الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نظرية العمل في المذاهب الإسلامية (2 ـ 5)
نظرية العمل في المذاهب الإسلامية (2 ـ 5)

نظرية العمل في المذاهب الإسلامية (2 ـ 5)

لا يكاد العمل ينفك عن الإسلام في كل نواحيه ونظمه المختلفة، لأنه المصدر الطبيعي لكسب الرزق بيّن الله تعالى أن الإيمان المقترن بالعمل الصالح يستدعي تحقيق وعد الله تعالى بالاستخلاف والتمكين في الأرض حتى يتم العقد لا بد أن يكون هنالك إيجاب من أحدهما يعلن فيه رغبته في إبرام العقد، وما يصدر من موافقة من الطرف الآخر يسمى قبولاً

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:) نظرية العمل في المذاهب الإسلامية( .. للدكتور صالح بن سعيد بن هلال الحوسني.
يقول الباحث: وهناك بعض المصطلحات القريبة من لفظة العمل وهي: المهنة والتي تعني لغة: العمل، والعمل الذي يحتاج إلى خبرة ومهارة، واصطلاحاً: مجموعة من الأعمال تتطلب مهارات معينة يؤديها الفرد من خلال ممارسات تدريبية، أما الحرفة فهي تعني: الكسب لغة، واصطلاحاً: عمل يمارسه الإنسان يحتاج إلى تدريب قصير وبحسب هذا التعريف فإن الحرفة تحتاج إلى تدريب قصير، وهو أمر فيه نظر فبعض الحرف لا يتوصل إليها بالتدريب القصير بل تحتاج إلى جهد متواصل ولفترات طويلة حتى يتم اكتسابها، والوظيفة: لغة هي: ما يقدر من عمل أو طعام، أو رزق وغير ذلك في زمن معين، وتأتي بمعنى الخدمة المعينة، واصطلاحاً هي: كيان نظامي يتضمن مجموعة من الواجبات والمسؤوليات، توجب على شاغلها التزامات معينة، مقابل تمتعه بالحقوق والمزايا الوظيفية.
وعن المبحث الثاني:(موقف الإسلام من العمل) فأشار الباحث الى ان الإسلام جاء بنظامه الشامل لكل متطلبات الحياة داعياً إلى العمل، مثمنا قيمة العمل، وحاضاً أتباعه إلى ضرورة العمل والسعي إلى كسب الرزق، ولا يكاد العمل ينفك عن الإسلام في كل نواحيه ونظمه المختلفة، فالعمل هو المصدر الطبيعي لكسب الرزق، فالحياة حركة وعمل واجتهاد لتحقيق الأهداف التي يصبو إليها الفرد ويسعى لتحقيقها، ويمكن أن نقف على موقف الإسلام من العمل من خلال النقاط التالية: الأمر بالعمل والسعي إليه: كما نجد ذلك مبثوثا في كتاب الله تعالى وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك قوله تعالى:(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، وقوله تعالى:(فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)، وبيان أن الرازق لكل المخلوقات هو الله سبحانه وتعالى، قال تعالى:(وما من دابة في الأرض إلآ على الله رزقها)، وتسخير الكون كله للإنسان، مما يمكنه من استغلال خيرات الإرض لمصلحته، قال تعالى:(هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)، وقال تعالى:(والله جعل لكم الأرض بساطا، لتسلكوا منها سبلا فجاجا)، وقال على لسان نبي الله صالح عليه السلام:(يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، بيان عاقبة العمل الآخروية، وهو وإن كان في نطاق القربات، والإلتزام بأوامر الله تعالى إلا أن العمل الذي يقوم به الإنسان ملتزماً شرع الله تعالى فيه مما يدخل فيه كذلك، قال تعالى:(إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا)، وقال تعالى:(فالذين أمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم)، وبيّن الله تعالى أن الإيمان المقترن بالعمل الصالح يستدعي تحقيق وعد الله تعالى بالاستخلاف والتمكين في الأرض قال تعالى:(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا)، وقال تعالى في بيان حالة من يعمل الصالحات من الجنسين بأنها حياة طيبة سعيدة، قال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحييينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
