الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / إلويس بوش .. مسيرة حافلة بالعطاء

إلويس بوش .. مسيرة حافلة بالعطاء

بعد صراع طويل مع المرض، انتقلت إلى الرفيق الأعلى في السابع من أكتوبر 2016 المعلمة العمانية، الأميركية الجنسية إلويس بوش Eloise Bosch، عن عمر ناهز 96 عاما. رحلت وقد تركت ذكرى جميلة لدى العمانيين الذين تعايشوا معها، وأحبوها، ومع زوجها الطبيب الراحل دونالد بوش؛ الذي كان له هو الآخر ذكرى طيبة، من خلال ما قدمه من جهود طبية، ودوره في إنقاذ حياة الكثيرين، في وقت كانت الخدمات الطبية فيه محدودة للغاية قبل عام 1970م.
قد لا يعرف الكثير منا التفاصيل المتعلقة بحياة هذه المعلمة، ولا عن جهودها في مجال التعليم في عمان قبل عام 1970م، ولاعن عملها بمدرسة الإرسالية العربية الأميركية في مسقط، ولا عن عدد الذين درسوا على يديها من أبناء وبنات مسقط قبل انطلاق النهضة التعليمية في عمان مع بداية عصر النهضة. وبناءً على ذلك ارتأيت أن أكتب في حق الراحلة كلمة وفاء وعرفان نظير ما قدمته من خدمات إنسانية جليلة.
وصلت إلويس بوش إلى عمان بصحبة زوجها الطبيب دونالد بوش، وأبنائهما الثلاثة (ديفيد، وبوني، وباول) إلى مسقط في شهر يناير من عام 1955م، وذلك بعد أن قضوا ثلاث سنوات في العراق لتعلم اللغة العربية، والعمل في خدمة الإرسالية العربية الأميركية، حيث كانت هذه الإرسالية تعمل تحت مظلة الكنيسية البروتستانية المصلحة في الولايات المتحدة الأميركية.
كان وصولهم في ذلك الوقت عن طريق البحر، ولم يتم تفتيشهم في جمارك ميناء مسقط نظرا للسمعة الطيبة التي كان يحظى بها العاملون في الإرسالية العربية الأميركية في مسقط من خلال تقديم خدماتهم الطبية والتعليمية، فكان لذلك الموقف بالغ الأثر في تشكّل انطباع إيجابي عن عمان منذ الوهلة الأولى التي وطأت أقدام هذه العائلة أرضها الطيبة.
عمل زوجها دونالد بوش في مستشفى الإرسالية بمطرح، في حين عملت إلويس بوش بمدرسة الإرسالية في مسقط. وكانت المدرسة حينها تشهد إقبالا متزايدا من الطلبة الراغبين في الدراسة بها، خاصة أنها كانت المدرسة الوحيدة التي تقبل تدريس البنات في ذلك الوقت في ظل محدودية الخدمات التعليمية المقدمة من قبل الحكومة آنذاك.
بذلت إلويس بوش جهودا حثيثة في تطوير التعليم بمدرسة الإرسالية، رغم شح المصادر والوسائل التعليمية في تلك الفترة، وتذكر إلويس بوش في مذكراتها التي نشرتها بالاشتراك مع زوجها أنها كانت تقضي وقتا كبيرا في المساء للتحضير لليوم الدراسي التالي، من خلال تصميم الأنشطة التعليمية، ووضع الخطط والبرامج الدراسية، وعمل الوسائل التعليمية المعينة في عملية التعليم والتي كان يتم انتاجها بطرق تقليدية تستهلك الكثير من الوقت والجهد، فضلاً عن الجهد الذي تبذله في ترجمة الكلمات الإنجليزية إلى العربية.
أثْرت إلويس بوش، إلى جانب جهودها التعليمية المكتبة العمانية ببعض الكتب التي ألفتها بالاشتراك مع زوجها، ففي عام 1982م، نشرت مع زوجها كتاب “أصداف عمان” (Seashells of Oman)، وكانت عملية جمع الأصداف هواية يمارسها الزوجان أثناء أوقات الفراغ إلى أن تطورت فيما بعد إلى تأليف كتاب علمي عنها، ولهما يعود الفضل في التعريف بأنواع من الأصداف لم تكون معروفة من قبل لدى المختصين.
وفي عام 2001م صدر لهما أيضا كتاب آخر بعنوان “الطبيب والمعلمة: عمان 1955-1970م” (The Doctor + The Teacher: Oman 1955-1970)، وهو كتاب يحكيان من خلاله ذكرياتهما منذ وصولهما إلى عمان وحتى عام 1970م. كما قام زوجها بتأليف كتاب آخر بعنوان “الخدمات الطبية للإرسالية الأمريكية في عمان 1893 – 1974م” (The American mission hospitals in Oman 1893-1974).
كانت حياة المعلمة إلويس بوش حافلة بالعديد من المحطات المهمة حتى رحيلها، وقد قضت أكثر من نصف عمرها في عمان، مفضلة العيش بها عن موطنها الأم، الأمر الذي يؤكد عشق تلك المعلمة وحبها لعمان والذي انعكس بطبيعة الحال على ما قدمته لهذا البلد من جهد وعطاء، نقابله بالحب والتقدير لها ولعائلتها، ونحن إذ نكتب هذه اللمحة البسيطة من سيرتها لا يسعنا إلا أن نتقدم إلى عائلتها وأبنائها وأحفادها بخالص التعازي والمواساة.
فلترقد بسلام في أرض المحبة والسلام، ولتبقى سيرتها العطرة وتضحياتها وما قدمته لعمان الأرض والإنسان ذكرى طيبة، وجزءًا لا يتجزأ من مسيرة تاريخ التعليم في عمان.

ناصر بن عبد الله الصقري
Saqri60@hotmail.com

إلى الأعلى