الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: لروسيا قيصر سوفياتي

باختصار: لروسيا قيصر سوفياتي

زهير ماجد

تحشد روسيا قوة عسكرية باتت منوعة إلى الحد الذي يمكن قوله إن كل أشكالها العسكرية أصبحت في سوريا، مما يوحي أنها تستعد لمعركة استراتيجية تفوق مشاركتها في سوريا. يبدو أن الروس لا يتكتكون فقط، بل يقدمون للأميركي ما يجب أن يفهمه، والأميركي عادة يتوقف عند قوة الغير والخصم، فلربما أعيد صوابه، ولربما أيضا صار عليه أن يتحمل مسؤولية تاريخية أمام الواقع المؤلم للحرب على سوريا الذي بات رأس حربة فيها، وتؤكد المعلومات أن مستشاريه الذين هم قواته يتحركون في الشمال السوري وكأنهم يحددون معالم تقسيم حقيقية .
قد يكون اللقاء الأميركي الروسي اليوم في لوزان هو الأهم بين اللقاءات الكثيرة التي تمت، والتي كرست فيها تفاهمات ولم تنفذ، أو قدمت مشاريع ولم يجر تنفيذها أيضا. فيما ظلت أوضاع حلب من سيئ إلى أسوأ، بل الحرب على سوريا بأكملها. ويبدو أن فقدان الثقة بين القوتين الأعظم، يلعب دورا أيضا في ما آلت إليه الأمور، التي يتم وصفها اليوم بأنها أقرب إلى التوتر الذي عرفته العلاقة بينهما في حادثة خليج الخنازير في كوبا وما سمي يومها بأزمة الصواريخ الروسية التي نصبت هناك .
يتأمل السوريون أن يتمكن اجتماع اليوم في لوزان من إجراء نقلة إيجابية في سوريا، على الرغم من الاعتراف الصريح بأننا أمام طريق مسدود بالنسبة إلى أي حل ما لم يتفق الطرفان، أولا على أن الحرب على سوريا يجب أن تنتهي، وهذه تأخذ إلى ثانيا أي الالتزام القوي بأن لا سبيل لذلك سوى الاتفاق على مبادئ ثابتة تشكل مخرجا للأزمة، وثالثا يشرع على الفور بالتنفيذ ودون إبطاء .
لا شك أن روسيا باتت تحرج الأميركي في خططها الاستراتيجية التي بدأت في سوريا، ولن تنتهي في مصر التي يسعى فيها الروس إلى ترتيب قاعدة لهم في سيدي براني كما كانت في العصر السوفياتي، دون أن يكون لهم أيضا همس في العودة إلى كوبا من جديد لمواجهة العمر الافتراضي للأخوين كاسترو هناك ومحاولة ملء أي فراغ قد ينشأ عن رحيلهما .
روسيا اليوم يحركها رئيس يتمتع بعقل قيصري وقلب شيوعي، فهو له حلم بطرس الأكبر بالمياه الدافئة في البحر المتوسط، فيما أن وجدانه وعواطفه ومفاهيمه العملانية سوفياتية. إذا كان الأميركي لم يفهم هذه المعادلة فعليه أن يعيها كما تقدمها صورة الروسي في سوريا، وإذا كان لا يريد الاعتراف بروسيا كقوة عظمى، كما تؤكد الدلالات، فالعرب أمام متاعب، وربما العالم النامي أيضا .
الحرب على سوريا تعيد رسم مفاهيم جديدة هي من قديم السياسات الدولية، وهو أنه لا صحة لحكم القطب الواحد للأرض، وأن المعادلة الواعية لعودة روسيا إلى المسرح الدولي صارت في الميدان، وفرشت لها شتى أنواع السلاح المتطور، إضافة إلى السياسة الخارجية الروسية التي تذكرنا ببعض ما كان يفعله وزراء الخارجية السوفيات من دلالات على عصر الحرب الباردة .
مع أن لا أمل بلقاء لوزان، فإن نتيجته قد تبدو سلفا من حيث عدم مشاركة طهران فيه .. لكن حلفها مع موسكو يجعلها موجودة فيه وقد لا يجعلها أيضا. إن عناصر التهدئة للحرب على سوريا أولوية، مع أن هنالك دائما من يحاول ربط النزاعات كلها في المنطقة بحل واحد .

إلى الأعلى