الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ما المآسي التي تنتظر أهلنا في الموصل؟

ما المآسي التي تنتظر أهلنا في الموصل؟

خلاصة القول، هو أن يرتطم الترك بالكرد، والكرد بالدولة المركزية ببغداد، بغداد بأنقرة، والإيرانيون بالترك، على طريقة الحرب بالنيابة: فتكون النتيجة المأساوية هي: أن يتحول تنظيم “داعش” الإرهابي إلى مجرد “مشاهد” أو مراقب، بدلًا من أن يكون هو الضحية، أي الهدف النهائي لجميع هذه القوى المتداخلة.

أ.د. محمد الدعمي

في الوقت الذي تتوالى فيه الأنباء المرعبة عن قحط ومعاناة إنسانية تصيب أهلنا من مواطني الموصل (الحدباء)، تطفو على السطح مختلف “السيناريوهات” التي قد تحدث هناك مسببة فظائع، قد تأتي متوازية مع إعلانات مختلف الفرقاء عن قرب بداية معارك “تحرير الموصل”.
إن غاية ما يخشاه المرء الحذق هو أن تتحول ساحة حرب الموصل إلى مجموعة من معارك تصفية حسابات، ليس ضد تنظيم “داعش” الإرهابي، ولكن بين الأطراف الذاهبة إلى هناك بدعوى “تحرير” الموصل. ودليل ما أذهب إليه في هذا السياق هو ما لا يمكن تجاوزه من عداء بين القوات التركية، التي أطلق البرلمان التركي أيديها للتواجد وللعمليات العسكرية في إقليم الموصل بتبرير الحفاظ على الأمن القومي التركي، وبين القوات الكردية المحلية المعروفة بـ”البشمرجة”.
ليس فهم أبعاد هذا العداء ببعيد المنال: فالدولة التركية لا تسمح قط بتأسيس كيان كردي على حدودها الجنوبية والجنوبية الشرقية حتى وإن كان محدودًا في العراق، خشية تمدد هذا الكيان إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية بتركيا على تلك الحدود، ولا تقل الجمهورية الإسلامية الإيرانية رفضًا لهذا الكيان. أما الجماعات الكردية، من الناحية المقابلة، فهي لا تقل عداءً للدولة التركية، نظرًا لأنها تعد أنقرة العقبة الكأداء رقم واحد على طريق تأسيس كيان قومي كردي مستقل. وهذا ما يمكن أن بجعل من الارتطام بين الفريقين بدرجة من العنف والانتقامية أنه سيؤذي مواطني الموصل بوصفهم الضحية النهائية في أي صراع يخص مدينتهم وإقليمها الغني.
ومن منظور ثانٍ، تخشى القوات العراقية الرسمية، متحالفة مع الحشد الشعبي، من تطلع القوات الكردية إلى “تحرير” الموصل على طريق ضمها لإقليم كردستان الذي يتوسع منذ سنة 2003 على نحو مطرد دون أي رادع جاد.
هذا ما يزيد احتمالات الارتطام بين القوات الحكومية العراقية المركزية من ناحية، والقوات الكردية “البشمرجة” من الناحية الثانية، فيكون أهلنا في الموصل، الضحية المؤكدة، ثانية.
والحق أقول، فإن هذا ما حدث في التاريخ القريب، وأعني عام 1959، إذ أيد بعض السياسيين الموصليين انقلابًا عسكريًّا ضد الزعيم عبدالكريم قاسم في بغداد آنذاك، فقام الشيوعيون العراقيون والسوريون الذين كانوا يؤيدون قيادة قاسم بمهاجمة سكان الموصل فبطشوا بهم بجريرة هؤلاء الذين أيدوا الانقلاب الذي عرف باسم مدبره “الشواف”. وراح العشرات من الأبرياء ضحايا.
هذا هو السيناريو الأفظع: إذ يمكن أن تتحول هذه المدينة التاريخية العظيمة إلى شيء أشبه ما يكون بما حدث لتوأمها التاريخي، مدينة حلب، من مآسٍ إنسانية. وخلاصة القول، هو أن يرتطم الترك بالكرد، والكرد بالدولة المركزية ببغداد، بغداد بأنقرة، والإيرانيون بالترك، على طريقة الحرب بالنيابة: فتكون النتيجة المأساوية هي: أن يتحول تنظيم “داعش” الإرهابي إلى مجرد “مشاهد” أو مراقب، بدلًا من أن يكون هو الضحية، أي الهدف النهائي لجميع هذه القوى المتداخلة. وبذلك ينجو هذا التنظيم الإرهابي من خلال الاكتفاء بمشاهدة المحاربين الذين يفترض أن يكون مجيئهم لهدف تحرير الموصل وأهلها المساكين الطيبين.

إلى الأعلى