الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (الحصانات في الفقه الإسلامي والتشريعات الوضعية) (2 ـ 4)
(الحصانات في الفقه الإسلامي والتشريعات الوضعية) (2 ـ 4)

(الحصانات في الفقه الإسلامي والتشريعات الوضعية) (2 ـ 4)

الشريعة تؤكد على ضرورة تمتع الرسل غير المسلمين بالحماية والحصانة متى دخلوا دار الإسلام

ـ ثبت عن النبي (عليه الصلاة والسلام) أنه لم يقتل رسولا أو يعرضه للتنكيل والأذى

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها (النظرية الفقهية والنظام الفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1433هـ، الموافق 7 إلى 10 ابريل 2012م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:( الحصانات في الفقه الإسلامي والتشريعات الوضعية) للدكتور عادل عبدالله المسدي أستاذ القانون الدولي العام من كلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس ..
يواصل الدكتور المسدي في بحثه .. حيث تحدث عن الأساس الشرعي لعقد الأمان .. فقال: يستمد عقد الأمان في الإسلام مشروعيته من قوله تعالى:(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ)،ويقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية الكريمة: “والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة، أو طلب صلح، أو مهادنة، أو حمل جزية أو نحوذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه أمانا، أعطي أمانا مادام متردداً في دار الإسلام وحتى يرجع إلى داره ومأمنه ووطنه”.
مضيفا بقوله: وفي ذلك يقول القرطبي:”(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي من الذين أمرتك بقتالهم (اسْتَجَارَكَ) أي سأل جوارك أي أمانك وذمامك فأعطه إياه ليسمع القرآن، أي يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه، فإن قبل أمرا فحسن، وإن أبى فرده إلى مأمنه، وهذا ما لا خلاف فيه”، كما يستمد عقد الأمان مشروعيته كذلك من السنة النبوية المطهرة، فقد وردت أحاديث كثيرة تدل على مشروعية الأمان منها؛ ما رواه الشيخان عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم”. قال النووي أن المراد بالذمة هنا “الأمان” ومعناه أن أمان المسلمين للكافر صحيح، إذا أمنه به أحد من المسلمين حُرِم على غيره التعرض له مادام في أمان المسلم)، ويقول الترمذي:”ومعنى هذا عند أهل العلم أن من أعطى الأمان من المسلمين فهو جائز عن كلهم”.
موضحا بأنه ومن ذلك أيضا ما رواه الشيخان عن أم هانئ بنت أبي طالب ـ رضي الله عنها ـ قالت: ذهبت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فوجدته يغتسل .. إلى أن قالت: فلما انصرف قلت يا رسول الله زعم ابن أمي على بن أبي طالب أنه قاتل رجلا أجرته، فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ”، وجاء في رواية “وأمنا من أمنت” أي أعطينا الأمان لمن أعطيته، قال الخطابي: أجمع عامة أهل العلم أن أمان المرأة جائز. وهذا الحديث الشريف واضح الدلالة على مشروعية الأمان، كما ثبت ما يتمتع به الرسل والمبعوثين إلى الدولة الإسلامية من حصانات، من خلال معاملة رسولنا الكريم لرسل غير المسلمين، فقد ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، أنه لم يقتل رسولا أو يعرضه للتنكيل والأذى، وقد سار الخلفاء وأئمة المسلمين على هذا المسار بعد ذلك.وما موقف رسولنا الكريم من رسولي مسيلمة إلا مثالا واضحا على ذلك، فعندما أرسل مسيلمة رسوليه إلى الرسول وسألهما المصطفى، “أتشهدان أني رسول الله؟ قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال (عليه الصلاة والسلام):” والله لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما”، كذلك موقف سيد الخلق من مبعوث قريش أبا رافع بعد صلح الحديبية، فقد روي عن أبي رافع أنه قال بعثتني قريش إلى رسول الله فلما رأيت الرسول ألقي في قلبي الإسلام، فقلت يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدا، فقال (عليه الصلاة والسلام): “إني لا أحبس العهد ولا أحبس البرود (أي الرسل) ولكن أرجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فأرجع”، وأجمع الفقهاء على مشروعية الأمان وحماية الرسل والسفراء، واجازوا للمبعوث السياسي أن يدخل بلاد المسلمين، بدون حاجة إلى عقد أمان، كما لم يجيزوا الغدر برسل العدو، حتى ولو قتل الأعداء رهائن المسلمين الموجودين عندهم، فلا تقتل رسلهم، لقول بعض الصحابة “وفاء بعهد من غير غدر خير من غدر بغدر”.
