الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / غزال الرنة

غزال الرنة

عندما تسقط أوراق الربيع على قارعة الطريق فيما درجات الحرارة آخذه في الانحسار بعدما اكتست تلك الجبال الجبارة ثوبا أبيض من الثلوج المتراكمة عند سفوح الجبال بعدما تغطت الأشجار والصخور ماعنا النظر نحو تلك السلاسل الجبلية بنعومة ثلوجها وهي تقف شاهقة مهيبة بعدما اكتست بالقطن الأبيض .

هذه الثلوج كانت في أوج شتائها والتي يصل سمكها إلى 5 أمتار ونحن نخترق طبقاتها الوعرة فهي مثيرة للأحاسيس والإلهام عندما غاصت الأقدام بين طبقات الثلوج شاعرا حينها بالحنين لتلك اليابسه فأنا الآتي من الصحراء .
كل ذلك وسط أحضان الطبيعة المضيئة والتي تسبي العيون، معانقا تلك المناظر الخلابة ومصافحا الثلوج البيضاء بحميمية رائعة منقطعة النظير وواقفا برهة متأملا ومذهولا وسط مشاهد تقشعر لها الأبدان لقساوة الطبيعة وقوة إرادة الإنسان بتحديه لها؛ لأسجد شاكرا الخالق لعظمته، حيث لم أكن أتوقع أن أرى تلك اللوحات الإلهية للثلوج التي يصعب على المرء أن يشاهد مثيلها.

