الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الرّوايَة العَرَبية .. الارتقاء بالمحلية وأنْسَنَة العَالَمِية ( 1 )

الرّوايَة العَرَبية .. الارتقاء بالمحلية وأنْسَنَة العَالَمِية ( 1 )

لا توجد محلية إنسانية إلا بقدر ما تتحول هذه الأخيرة إلى قيمة إنسانية واسعة وعالية، مرجعها في النهاية الإنسان الكلي، المتشابه في كل الأصقاع. كل قضايانا لها ما يبرر خصوصيتها المحلية، لكنها تصبح إنسانية في اللحظة التي تتحول فيها إلى انشغال بشري عام. القضية الفلسطينية قضية عربية بامتياز، لكنها في الوقت نفسه، قضية الإنسان في مواجهة وضع تراجيدي، بعد أن أخرج من أرضه بالقوة، وشرد منها. لهذا يظل جزء من أدب المقاومة الفلسطينية محليا، نتداوله بسعادة ورضا نفسي لكنه لا يصل إلى الآخر ولن يصل إليه إلا عند ضمان شرطين، القضية في عدالتها، واندراج القضية أدبيا في أفق إنساني. ربما ترتب عن ذلك صراعات لا تقبل بالأمر بسهولة، لكن الإنسانية وسيط مجبرون نحن عليه. النظرات الحادة واليقينية لا تخدم الأدب مطلقا. رسول حمزاتوف انطلق من أرضه في داغستان بلدي، لكي يقول الإنسان في علاقته بالطبيعة والأرض، بحلوها ومرها. نقرأه ونحن نحس أن داغستان هي أرضنا أيضا. المحلية أصبحت قيمة إنسانية، باتساع أفقها. لكن بقدر ما تتحول المحلية إلى مساحة ضيقة رهينة الذات المنكسرة والهوية الضيقة، ينتفي فيها الأدب والإنسان معا. موضوعات كالحرب، الحب، الموت، الهوية، الجوع، الوفاء، الجريمة، الهوية، الطبيعة، الدين، وغيرها، لا توجد فيها محلية إلا من خلال التفاصيل التي ينشئها المجتمع والتجربة الجمعية والكاتب المرتبط بدائرة مجتمعية وحضارية معينة. فهي في الجوهر قيم إنسانية شديدة الحساسية تخضع لما نملكه من أدوات فنية تستطيع أن تنتقل بما هو محلي نحو عالمية متسعة ومفتوحة. لا يمكن لأدبنا العربي أن يخرج من دائرته الضيقة والهوامش التي فرضت عليه، إلا إذا وضع نفسه في أفق العالمية، أي أن ما يعنيه مصيريا، يعني الآخرين أيضا. ولا يتم ذلك إلا من خلال ثلاث قنوات مهمة. أولا، قناة المشترك الإنساني وتحويل القيمة الخاصة والمحلية، إلى قيمة واسعة وإنسانية. ثانيا القناة التي تتعلق بتسويق النموذج العربي، المميز أدبيا. أدبنا يحتاج إلى أن يصل إلى الآخر كما نريده نحن بنظرتنا الإنسانية، لا كما يريده الآخر حيث ثبَّتنا في صورة هو من صنعها عنا، كما فعل الاستشراف دائما. ثالثا قناة إعادة النظر في مفهوم العالمية. لهذا نحتاج أن تؤنسن هذه العالمية التي تخترق حياتنا اليومية في كل شيء، من نمط البناء، الأكل، العمران، وسائل النقل، التواصل الاجتماعي، اللباس، السينما والتليفزيون، الفنون الكتاب وغيرها كثير. ليست كل عالمية بالضرورة محض أدب وإنسانية. في العالمية أيضا، مصالح إيديولوجية، وسياسية، وحضارية خبيئة.