وقال: ان هذه سنة صريحة وواضحة تؤكد على مبدأ حصانة الرسل وأمانهم في الإسلام، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن شريعتنا الغراء قد أكدت على ضرورة تمتع رسل غير المسلمين ومبعوثيهم، بالحماية والحصانة متى دخلوا دار الإسلام حتى يتمكنوا من أداء المهمة الموفدين من أجلها على أكمل وجه. وهذا المنهج الرشيد هو ما سار عليه الخلفاء الراشدون، ومن جاء بعدهم من حكام المسلمين، ليكون ذلك دليلا واضحا على أن شريعتنا الغراء قد سبقت ما جاءت به الاتفاقيات الدولية بقرون طويلة، كما أنها قد ساهمت بشكل فاعل في بلورة وتطوير العديد من قواعد القانون الدبلوماسي الحالي، وهذا ما أشارت إليه محكمة العدل الدولية في قضية المبعوثين الدبلوماسيين والقنصليين للولايات المتحدة في طهران بقولها:” أن مبدأ حصانة أعضاء البعثات الدبلوماسية ومقارها، يعد أحد الأسس التي تقوم عليها قواعد القانون الدبلوماسي الذي تكون على مر العصور، والذي اسهمت التقاليد الإسلامية اسهاما جوهريا في تطويره”.
ثانيا ـ الأساس القانوني للحصانات الدبلوماسية:
وقال عن الأساس القانوني للحصانات الدبلوماسية : ان فقهاء القانون الدولي اجتهدوا بخصوص تحديد الأساس القانوني لما يتمتع به أعضاء البعثات الدبلوماسية من حصانات وامتيازات. حيث انقسموا إلى ثلاثة اتجاهات فقهية في هذا الشأن على النحو التالي:
نظرية الامتداد الإقليمي:
وقال بهذه النظرية قدامى فقهاء القانون الدولي، وتقوم هذه النظرية على افتراض مفاده، أن المبعوث الدبلوماسي حال وجوده في إقليم دولة أخرى يعتبر كما لو كان لا يزال موجودا على إقليم دولته، ويخضع لسلطانها، ومن هذا المنطلق يُنظر إليه على أنه خارج إطار الاختصاص القانوني لدولة مقر البعثة الدبلوماسية. ولذا سميت هذه النظرية بنظرية الامتداد الإقليمي. وقد تعرضت هذه النظرية لانتقادات شديدة، ولم تعد تحظى بأي تأييد فقهي.
نظرية الصفة التمثيلية:
ومؤدى هذه النظرية، أن أساس ما يتمتع به الممثل الدبلوماسي، أو البعثة الدبلوماسية من حصانات،إنما يكمن في الصفة التمثيلية للمبعوث والبعثة الدبلوماسية على السواء. حيث إن كلا منهما يمثل الدولة الموفدة له ورئيسها، ومن ثم فإن كلاهما يجب أن يتمتع بالحصانات والامتيازات اللازمة لأداء المهام المنوطة به. وقد تعرضت هذه النظرية – بدورها – للنقد لأنها تربط الحصانات والامتيازات التي يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي أو البعثة الدبلوماسية بالصفة التمثيلية، فإنها بذلك تضيق من نطاق الحصانات والامتيازات التي يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي، خارج إطار أداء العمل الدبلوماسي المنوط به. كما أنه من غير المنطقي ربط الحصانات والامتيازات التي يتمتع بها الممثل الدبلوماسي بتمثيل رئيس الدولة، حيث إن ما يتمتع به المبعوث الدبلوماسي لا يتماثل مطلقا مع ما يتمتع به رئيس الدولة من حصانات وامتيازات في الدول الأجنبية.
نظرية مقتضيات الوظيفة:
وفحوى هذه النظرية أن أساس ما يتمتع به المبعوث الدبلوماسي من حصانات، إنما يكمن في تمكينه من أداء مهام الوظيفة الدبلوماسية المنوطة به على أكمل وجه. ومن ثم يمكن القول أن الحصانات الممنوحة للمثل الدبلوماسي، إنما جاءت لصالح الوظيفة الدبلوماسية ذاتها، وليس لصالح شخص المبعوث الدبلوماسي.
وتعتبر هذه النظرية السائدة في الوقت الحالي، حيث أخذت بها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، فقد ورد في ديباجتها: “أن الهدف من هذه الحصانات والامتيازات ليس إفادة الأفراد، بل ضمان الأداء الفعال لوظائف البعثات الدبلوماسية بوصفها ممثلة للدولة”.كما أن محكمة العدل الدولية قد تبنت ـ بدورها ـ نفس الوجهة من النظر في حكمها الصادر في قضية المبعوثين الدبلوماسيين والقنصليين في طهران عام1979.
المبحث الثالث: صور الحصانات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي
وعن المبحث الثالث: صور الحصانات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي قال: إن استقراء ما استقر عليه الفقه الإسلامي، في شأن وضع الرسل في الإسلام، ليوضح لنا بجلاء، أن الرسل أو الموفدين إلى دولة الإسلام لأداء مهام معينة، لتنظيم العلاقات المتبادلة بين دولة الإسلام والدول والجماعات الأخرى، كانوا يتمتعون ببعض الحصانات التي تكفل حمايتهم وتأمينهم، لكي يتمكنوا من أداء ما أرسلوا من أجله على أكمل وجه، وهذا ما استقر عليه العمل الدولي ـ بعد ذلك بقرون طويلة ـ من خلال منح المبعوثين الدبلوماسيين مجموعة من الحصانات والامتيازات اللازمة لأداء مهام وظائفهم دون عوائق.
مبينا انه قد جاءت اتفاقية فيينا لعام 1961 لتقنن ما ستقر عليه العرف الدولي في هذا الشأن، كما أكدته محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر في 24 مايو1980 بخصوص قضية المبعوثين الدبلوماسيين والقنصليين في طهران، حيث اعتبرت المحكمة أن إيران كدولة مقر يكون عليها التزام ـ بموجب نصوص اتفاقيتي فيينا لعامي 1961 و1963 ـ باتخاذ الخطوات المناسبة لضمان حماية مقار البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأميركية في إيران، وحماية أعضائها، وما بها من وثائق ومستندات، وما تستخدمه من وسائل اتصالات، وكذلك ضمان حرية التنقل لأعضاء هذه البعثات بل إن المحكمة ذهبت إلى أبعد من ذلك بقولها أن التزامات إيران سابق الإشارة إليها ليست التزامات تعاقدية نابعة من اتفاقيتي فيينا لعامي 1961 و1963 فحسب، بل إنها التزامات تفرضها قواعد القانون الدولي العام، ولما كان المجال لا يتسع هنا لتناول هذه الحصانات بشئ من التفصيل، فقد ارتأينا التعرض بشيء من الإيجاز لبعض صور هذه الحصانات كما حددت أطرها اتفاقية فيينا لعام 1961، مردفين ذلك ببيان موقف الفقه الإسلامي من كل صورة من صور هذه الحصانات، وذلك على النحو التالي:
أولا ـ حصانة شخص المبعوث الدبلوماسي وحرمة مسكنه وأمتعته الشخصية:
الحصانة الشخصية في القانون الدولي: تعني الحصانة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي، ضرورة معاملته بالاحترام اللائق وتوفير الحماية الشخصية له ولأفراد أسرته، وعدم جواز القبض عليه أو احتجازه تحت أي ظرف من الظروف. وهذا ما أكدت عليه المادة (29) من اتفاقية فيينا لعام 1961بقولها أن:”لشخص المبعوث الدبلوماسي حرمة، فلا يجوز بأي شكل القبض عليه أو حجزه، وعلى الدولة المعتمد لديها أن تعامله بالاحترام اللازم له، وعليها أن تتخذ كافة الوسائل المعقولة لمنع الاعتداء على شخصه أو على حريته”.
وبموجب نص هذه المادة، تكون الدولة الموفد إليها المبعوث الدبلوماسي ملزمة، بأن توفر الحماية اللازمة لشخص المبعوث الدبلوماسي، فلا يجوز القبض عليه أو اعتقاله. كما تلتزم باتخاذ كافة التدابير والإجراءات اللازمة لمنع أي اعتداء قد يقع على حريته أو كرامته، ويمكن القول أن لهذه الصورة من الحصانة وجهان، أولهما التزام الدولة بعدم التعرض لشخص المبعوث الدبلوماسي، أما ثانيهما فيتمثل في التزام الدولة في معاقبة كل من يصدر عنه أي فعل يشكل اعتداءً على حرمة شخص المبعوث الدبلوماسي، وإن كان يجوز لدولة المقر أن تقوم باحتجاز المبعوث الدبلوماسي، استنادا لحق الدفاع الشرعي، أو إذا كان هناك تخوف من ارتكابه لجريمة ما، حيث يجوز لسلطات دولة المقر أن تقوم بتوقيفه أو احتجازه مؤقتا، تفاديا لقيامه بأفعال قد تضر بأمن دولة المقر، أو تهديدا لحياة الأفراد.
وقال: وإضافة لما سبق، تمتد الحصانة لتشمل مسكن المبعوث الدبلوماسي، حيث يتمتع مسكنه بذات الحصانة التي يتمتع بها مقر البعثة الدبلوماسية، وكذلك تشمل الحصانة مراسلاته وأوراقه الخاصة، وأمتعته الشخصية، (م/30) من اتفاقية فيينا ، ولا تقتصر هذه الحصانة على شخص رئيس البعثة، وإنما تشمل كل من يعمل في البعثة الدبلوماسية من موظفين دبلوماسيين أو إداريين، وفنيين، كما تمتد لتشمل أفراد أسرهم ممن يعولونهم ويقيمون معهم في نفس السكن، بشرط ألا يكونوا من مواطني دولة المقر، وذلك تطبيقا لنص المادة (37) من اتفاقية فيينا.
وأخيرا تجدر الإشارة إلي أن ما تلتزم به دولة مقر البعثة من حصانات تجاه أعضاء البعثات الدبلوماسية أو لمقارها وما بها ممتلكات ومستندات ووثائق، تكون سارية حتى في حالة النزاع المسلح بين الدولتين، أو حالة قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما.

إلى الأعلى