الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العلاقة بين واشنطن وموسكو على «حافة الحافة»!

العلاقة بين واشنطن وموسكو على «حافة الحافة»!

”الصين وروسيا كانتا في غَفْوَة؛ ويبدو أنَّهما قد أفاقتا من غَفْوَتهما؛ وقَبْل أنْ تَفيقا، قال وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق (ومستشار الأمن القومي) هنري كيسنجر: «ما أنْ تَفيق الصين وروسيا من غَفْوَتيهما حتى يقع الانفجار العظيم؛ وستكون حربًا لن تنتصر فيها إلا قوَّة واحدة هي الولايات المتحدة»؛ أمَّا الرئيس أوباما فأعلن أنَّ الولايات المتحدة ستقود العالَم حتى نهاية القرن الحادي والعشرين؛”

جواد البشيتي

ذات مرَّة تكلَّم الرئيس الأميركي باراك أوباما صراحةً ومباشَرَةً وفي وضوح عن الأبعاد الحقيقية لِمَا شهدته السوق النفطية العالمية من انهيار كبير، سريع، ومتسارِع، في أسعار النفط، فأشار، في مقابلة إذاعية، إلى أنَّ هذا الانهيار كان قرارًا سياسيًّا، يستهدف إضعاف الاقتصاد الروسي الذي يعتمد بنسبة 50 في المئة على عائدات النفط.