1- سؤال الرواية العربية: من يصنع العالمية؟

إن الروائي العربي كغيره من كتاب العالم، منشغل بالعالمية التي تدفع بجهده الإبداعي من دائرة الضيق إلى دائرة أكثر تعقيدا وانفتاحا وإنسانية. قد يبدو هذا الكلام بسيطا وربما مسطحا في شكله، ومع ذلك فهو يقدم مجموعة من المحددات المسبقة. فسؤال العالمية الذي تطرحه الرواية العربية على نفسها بشكل متواتر، أمر مشروع لأنه محاولة أولية لتحديد وضعها في سياق الرواية العالمية وأي مسلك عليها أن تسلكه لتصبح جزءا من الذاكرة الجمعية الإنسانية؟ أي جهد عليها أن تقدمه لكي تصل إلى الاعتراف بها كمنجز إنساني وليس كمجهود فردي أو جماعي مرتبط بمحلية تضيق الخناق أكثر مما تدفع بالرواية نحو وضع اعتباري يليق بها. السؤال إلى هذه اللحظة مشروع، بل وطبيعي ولا تتفرد به الرواية العربية وحدها، بل كل الروايات في البلدان المأزومة، التي تنتظر اعترافا خارجيا. لكن السؤال سرعان ما ينزلق عن حدوده الموصوفة عندما يفترض العالمية كحل لكل المعضلات الأدبية وكمآل ضروري وإجباري لكل نص يتوخى الانتشار وكأن العالمية، كما يفترضها النقد العربي والكاتب نفسه، خاضعة فقط لغنى النص وحده ولقيمته الرمزية والأدبية. أي أن النص الروائي هو المحدد الأساسي للقيمة الإبداعية وبالتالي للاعتراف. تأمل بسيط يعيدنا إلى الاعتبارات الخفية التي تتحكم في القيمة المفترضة، تتجاوز القوة النصية المحتملة. يمكن اختزال هذه الاعتبارات في أهم تجلياتها الظاهرة على الأقل:
أولا: تمركز الاعتراف وشرعيته في يد قوة واحدة نسميها اليوم أميركا، أوروبا أو العالم الغربي بشكل عام. يقع النص الروائي العربي بين تقاطبين، قوة تمتلك كل شيء بما في ذلك سلطة القرار السياسي والإعلامي، وتابعهما القرار الثقافي، وجهة أخرى، التي هي نحن أي الشرق، الذي خطط له في زمننا الحديث، منذ اتفاقية سايكس بيكو، أن يظل في دائرة التخلف والتقسيم المتواتر. شرق لا يملك شيئا يذكر بالمعنى الحاسم، الكاتب فيه منشغل بحروبه الأهلية وحروب الإخوة والجيران وقهر أنظمة متهالكة لا شيء فيها يطمئن، تعيد إنتاج صورها القديمة بقليل من الذكاء وكثير من الفتك حتى أصبح حلم التغيير أمرا مستحيلا في ظل ما يحدث في المحيط من حروب أهلية فرضت كبدائل وحيدة.
ثانيا: الامبريالية الإعلامية أصبحت سلطة متعالية على كل شيء وفوق أية سلطة نقدية وعابرة للقارات عن طريق الصورة التي أصبحت في يدها بامتياز. فهي المحدد الأساسي ليس فقط لمساحات النقاش Les Espaces de Débats كما يقول محمد أركون، ولكنها صارت أيضا محددة للقيمة بما في ذلك الأدب، وهذا أخطر شيء. القيمة هي ذات دلالات رمزية أكيدة، وعندما يسجن الرمز داخل إرادات أخرى، فكل ما يحيط بنا من رموز قيمية بما في ذلك الأديان والتاريخ والماضي والحاضر يجد نفسه في عمق الدائرة نفسها. عندما يتم التغلغل في عمق الرمز أي في داخل المنتَج الحميمي، فهذا يعني أن قنبلة داخلية يتم التحضير لها ولا أحد يعلم توقيت انفجارها إلا الذي خطط لها مثلما حدث ويحدث في العراق. فعندما يتم احتلال الرمز و يتم تأويله بحسب الرغبة والحاجة، لن يحتاج الاستعمار الحديث لأي تدخل لأننا سنأكل أنفسنا بوسائلنا الأكثر فتكا وندمر الرموز التي تجمعنا ونتفكك لنصبح قبائل وشيعا متقاتلة متذابحة.
ثالثا: قد لا تكون المسألة لدى بعضنا بكل هذه القتامة، لكننا عندما نقرأ الأعمال الروائية العالمية التي فرضت نفسها في السنوات الأخيرة على الثقافة العربية وعلى أكثرنا حذرا وصرامة، ويتحول نقدنا إلى وسيط مثالي لتمرير خطاباتها بكثير من الإصرار، ندرك إلى أي حد صارت المخاطر الثقافية في عمق الرمز نفسه أي في صلب النظام الذي يحدد القيمة كانتماء للعالم ليس بالمعنى الإيجابي ولكن بمعنى فرض النموذج الذي كثيرا ما يرتبك أمام الخصوصية الثقافية. لا يتعلق الأمر ههنا بالأعمال الإنسانية الكبيرة والمتميزة ولا بالكتاب الكبار الذين اختاروا صف نقد الطاحونة الكبيرة التي يسهر على مراقبتها باستمرار الأخ الأكبر The big brother (كما في رواية 1984 لجورج أورويل) الذي يتتبع كل الأنفاس والحركات ويخفي ما يشاء ويدفع إلى الواجهة بما يشاء كذلك، ولكن بالأعمال الروائية خصوصا التي تفبركها وسائل الإعلام وتعلبها وتقدمها كبدائل فعلية للأدب الكبير والإنساني. قد يكون للتجارة سلطانها في مثل هذه العمليات، ولكن من قال إن التجاري مفصول عن السياسي بشكل دائم؟

واسيني الأعرج

إلى الأعلى