واوضح الباحث بقوله: إن القرآن نوه الى بعض الصناعات ومنها الحديد قال تعالى:(وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس)، وقال على لسان ذي القرنين:(أتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال أتوني أفرغ عليه قطرا) وأشار إلى صناعة الدروع:(وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم)، وكذا صناعة البيوت كما قال تعالى:(وبوأكم في الأرض تتخذون منم سهولها قصورا وتنجتون من الجبال بيوتا)، وصناعة السفن كما في حال سيدنا نوح وصناعته السفينة، قال تعالى:(واصنع الفلك بأعيننا ووحينا)، وغيرها من المهن التي أشارت إليها آي القرآن الكريم، كما أن نبذ التكاسل واستجدأ الناس للقادر على الكسب فهو عارٍ ومذلة على الإنسان، كما جاء في حديث النبي (صلى الله عليه وسلم):(لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم)، وقال (عليه الصلاة والسلام) أيضاً:(من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش، أو خدوش، أو كدوم).
وحول حكم العمل في الإسلام تحدث بالباحث في هذا الجانب بقوله: مع أن الإسلام بمجموعه يدعو إلى العمل إلا أن بعض الباحثين استظهر أن العمل تجري عليه الأحكام الخمسة المعروفة فيكون واجباً: إن كان لا يتوصل إلى الواجب إلا من طريقه، كالعمل لكسب القوت، والنفقة على من يلزم عوله من الزوجات والأبناء، قال تعالى:(وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، وقال أيضا:(أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم)، فإن لم يكن هناك مورد لعول النفس، والزوجات والأبناء إلا من طريق العمل فإن التوجه للعمل واجب كذلك، والقاعدة الفقهية تقول: ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب، وويكون العمل محرماً: إن كان في الأعمال التي حرمها الإسلام، كصناعة الخمور، والمخدرات، وعمل التماثيل المحرمة، والسحر والكهانة، وغيرها من الأعمال التي نهى الإسلام عنها، والعمل في حكمه العام يكون مستحباً: إن كان وفق مقتضيات الشرع الشريف، ويقصد منه بجانب ذلك الصدقة على المسكين، ومواساة الضعفاء والمحرومين، قال تعالى:(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم)،وكذلك يكون مكروهاً: وتحمل الكراهة هنا على معنى التنزه والتعفف، فينزه الإنسان عن الأعمال التي ربما فيها شيء من الإمتهان لصاحبها كالزبال، ونحوه، والتي تجعل صاحبها مباشرا للنجاسة في كل أحوالها، وأيضا جاءت بعض الروايات التي تنهى عن أجرة الحجام، كما جاء أن أن محيصة، سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن كسب حجام له فنهاه عنه، فلم يزل يكلمه حتى قال له:(اعلفه ناضحك، أو أطعمه رقيقك)، وقد اختلفوا في كسب الحجام، والجمهور على جوازه، ومنهم الإباضية، وحملوا النهي على التنزيه، إلا أن الواقع يشهد بحاجة المجتمع لأمثال هذه الأعمال، خاصة لمن لا يجد غيرها، ولا داعي لإحتقار صاحبها، فالعمل ما دام مشروعا فإنه مقبول لا بأس به بعون الله تعالى، وأخيراً يكون العمل مباحاً: فالعمل ما دام لا يحرمه الإسلام، ويسعى صاحبه من خلاله لزيادة دخله من خلال أعمال مشروعة فهو داخل في دائرة المباح المشروع، قال تعالى:(فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون).
أما حول المبحث الثالث (عقد العمل في الإسلام) فأشار الباحث الى انه يقصد بالعقد لغة: يأتي على معاني الربط والشد، والتوثيق والإحكام، واصطلاحاً: الربط بين كلامين، أو ما يقوم مقامهما صادرين من شخصين على وجه يترتب عليه أثره الشرعي، ويسمى أولهما إيجاباً، وثانيهما قبولاً ، كما يعرف القانون عقد العمل بأنه:(العقد الذي يتعهد فيه أحد المتعاقدين، بأن يعمل في خدمة المتعاقد الآخر وتحت إدارته و اشرافه مقابل أجر)، وعليه فحتى يتم العقد لا بد وأن يكون هنالك ايجاب من أحدهما يعلن فيه رغبته في إبرام العقد، وما يصدر من موافقة من الطرف الآخر يسمى قبولاً، ويعتبر ذلك التزاما يجب على الطرفين الوفاء به ما دام مستكملاً لشرائطه الشرعية وخالياً من الموانع، ويتكون العقد من العامل، وصاحب العمل، وموضوع العمل، والتراضي بين طرفي العقد وسنقف في هذا المبحث مع هذه الأطراف باختصار.
.. وللموضوع بقية في الاسبوع القادم

إلى الأعلى