جبال الهملايا
أما مع دخول موسم الربيع وقبل أن تصبح الغابات السامقة منتشية بالاخضرار يتطاير علينا ذلك الغبار الثلجي ونحن نخترق مساراتها الجبلية والتي تهب رياحها على البشر والأرياف والجبال وهو يكسي كل شيء يقابله .
ذلك الغبار الثلجي الذي تطاير علينا كان عندما عزمنا تسلق جبال الهملايا في النيبال مشيا، حيث يرق الجليد إيذانا بانتهاء الشتاء ونحن في الرمق الأخير عند بداية ذوبان الثلوج، حيث ستصبح تلك الغابات ذات اللمعان مخضرة وهي تخرج من أوراق البتول بعدما أندمجت مع اشجار (الصنوبر) التي ستتشكل منها تلك اللوحات الجميلة في هذه الجبال الثلجية .
كل ذلك ما تبقى من موسم الشتاء وقبل أن تزهر هذه الجبال بنباتاتها المعتادة، وهي تنبثق من خلال تلك البراعم الغضة والأشنة والتي ما فتئت تخرج إلى سطح الأرض الدافئة بعد السبات الشتوي فيما يبدأ في الانبعاث من تحت وريقات ظلال تلك الأشجار صوت الظبي، وهو صغير حيوان (غزال الرنة) .
هذا الخروج لصغير غزال الرنة من قوقعته التي غطته الثلوج بعدما تغطى بجذوع الأشجار، بمثابة تنفسه الصعداء بعد موسم شتوي بارد، وذلك قبل أن يهم ذلك الدب الباحث عن طريدته من الثدييات بعدما كان هو الآخر نائمًا تحت الثلوج في وكره متمرغًا بالأوراق والتراب الغض، وهو يهم بتحريك جسده الهزيل الذي استهلك الشحوم المخزنة وهي التي تساعده على تجاوزالبرد القارس في فصل الشتاء والذي يطلب الطعام الآن، على الرغم من أنه حيوان من العواشب إلا أن الدب سيطوف بحثًا عن طريدة من الثدييات الكبيرة في فصل الربيع.
في رحلتي إلى جبال الهملايا كانت تتقدمنا ثلة من البغال محمله بالمؤن وباقي مستلزماتنا إلى مكان مخيمنا، كنا نمرق على عدد من القرى والحيوانات التي تتعايش مع بيئة هذه الجبال، كان السير يسير باتجاه أعالي الجبال بينما حيوان (غزال الرنة) قد جمعته علاقه وطيدة بينه وبين الإنسان بعدما وهبه الله تعالى، خصائص تمكنه من العيش في مناخ بيئىي مختلف عن أقربائه من الغزلان في أقاليم الدول الأخرى والتي تتميز بمناخ مختلف تماما حيث يتميز بانه أكثر دفئا.
كما أن هذا الحيوان عندما يهم بالتنقل من مكان إلى آخر بحثا عن الطعام من الأشنات والطحالب والبتولات والعوسج والفطر فإنه في ذلك يستخدم حوافره العريضة بالبحث عن غذائه من خلال الحفر العميقة بين أكوام الثلوج .
ومن نعم الله على هذا الحيوان بأن خصه بقرون مستأنسة وهي أكبر من الغزلان البرية، كما أن في أصابع أرجله مخالب أمامية من خلال حوافر مرنة ومقعرة تمكنه من أن يبسطها عند المشي على الأرض الطرية أثناء سيره فوق الطحالب والمستنقعات المائيه السبخة في فصل الصيف أو على العبور فوق الثلج الطري والتي تساعده على الحرث في فصل الشتاء الطويل .
كان السير من خلال هذه المسارات الجبلية، حيث يمكن رؤية الرعاة بغزلانهم ويتقدم القطيع كلبان في المقدمة والمؤخرة، ومع مرور هذه السنوات أصبحت هذه الكلاب كسولة ولا تريد أن تعمل حيث استعاضوا عنها في عدد من الدول بـ(الدراجات) بعد ما أصبح البعض يفضلها عن هذه الكلاب.
هذا التنقل والترحال للرعاة بمعية محملهم من العائلة إلى حيواناتهم التي ظلوا يعتنون بها منذ الصغر من ماشية و(غزال الرنة) والتي ظلت لهم بمثابة إحدى الوسائل نحو بقائهم بعدما اقترب هذا الحيوان من قلوب مربيه وهم يصدحون بأشعارهم ويمجدونه في مجالسهم وملتقياتهم وهم من ارتبط به ارتباطا قويا وابتعادهم عنه كمن ليس له هوية .
أما فصل الصيف فإنه يجلب الكلأ لقطعان الغزلان في هذه الجبال وهي التي تتوارى خلف تلك المصطحات الثلجية نحو الانصهار مشكله في ذلك بحيرات كي ترتوي هذه الحيوانات منها، فإنه في الوقت نفسه يشكل هذا الفصل تهديدا لحيوان (غزال الرنة) من خلال مرتادي هذه الجبال من السياح والمتسلقين.
هذا التهديد يعتبر أكثر خطرا من تعرضه من مجموعة مفترسة من الذياب تعترض طريقه حيث إن هذا الحيوان لا يجزع من أصوات المركبات وهو يهب مسرعا عند تنقله من غابة إلى غابة أخرى أثناء عبوره الطريق بحثا عن الطعام، لذلك فهي تتعرض لحوادث السيارات بعدما قتلت كثير من الغزلان الداجنة .
وبين الفينة والأخرى تندلع خصومات بين هؤلاء المربين بقطعانهم وبين الفلاحين المحليين حول أحقية كل طريق في الأراضي التي باتوا ينتقلون ويعيشون فيها ومنهم الرعاة بماشيتهم (غزال الرنة) وبذلك سيمثل معضلة في ذلك لما لهذه الحيوانات من مواسم معينة نحو تنقلها .
وأثناء معايشتي من خلال إقامتي بضعة أيام مع قرويي هذه الجبال فقد أشاحوا لي عن بعض المحاذير التي تدخل في نطاق المحذورات والمعيبة، وهو سؤال الآخر عما يمتلكه من رؤوس هذا الحيوان.

خالد بن سعيد العنقودي
Kld_qudi@hotmail.com

إلى الأعلى