الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التواصل الحضاري العماني في شبه القارة الهندية “1ـ3″

التواصل الحضاري العماني في شبه القارة الهندية “1ـ3″

ارتبطت عمان بحكم موقعها الجغرافي واشتغال أهلها بالبحر، بعلاقات تجارية وحضارية منذ عصور تاريخية مبكرة مع العديد من شعوب العالم الموجودة آنذاك، وكانت الهند بحكم قربها الجغرافي من أوائل البلدان التي وصل إليها الملاحون والتجار العمانيون، مؤسسين لعلاقات تجارية وتواصل حضاري استمر على مدى العصور التاريخية في إطار مناخ يسوده الأمن والاستقرار، ويحافظ على صيرورته إرث ثقافي مشترك في بعض جوانبه تولد عن تأثيرات حضارية متبادلة بين الطرفين عبر الزمان، ومن هذا المنطلق تنبثق أهمية دراسة موضوع التواصل الحضاري بين عمان والهند .
استعرضت الدراسة ـ في محاولة منها لإعطاء صورة عامة وشاملة ـ موضوع التواصل الحضاري العماني الهندي، منذ البدايات المبكرة لنشأته في عصور ما قبل التاريخ عندما اضطلع التجار العمانيون بدور الوساطة التجارية بين بلاد الهند وبلاد الرافدين والجزيرة العربية، مرورا بإسهام التجار العمانيين في نشر الإسلام في بلاد الهند وما نتج عنه من تأثر هندي بالحضارة العربية الإسلامية، وصولا إلى الازدهار الذي شهدته العلاقات العمانية الهندية خلال العصور الحديثة بلغ ذروته بتولي السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في عمان بتاريخ 23 من يوليو 1970م وما نتج عنه من زيادة التواصل الحضاري بين الطرفين على كافة الأصعدة الرسمية والشعبية، وأوردت الدراسة في ختامها بعض مظاهر التواصل الحضاري بين عمان والهند في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية .

أهمية موقع عمان في التواصل الحضاري العالمي
تقع عمان في أقصى جنوب الجزيرة العربية ويحدها البحر من ثلاث جهات فمن الشرق خليج عمان ومن الجنوب بحر العرب ومن الشمال الخليج العربي، مما دفع بالعمانيين للاشتغال بالبحر وصناعة السفن من خشب النارجيل وخشب الساج الذي كانوا يجلبونه من الهند أو يذهبون إلى الهند لتصنيع سفنهم1.
ارتبطت عمان بحكم موقعها الجغرافي بعلاقات تجارية وثقافية مع العديد من شعوب وبلدان العالم منذ عصور تاريخية مبكرة، نتج عنها تأثر العمانيين بتلك الحضارات وتأثيرهم فيها، ومساهمتهم في نشوء العديد من الثقافات في حوض المحيط الهندي كالثقافة السواحيلية والثقافة الأردية اللتين تجمع بينهما العديد من السمات المشتركة بفضل الدور العماني، وإضطلاع العمانيين بدور الوسيط التجاري بين موانئ الخليج والجزيرة العربية وموانئ المحيط الهندي وموانئ البحر الأحمر (بحر القلزم)، مما أدى إلى ازدهار العديد من الموانئ العمانية مثل : ميناء سمهرم وميناء عمانا، حيث أصبحا مراكز هامة لتجارة العبور (الترانزيت) وتخزين السلع المنقولة بالبحر عبر هذه الموانئ2
وثقت المصادر الكلاسيكية للعديد من مظاهر النشاط التجاري بين عمان والعالم الخارجي ،حيث أشارت النصوص السومرية من عصر سلالة أور الثالثة 2112 ـ 2004ق.م إلى بلاد مجان كممول ومصدر رئيسي للعديد من السلع التي أتى في مقدمتها : النحاس وأنواع من الأحجار الكريمة، كما اكدت النصوص السومرية على ممارسة بلاد مجان للوساطة التجارية بين الهند وبلاد الرافدين ـ وذلك نظرا لاقتصار تجارة بلاد الهند في التعامل مع دلمون ومجان فقط في أواخر الألفية الثالثة قبل الميلاد كما تشير إلى ذلك النصوص التاريخية ــ فكانت سفن مجان هي التي تقوم بمهمة نقل وتوفير ما تحتاجه بلاد الرافدين من منتجات وسلع مجان ووادي السند، حيث تولى أهل مجان مهمة الوساطة التجارية بين وادي السند وبلاد الرافدين3 .

