصـك وصـدق إيـمانـك، وقـد ورد في الأثـر:(مـن لـم يـكـن لـه ورع يصـده عـن معـصـية الله إذا خـلا، لـم يعـبـأ الله بشيء من عـمـله).
والله الـذي لا إلـه إلا هـو أحـياناً أسـتـمع إلى قـصة، فأشـعـر أنها غـذاء لقـلبي لأنها في دلالـتـها تـشـير إلى أن الله بيـده كل شيء دلالة صارخـة، وقـد يظهـر فـعــل الله للناس جـمـيـعـاً، وأحـيانا يمـتـحـن الله عـبـده، بأن تـظـهـر أفـعـال القـوي جـليـة واضحـة، ويــتبادر إلى نفــسك أن هـذا الإنـسان يـفـعــل ما يقـول: فأيـن الله؟.
هـذا امتحـان لـضـعـاف التـوحـيـد، وأحـياناً تـبـدو لك أفـعـال الله صـارخـة فـقـد تسـمع أن حـريـقا وقـع والتهـم ثـلاثـين محـلاً تجـارياً، والتـف حـول محـل واحـد مخـلـفـاً إياه شيء واضح جـداً، أن صـاحـب هـذا الـمحـل يـدفـع زكاة مـاله.
إن الإنسان إذا مـا راقـب الله في سـره وعـلنه، وغـض بصـره عـن محـارم الله، وأصغـى بأذنيه إلى كـلام الله، وكـلام رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، فإن الله لا شـك سـيحـفـظ له عـينيـه، ويحـفـظ لـه سـمعـه، وإذا سـعـى بـرجـليه إلى بـيت مـن بـيـوت الله حـفـظ الله لـه رجـلـيه، وما أنـفـق الـمسـلم نـفـقـة يـريـد بـهـا وجـه الله إلا صـان الله له يـديـه.
في إحـدى السـنـوات جـاءت حـمـلة الجـراد، فأكلـت الأخـضـر والـيابـس، وأتى عـلى كل الـمـزارع والبساتـين، إلا بسـتانا واحـدا لـم يـدخـله الجـراد ولـم يحـم حـوله وبقي كأنه قـطـعـة مـن الجـنة بأشـجـاره وأوراقـه وثـماره، فـلـما سـألـوا صاحـب البسـتان قال: أنا أدفـع زكاة مالي.
وجـاؤوا بكيـس مـن الجـراد، وألقـوه في بسـتانه فـتطـايـر في دقائـق معــدودات، إذن: أحـيانا تـرى فـعــل الله واضحـا صـارخاً، وأحـيانا تـرى فـعـــل الإنسان صارخاً، والله في كل الأحـوال هـو الفـعـال لـما يـريـد ، لـكـن يمـتـحـن الله ضـعـاف الإيمان ، قال الله تعـالى:(إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ) (طـه ـ 15)
قال الشـاعـر:
مـر الجـراد عـلى زرعي فـقـلـت له
الـزم طـريـقـك لا تحـفـل بإفـساد
فـقـام مـنهـم خـطـيـب فــوق سـنبـلـة
إنـا عـلى سـفــر لابـــد مــن زاد
فـكل إنسان يضـع كل أمـله وكل حـبه، ويعـلـق قـلـبه بإنسان دون الله وحـده يسـقـط لا شـك ، لأن مـن عـلـق أمـله عـلى مـيـت فـهـو ميـت، لـذلك عـنـد ما نـزلت بـراءة السـيـدة عـائـشة أم الـمـؤمـنيـن ـ رضي الله عـنها ـ مـن فـوق ســبـع ســمـوات، وفـرحـت فـرحـاً شـديـداً، قـالـت لهـا أمهـا قـومي إلى رســول الله (صـلى الله عـليه وسـلـم) وأشـكـريه، قـالـت: لا أقــوم ولا أشـكـر ولا أحـمـد إلى الله، الـذي بــرأني مـما قـالـوا.