لقد كان «قرارًا سياسيًّا»، على ما قال ضِمْنًا أوباما، ولم يكن شأنًا اقتصاديًّا صرفًا، أو نتيجة موضوعية مترتبة حتمًا على فِعْل قانون «العرض والطلب»؛ وقد قَوَّم الرئيس أوباما عواقبه قائلًا: «كانت له (أيْ لانهيار سعر النفط) مساهمة كبرى في التَّصدي لعدوان الرئيس الروسي بوتين على أوكرانيا (ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، و»غزو» روسيا شرق أوكرانيا..)
وكان بوتين، في استراتيجيته الأوكرانية ـ الأوروبية، يتوقَّع أنْ تتمكَّن روسيا من مقاومة الضغوط الغربية المتوقَّعة، من طريق «النفط الروسي الرخيص»، أيْ من طريق بيع النفط الروسي بسعرٍ يقلُّ عن سعره العالمي المرتفع (أي الذي كان مرتفعًا).
وما زاد الطين (الروسي) بلةً أنَّ روسيا وجدت صعوبة كبيرة في تنسيق «حملتها المضادة» مع الصين؛ لأنَّ لهذا الجار الاستراتيجي لروسيا، والذي هو أكبر مستهلِك للنفط في العالم، مصلحة واضحة جلية في هذا الانهيار لسعر النفط العالمي؛ يُضاف إلى ذلك أنَّ الاقتصاد الصناعي الصيني عانى صعوبة في النمو؛ وإنَّ من شأن رخص أسعار النفط أنْ يساعد الصادرات الصينية من السلع الصناعية الاستهلاكية إلى الأسواق العالمية والغربية في النمو.
سياسة إفقار الخصم كانت من أقدم صور الحروب الاقتصادية بين الدول في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وبعد بروز العولمة الاقتصادية، وما يسمى الاقتصادات المفتوحة وحرية التجارة، اختلفت صور الحروب الاقتصادية؛ فما عاد إفقار الخصم بمنع استيراد منتجاته، وإغراق أسواقه بالسلع المستوردة، وإنما بجعل أهم موارده من السلع الاستراتيجية فاقِدةً الأهمية، فيسعى إلى بيعها بثمن بخس. وهذا هو ما دار ويدور في عالم النفط؛ فبعدما لجأت الدول الغربية إلى سلاح العقوبات الاقتصادية تجاه إيران من قبل، ثمَّ تجاه روسيا، بدأت منذ منتصف 2014 «حرب تفريغ سلاح النفط من فاعليته الاقتصادية»، فتراجع سعر برميل النفط بنسبة 60%، بعدما كان بحدود 104 دولارات نهاية حزيران/يونيو 2014.
من قبل، حاولت إيران التغلب على العقوبات من طريق سياسة «النفط الرخيص»؛ وكان السعر المرتفع يساعدها على ذلك؛ فسعر البرميل كان فوق 100 دولار. وكانت طهران تعرِض أسعارًا أقل من ذلك للصين والهند، ولتركيا لاحقًا.
وعليه، سعت هذه الدول لاستثناء إيران من العقوبات الغربية في ما يخص تلك الحصص النفطية الرخيصة. وسارت روسيا على النهج نفسه منذ توتر علاقتها بأوروبا والولايات المتحدة بسبب الأزمة الأوكرانية؛ وكانت الصين المستفيد الأكبر من ذلك.
الولايات المتحدة هي الآن في صراع استراتيجي وتاريخي يَعْنُف ويشتد مع «روسيا بوتين» والصين (القوة الاقتصادية الثانية في العالَم بَعْدها) ومع «التحالُف الواعِد» بين الجاريْن العملاقيْن، والذي يُمثِّل النواة الصلبة لتكتُّل دولي كبير؛ وفي هذا الصراع وَضَعَت الولايات المتحدة نصب عينيها هدف «عَزْل روسيا والصين عن أوروبا والشرق الأوسط»؛ فالقارة الأوروبية (بغربها وشرقها) ومنطقة الشرق الأوسط يجب أنْ تكونا جزءًا لا يتجزَّأ من «إمبراطوريتها العالمية» في القرن الحادي والعشرين؛ وتَوَصُّلًا إلى ذلك، تتَّخِذ الولايات المتحدة مِمَّا حَدَثَ في شبه جزيرة القرم، ومِمَّا يحدث في شرق أوكرانيا، ومن «الاستبداد الروسي الغازي» بأوروبا، التي ما زالت في تبعية استراتيجية للغاز الروسي، الذي يَمُرُّ معظم ما يذهب إلى أوروبا منه بالأراضي الأوكرانية، مَصْدَر تخويف للأوروبيين، ساعيةً، في الوقت نفسه، إلى إغراء دول الاتحاد الأوروبي بالتوسع في استيراد الغاز من غير روسيا؛ ولقد تحدَّث وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، صراحةً، عن خطة للولايات المتحدة لـ»دَقِّ إسفين بين روسيا وأوروبا».
الصين وروسيا كانتا في غَفْوَة؛ ويبدو أنَّهما قد أفاقتا من غَفْوَتهما؛ وقَبْل أنْ تَفيقا، قال وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق (ومستشار الأمن القومي) هنري كيسنجر: «ما أنْ تَفيق الصين وروسيا من غَفْوَتيهما حتى يقع الانفجار العظيم؛ وستكون حربًا لن تنتصر فيها إلاَّ قوَّة واحدة هي الولايات المتحدة»؛ أمَّا الرئيس أوباما فأعلن أنَّ الولايات المتحدة ستقود العالَم حتى نهاية القرن الحادي والعشرين؛ وتسعى الصين إلى أنْ تصبح هي القوَّة العظمى في العالم في هذا القرن.
وكانت روسيا والصين قد قرَّرتا التأسيس لسوق جديدة في القَلْب من آسيا، وإحياء «طريق الحرير (البرِّي عَبْر آسيا)»؛ وربما تنضم إليهما بقية دول «بريكس» Brics، أيْ البرازيل والهند وجنوب إفريقيا؛ ومستقبلًا، يمكن أنْ نرى انضمام دول أخرى تَشْعُر أنَّها متضرِّرة اقتصاديًّا وسياسيًّا من نظام دولي سياسي واقتصادي تُهَيْمِن عليه، وتتحكَّم فيه، الولايات المتحدة.
وهذا القرار وُصِف بأنَّه «قنبلة»، فجَّرَتْها روسيا والصين، ولسوف تصيب مقتلًا من الدولار بصفة كونه العملة الدولية الأولى، والعملة التي بها وحدها يُسعَّر النَّفْط وغيره من السِّلَع الاستراتيجية؛ فالعملات القومية (وفي مقدمها العملتين الروسية والصينية) ستَحِلُّ محل «الورقة الخضراء» في التجارة بين دول هذه «السوق الإقليمية (أو شبه الدولية)»؛ و»الضربة الكبرى» ستُصيب نظام «البترودولار»؛ فتجارة النفط والغاز بين هذه الدول لن تكون بالدولار؛ أمَّا الرئيس الصيني فاقترح، في الوقت نفسه، أنْ تتعاون ألمانيا (قاطرة الاقتصاد الأوروبي، ورابع أكبر اقتصاد في العالم) والصين في إعادة فتح (وفي تطوير) طريق الحرير الذي يربط تجاريًّا بين ألمانيا (ومعها أوروبا) وبين روسيا والصين. ■

إلى الأعلى