التواصل الحضاري العماني مع الهند في العصور القديمة:
تعتبر الهند من أكثر المناطق التي ارتادها العمانيون منذ عصور تاريخية مبكرة بحكم قربها الجغرافي والطبيعة البحرية لكلا البلدين، إضافة إلى حركة الرياح الموسمية التي ساهمت في تسيير الرحلات التجارية المنتظمة بينهما، حيث يعود التواصل التاريخي والحضاري الذي تم بين الطرفين إلى مطلع الألفية الثالثة قبل الميلاد، وذلك وفقا لما دلت عليه النصوص السومرية والأكادية والتي كشفت عن وجود علاقات تاريخية بين بلاد مجان وملوخا القديمة الواقعة في الجزء الأدنى من حوض السند، كما أوردت نصوص لارسا التي دونت في المرحلة التي أعقبت انهيار مملكة أور الثالثة لائحة من السلع والمبادلات التجارية بين عمان والهند4 .
ويذكر الملاح اليوناني الذي ألف كتاب الطواف حول البحر الأرتيري The Periplus of the Erythraean Sea بأن : (السفن الهندية كانت تصل إلى ميناء موشا (ميناء سمهرم) قادمة من الموانئ الهندية مثل : ميناء ليموريك Limurike وميناء باريجازا براوش Barygaza Browsh محملة بالسلع كالقماش والشعير والزيت والقمح والسمسم، لتقايضها باللبان من ميناء سمهرم والتمور من ميناء عمانا، وتتم تلك الرحلات عادة في فصل الشتاء)5 .
كانت الهند بمثابة السوق المفتوحة أمام العمانيين يصدرون إليها بضائع العديد من مناطق الجزيرة العربية مثل : اللؤلؤ والخيول العربية واللبان والتمور والليمون، ويستوردون منها ما تحتاجه تلك البلدان من سلع الهند كالأخشاب والصندل والعود والمسك والعنبر والعاج والتوابل والأحجار الكريمة، وحظي هذا النشاط التجاري بالتشجيع من قبل أمراء بعض المناطق الهندية الذين شجعوا التجارة مع العرب العمانيين 6، بفضل ما اتصفوا به من أخلاق فاضلة والتزامهم في معاملاتهم وصفقاتهم التجارية .
أضفت العلاقات التجارية التي تعد نواة علاقات الهند مع بلدان الجزيرة العربية صفة السلم إلى طبيعة تلك العلاقات على مر التاريخ، وذلك نظرا لما يحتاجه النشاط التجاري من امن واستقرار دائم يسهم في تنميته ويحافظ على استمراريته، كما ساهمت العلاقات التجارية في تكوين العلاقات السياسية والروابط الثقافية والاجتماعية التي نتجت عن موجات الهجرة البشرية التي شهدتها المنطقتان فيما بينهما منذ أقدم العصور .
رافق نشاط التبادل التجاري هجرة العديد من العمانيين إلى الهند واستقرارهم بها، وتشير النصوص التاريخية إلى أقدم جالية عربية استقرت بالهند قرب نهر الهندوس وأطلق عليها الهنود إسم (عربتيه) أو (عربتاك) نسبة إلى العرب، ويرجح الباحثون بأن يكون معظم أفراد تلك الجالية من العمانيين، مستدلين على ذلك بتفرد السفن المملوكة لعرب جنوب الجزيرة العربية من العمانيين والحضارم بالنشاط التجاري والملاحي في منطقة المحيط الهندي خلال تلك المرحلة التي تعود إلى فترة ما قبل الميلاد 7 .
وفي المقابل شهدت عمان هجرة موجات بشرية من العنصر الهندي استقروا في المنطقة مثل : الزط والأحامرة والأساورة والبياسرة، اندمج بعض تلك المجموعات مع القبائل التي كانت تسكن عمان مثلما حدث مع الأحامرة الذين اختلف النسابة في علاقتهم بالأزد، فبينما رأى بعضهم أنهم أصبحوا فرعا من أزد عمان، يرى البعض الآخر انهم لا يعدو أن يكونوا من موالي الأزد، وبغض النظر عن طبيعة علاقة الأحامرة بالأزد نجد أنهم دخلوا في الإسلام مع العمانيين وكانت لهم مشاركاتهم الفعالة في حركة الفتوحات الإسلامية.8
وهكذا يتبين لنا مدى إسهام رحلات التبادل التجاري بين عمان والهند في إيجاد نوع من التواصل الحضاري بين المنطقتين منذ عصور تاريخية مبكرة، أسهم في تفعيله التقارب الديني بين الطرفين اللذين كانا يشتركان في الوثنية وعبادة الكواكب، مثل : كوكب زحل الذي عظمه العرب والهنود جميعا .

إسهام العمانيين في نشر الحضارة العربية الإسلامية في شبه القارة الهندية:
نشطت العلاقات العمانية الهندية بعد ظهور الإسلام حيث كان للتجار العمانيين الذين ارتادوا الموانئ الهندية الفضل الأول في نشر أخبار البعثة المحمدية في تلك الأصقاع، مما دفع أهل الهند للرغبة في التعرف على الدين الجديد الذي ظهر في الجزيرة العربية والتواصل مع الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أرسل أحد ملوك ساحل المليبار هدية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، عبارة عن جرة فيها زنجبيل، فأكل منها صلى الله عليه وسلم، ووزع بعضا منها على صحابته 9.
اضطلع العمانيون بدور ريادي في حركة الفتوحات الإسلامية ونشر الإسلام في بلاد الهند ، فمن عمان انطلقت الحملات البحرية لفتح إقليم السند في سنة 15هـ/636م، حيث أرسل عثمان بن أبي العاص الذي ولاه عمر بن الخطاب على عمان والبحرين أخاه الحكم بن أبي العاص على رأس حملة بحرية انطلقت من عمان ووصلت إلى الساحل الغربي من بلاد السند، وهاجمت مرسى صغير يدعى تانه (بالقرب من جهان آباد) إحدى مدن بومباي فعادت مظفرة، وسجل التاريخ أسماء بعض الشخصيات العمانية التي شاركت في فتوحات الهند، نذكر من بينهم : راشد بن عمرو الجديدي وعبدالله بن سوار العبدي وعمرو بن مسلم الباهلي .10
وكان لآل المهلب العمانيون إسهام واضح في حركة الفتوحات الإسلامية في بلاد الهند، حيث اشترك أبو صفرة العتكي في فتح بلاد الهند عام 15هـ/636م، وشارك ابنه المهلب بن أبي صفرة في غزو كابل عام 41هـ/661م بقيادة عبدالرحمن بن سمرة، ولفتت الشجاعة التي أبداها المهلب في الغزو ـ وكانت سببا في انتصار المسلمين ـ نظر الخليفة معاوية بن أبي سفيان، فعينه واليا على ثغر الهند عام 44هـ/664م مكافأة له على جهوده ، وتمكن المهلب أثناء ولايته ثغر الهند من فتح بلاد القيقان وقندابيل التي كانت عاصمة إقليم كاتشي ببلوشستان الإسلامية، كما فتح إقليم لاهور واقليم بنه، التي أورد الشاعر الأزدي أبياتا في فتحها حيث يقول11 :
ألم تر أن الأزد ليلة بيتوا ببنة كانوا خير جيش المهلب
مما يدل على أن معظم جيش المهلب بن أبي صفرة كان من قبائل الأزد العمانية، واقترن المهلب بإحدى النساء الهنديات فأنجبت له ولده وخليفته يزيد بن المهلب12، وهذا ما يؤكد عمق الصلات الحضارية بين عمان وبلاد الهند في مختلف الجوانب السياسية والثقافية والاجتماعية .
شاركت القبائل العمانية في الفتح الإسلامي لبلاد السند على يد محمد بن القاسم الثقفي عام 93هـ/710م، وعين داود بن نصر بن الوليد العماني حاكما على بلاد الملتان، ووضع معه قوة من الجند كان أغلبهم من العمانيين، وقد استقل داود بالحكم لنفسه وورثه أبناؤه من بعده، وشهدت بلاد الملتان في مدة حكمهم الواقعة في الفترة بين عام 94هـ/711م إلى عام 279هـ/892م استقرارا سياسيا، فلم يسجل وقوع أي انقلاب أو فوضى سياسية خلال هذه الفترة 13، وظل الأمر على هذا الحال بعد أن استقل بنو سامة بن لؤي بحكم الملتان للفترة منذ عام 279هـ/892م وحتى عام 375هـ/985م .
استقر العديد من العمانيين في بلاد الهند بعد حركة الفتوحات الإسلامية، شجعهم على ذلك الهجرات المتبادلة بين شعوب المنطقتين منذ العصور القديمة ـ كما أشرنا في هذه الدراسة سابقا ـ مما أدى إلى زيادة التواصل الحضاري بينهما خاصة وأن الإسلام دين يدعو إلى التسامح والتعاون بين البشرية جمعاء، مما دفع الجانبان إلى الرغبة في توسيع التواصل الحضاري بينهم، وخلق علاقات تخدم مصالح شعوب البلدين اللذين جمع بينهما العديد من القواسم المشتركة مثل : طبيعتهما البحرية وموقعهما الجغرافي الاستراتيجي14، ووجود نوع من التكامل الاقتصادي بينهما حيث من الممكن اعتبارهما سلة غذاء مكملة لبعضها وفقا للمفاهيم الاقتصادية الحديثة المتعلقة بالاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي .
وذكر المسعودي بأنه شاهد عند زيارته لمدينة صيمور الهندية سنة 304هـ/916م خليط من الأجناس ذات الأصول العربية من عمانيين وسيرافيين وبصريين وبغداديين اختلطوا وتزاوجوا مع أهالي البلاد الأصليين 15، سواء من عامة الناس أو من ملوكهم حيث تذكر المصادر بأن كعب الراسبي ـ أحد افراد حاشية الخليفة الوليد بن عبدالملك تزوج بإحدى بنات أخت ملك الهند داهر، كما تشير المصادر إلى استقرار العمانيين أيضا في مناطق الديبل ومنجرور وساحل المليبار وبلاد الملتان، وسمح للجاليات العربية المقيمة بالهند بما فيهم الجالية العمانية بأن يحكموا أنفسهم حكما ذاتيا فيما عرف بنظام الهزمة، بحيث يخول لأحد أفراد الجالية رئاستهم وتسيير شؤونهم التي استمدت روحها من مبادي الشريعة الإسلامية 16.
وطبقت المجتمعات العربية الإسلامية التي وجدت في بلاد الهند نظم الحكم التي كانت سائدة في بلدان العالم الإسلامي عن طريق وجود امير على رأس الجهاز يكون هو المسؤول عن كافة الجوانب السياسية والعسكرية يساعده الوزراء، ووجود قاض يشارك في تطبيق الشريعة الإسلامية ويشرف على شؤون الأوقاف الإسلامية، كما انتشرت الدواوين الموجودة في العالم الإسلامي مثل : ديوان الحسبة وديوان الخراج وديوان البريد وغيرها 17.
وهكذا يتضح لنا مدى إسهام الفتوحات الإسلامية لبلاد الهند في تفعيل التواصل الحضاري العماني الهندي، حيث كان أغلب أفراد تلك القوات الفاتحة من الأزد العمانيين، إضافة إلى مساهمة التجار العمانيين في نشر الإسلام ببلاد الهند بفضل التزامهم بمبادئ الشريعة الإسلامية في تعاملاتهم التجارية الأمر الذي كان مثار الإعجاب ممن تعامل معهم من الهنود ودفعهم إلى اعتناق الدين الإسلامي، والدور الإعلامي والتوعوي الذي قام به رجال الدين العمانيون الذين انتشروا في بعض المدن الهندية كقضاة وخطباء ومعلمين وأسهموا في نشر الإسلام، بدرجة لفتت نظر الرحالة العرب، فمثلا نجد إبن بطوطة يورد أسماء العديد من العلماء والدعاة العمانيين الذين استقروا في الهند من امثال : حيد العلوي وبدر الدين المعبري وغيرهما 18.

التواصل الحضاري العماني مع الهند في العصور الحديثة :
نشط التواصل الحضاري العماني الهندي مع مطلع العصور الحديثة، وأصبح لأفراد الجالية الهندية نشاط تجاري في العديد من الموانئ العمانية مثل : مسقط ومطرح وقلهات، حيث وجد التجار الهنود في ميناء قلهات قبل غزو البوكيرك لهذا الميناء في عام 1507م 19.
تدفق عدد كبير من الهنود على عمان في عهد دولة اليعاربة التي استجلبت العديد من الأمم كالهنود والفرس للعمل كصناع و أصحاب أعمال فاستوطنوا عمان، التي تمتعت في تلك الآونة بالأمن والاستقرار ويسر العيش وذلك على خلاف ما كانوا يعانونه في بلادهم من انعدام الأمن وصعوبة الظروف المعيشية وعدم توافر الاستقرار الاجتماعي 20، وتعاون أبناء الجالية الهندية مع اليعاربة لتخليص البلاد من السيطرة البرتغالية كما يتضح من مساعدة نروتم الهندي للإمام سلطان بن سيف اليعربي عند حصاره البرتغاليين بمسقط ، وما نتج عنه من قيام أئمة اليعاربة بمنح بعض الامتيازات للتجار الهنود مثل: إعفائهم من دفع الجزية والتصريح لهم ببناء معبد خاص بهم22 ، وقيام الإمام سلطان بن سيف ـ بعد تحريره عمان من السيطرة البرتغالية ـ بشن غارات على المعاقل البرتغالية في بومباي وديو وباسين ومناطق غرب المحيط الهندي23، مما ادى إلى تحرير الهند من السيطرة البرتغالية .
ازدادات العلاقات العمانية الهندية في عهد الدولة البوسعيدية حيث تعاون الإمام أحمد بن سعيد مع السلطات الهندية للقضاء على القرصنة في المحيط الهندي، وذلك نظرا لما شكلته تلك الظاهرة من خطر على قوافل الأرز القادمة من بلاد الهند إلى مسقط، ونتج عن ذلك التعاون إرسال حاكم مانجلور موفد من قبله إلى الإمام أحمد بن سعيد عام 1776م، وعقد معاهده تعهد فيها حاكم الهند بالوقوف إلى جانب الإمام ضد أعدائه وإمداده بالمال والرجال والسلاح، وأهدى الإمام أحمد بن سعيد لحاكم المغول أرضا في مسقط أقيم عليها المبنى الذي عرف باسم مبنى وكيل تيبو سلطان 24.
حظي أبناء الجالية الهندية المقيمة في مسقط بمكانة اجتماعية متميزة، حيث يذكر إبن رزيق في كتاب الفتح المبين بأن الإمام أحمد بن سعيد كان إذا نزل مطرح يكون في مقدمة مستقبليه الأعيان ثم الحيدربادية25، ثم بقايا الناس26. كما سمح الإمام أحمد بن سعيد للهنود الهندوس (البانيان) بإقامة معابد لهم في مسقط، مما أدى إلى زيادة المعابد الهندية في مسقط ليصبح عددها أربعة معابد بعد أن كانت معبدا واحدا في عهد دولة اليعاربة 27.
توثقت العلاقات العمانية الهندية في عهد خلفاء الإمام أحمد بن سعيد، حيث نجد التاجر الهندي رام شاندار رادجي Ram Chander Raadji يقترح على الإمام سعيد بن أحمد بن سعيد الانتقال إلى مسقط 28، والتي انتقل إليها إبنه حمد بن سعيد عام 1789م متخذاً منها مركزا لإدارة شؤون البلاد، مما أدى إلى انفتاح عمان على العالم الخارجي وزيادة أواصر العلاقات العمانية الهندية، والتي توجت بتوقيع السيد سلطان بن أحمد بن سعيد لاتفاقية الصداقة مع شركة الهند الشرقية البريطانية عام 1798م، والتي كانت في مصلحة العلاقات العمانية الهندية، وأدت إلى زيادة نشاط التبادل التجاري بين الطرفين .
نشط التجار الهنود في عهد السيد سعيد بن سلطان الذي كان انتقاله إلى زنجبار في عام 1832م، بمثابة الصفقة التجارية الرابحة بالنسبة للتجار الهنود الذين أسهموا في تمويل تجارة الرقيق والبهارات وجنوا من ورائها الأرباح الباهظة، واستفادوا من الفراغ التجاري الذي حدث في مسقط نتيجة لانتقال السيد سعيد إلى زنجبار فتدفقوا على مسقط حتى وصل عددهم إلى ألفي نسمة في عام 1840م 29، كما اصطحب السيد سعيد بن سلطان معه إلى زنجبار عددا من التجار الهنود الذين تولوا إدارة الجمارك بموانئها حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وامتد نفوذهم في شرق أفريقيا إلى موزمبيق ومدغشقر وجزر القمر30 .
تدخلت حكومة الهند البريطانية في حل النزاع الذي حدث بين أبناء السيد سعيد بن سلطان حول من يتولى شؤون عمان بعد وفاة أبيهم، فصدر تحكيم كاننج عام 1861م والذي قسم الإمبراطورية العمانية التي أسسها السيد سعيد بن سلطان إلى قسمين : بحيث يتولى السلطان ثويني بن سعيد حكم عمان وتوابعها، ويتولى السلطان ماجد بن سعيد حكم زنجبار وملحقاتها من الشق الأفريقي، على أن يدفع سلطان زنجبار أربعين ألف دولار نمساوي سنويا إلى سلطان مسقط 31، وأصبحت الهند منذ تلك الفترة مقرا للإقامة ومنفى لكثير من المغضوب عليهم سياسيا مثل : تركي بن سعيد وسالم بن ثويني الذي توفي في الهند عام 1876م وعبدالعزيز بن سعيد الذي توفي بالهند عام 1907م 32.
استغل التجار الهنود انشغال السيد ثويني بن سعيد بالقضاء على النزاعات القبلية ومحاولة كسب المزيد من النفوذ السياسي، في توسيع نشاطهم التجاري وتولي إدارة الجمارك التي جنوا من ورائها الأرباح الباهظة، حيث كان يعهد بإدارة الجمارك وجمع الضرائب الجمركية على أساس التعاقد السنوي مع أحد التجار الهنود نظير أن يدفع مبلغا معينا إلى خزينة الدولة، مما شجع التجار الهنود على تدويل التجارة العمانية مستغلين في تحقيق ذلك صلتهم بشبه القارة الهندية، وعلاقاتهم بالعديد من المؤسسات التجارية العالمية التي فضلت أن يكون وكيلها هنديا بحكم درايته بالمنطقة، وتمتعهم بالتسهيلات الممنوحة للرعايا البريطانيين، وتقديمهم القروض للتجار العرب والتي تتراوح فائدتها بين 1,5 ـــ 3% في الشهر، واستغلالهم للفرص التي أتاحتها لهم الثورة الصناعية وظهور السفن البخارية، في الوقت الذي اقتصر فيه نشاط التجار العمانيين على تجارة التوزيع33.
هجر التجار البانيان الموانئ العمانية في عهد الإمام عزان بن قيس (1868 ـــ 1871م) بسبب سياسة التزمت الديني وعدم السماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية، مما أدى إلى تضاؤل عددهم في مسقط حتى وصل إلى مائتين وخمسون نسمة في عام 1870م 34.

* ورقة ألقيت في ندوة “الدور العماني في شرق آسيا والهند” في النادي الثقافي سبتمبر الماضي.
** المصادر والمراجع والهوامش في الجزء الثالث من الدراسة.

إسماعيل بن أحمد الزدجالي

إلى الأعلى