فالله هـو الـمـوجــود بحـق، وهـو الـمحـمـود عـلى سـائـر الخـلـق، وكلـما اقــترب العـبـد مـن ربـه كلـما أحـبه الله، والـمـؤمـن لا يـعــبأ بأحـد إلا الله، أديـب مـع الناس كلهـم، يحـترمهـم جـمـيـعـا ، يخـدمهـم جـمـيـعـاً، لـكـن قـلـبه مـعـلـق بحـب الله.
لأن قـلـب الـمـؤمـن دائـماً مـع الله، ومعـلـق قـلبه بالله، فـهـذا هـو الـتـوحـيـد، الله يـغـار إن رأى قـلـبـك معــلـقـا بغــيره، هـذا الغــير ضـائـقـك بإلهام مـن الله مـن أجـل أن تـفـك ارتـباطـك مـعـه، فـلـتـكـن ذكـياً ولا تعـلـق قـلـبـك إلا بالله مـباشـرة، وعـامـل الناس بخـلـق حـسن.
فـمحـبة النبي (صلى الله عـليه وسـلم) محـبة في الله، محـبة أهـل الحـق محـبة في الله ومحـبة إخـوانـك في الإيـمان محـبة في الله، محـبة أهـلك وأولادك محـبة في الله أما إذا اطـعــت مخـلـوقاً وعـصيـت الخـالـق، بـدافـع الحـب فـهـذا حـب لـيـس لله بـل هـو عــين الشـرك.
إن مـراقـبة الله في السـر والعـلـن، مـن تمـام تمـكـن إيمان الـمـرء، وذلك فـضـل الله يـؤتيه مـن يشاء ، والله ذو الفـضل العـظـيـم.
قال الشاعـر:
إذا ما خـلوت الـدهـر يـوما فـلا تـقـل
خـلـوت ولـكـن قـل عـلي رقـيـب
ولا تحـسـبن الله يـغـــفـــل سـاعــة
ولا أن مـا يخـفـى عـلـيه يغـيـب
ودعـا بعــضهـم، فـقال:(إلهي أنـت البصـير بعـيـوبي الخـبير بـذنـوبي، المطـلـع عـلى ســري، بـيــدك زمام أمـري، أسـألك أن تجـعــل في قـلبي نــوراً، وفي بصــري نـوراً، لأشـاهـد حـقـائـق الأشـياء، وأتأدب مـعــك بالظـاهـر والخـفـاء إلهي اجـعـلـني لك مـن المشاهـديـن لآيـاتـك الـبيـنات، لأزداد قـربا وفي حـماك مـن القائـمـين، إنـك عـلى كـل شيء قـديـر).
وورد في الأثـر: إني والإنـس والجـن في نـبأ عـظـيـم، أخـلـق ويـعـبـد غـيري، وأرزق ويـشـكـر سـواي، خـيري إلى العـباد نـازل، وشـرهـم إلي صـاعـد أتحــبـب إلـيهـم بنعـمي وأنا الغـني عـنهـم، ويتـبـغـضـون إلى بالـمـعـاصي، وهـم أفـقـر شيء إلي، مـن أقـبـل عـلي مـنهـم تـلـقـيـته مـن بـعـيـد، ومـن أعـرض عـني مـنهـم ناديـتـه مـن قـريـب.
أهـل ذكـري أهـل مـودتي وأهـل شـكـري أهـل زيـادتي، وأهــل معـصيتي لا أقـنـطـهـم مـن رحـمـتي، فـإن تابـوا فأنا حـبـيـبـهـم، وإن لـم يتـوبـوا فأنا طـبيـبهـم، إن تابـوا فأنا رؤوف بـهـم، وإن لـم يـتـوبـوا فأنا رحـيـم بـهـم.
الـرأفـة أن يحـول الله بـينـك وبـين الـوقـوع في المـعـاصي، ولـكـن الـرحـمة أن يعـالجـك عـنـد الـوقـوع، إن تابـوا فأنا حـبيـبهـم، وإن لـم يـتـوبـوا فأنا طـبيبهـم، أبتـليـهـم بالمصائب لأطهـرهـم مـن الـذنـوب والمعـايـب، الحـسنـة عـنـدي بـعـشـر أمـثالها وأزيـد، والسيئة بمثـلها وأعـفـو أنا أرأف بعـبـدي مـن الأم بـولـدهـا، ذلك رب العالمين.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى