الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / اللقاء قبل الـ”رحيل” وبعده لـ”عبدالله حبيب”

اللقاء قبل الـ”رحيل” وبعده لـ”عبدالله حبيب”

بعد أن أصدر مجموعته “رحيل” بما يقارب السبع سنوات قام الأديب عبدالله حبيب بإصدار مجموعته الثانية “قنديل بعيد عن الشمس ـ شهادات عن أرواح ووجوه” وفيها أيضاً كتب عن أشخاصٍ من الذين قضوا. ومع ما بين المجموعتين من الأمد البعيد إلا أن التشابه في الأسلوب يبدو كنسيج واحد بدأ به الكاتب واستمر عليه. وفي هذه السطور سيتم التطرق إلى الأسلوب الذي انتهجه الكاتب عند حديثه عن اللقاءات بالأشخاص الذين فارقوا هذا العالم.
والأسلوب المقصود هنا هو كل ما يدور حول مفردة “اللقاء” بوجودها اللغوي أكثر منه المعنوي. أما علاقة الكاتب بأشخاصه فلا يمكن تخمينها سواء مع وجود هذه المفردة أو بدونها، فهو يكتب بعد اكتشافه مدى تأثره بما أنتجه هؤلاء من إبداعات في مختلف المجالات. فهناك ثلاث فئات من الناس حسبما جاءت به المجموعتان؛ الفئة الأولى وهم الأشخاص الذين يعرفهم جيداً ويعرفونه، وبينهم علاقات معرفية قد تختلف بين شخص وآخر ولكن تتكرر اللقاءات بينهم على مختلف المناسبات، وأما الفئة الثانية فهم الأشخاص الذين التقاهم الكاتب في حياتهم مرة واحدة فقط وكانت هي المرة الأولى والأخيرة، وأما الفئة الأخيرة فهم الأشخاص الذين لم يلتقِ بهم الكاتب في حياتهم وجهاً لوجه وإنما لقاؤه بآثارهم أو بمن التقى بهم من أصدقاء أو معارف. كما أن اللقاء يختلف من شخص لآخر فإن الكتابة أيضاً تبدو مختلفة شيئاً ما عندما تكون عن شخص أو عن آخر، ولكن ثيمة النص التي استخدمها الكاتب عن أشخاصه في كلتا المجموعتين تدور حول أحداث وحوادث أغلبها متشابه. ليس هذا مجالاً لنقد كل ما جاء في المجموعتين بل سيكون التركيز على الأكثر تمييزاً فيهما وهو أن الكاتب استخدم العلاقة التي بينه وبين من كتب عنهم وأكد على تدوينها والتعبير عنها في مجموعتيه عند الحديث عن الأشخاص سواء في بداية المقال أو خلاله أو من خلال تلميحاته داخل النصوص وعبّر عنها بمفردة “اللقاء” سواء الأول أو الأخير. ومهما تكن نوع العلاقات إلا أن لقاءه بالشخصية التي يكتب عنها أخذ مجراه في النص ليشكل سرداً أصلياً تنبت منه أحداث مهمة لا بد من ذكرها في المجموعة. ولنبدأ بما جاء في المجموعة الأولى “رحيل” حيث تضمنت ستة عشر نصاً تحمل عناوين المتحدَّث عنهم، وكان أول نص عن الشاعر “سركون بولص” وبعد عدة صفحات أفصح الكاتب عن لقائه الأول بالشاعر في سنة 1989م حيث عبّر بأنه “لقاء يستحق الذكر بشيء من التفصيل لأسباب واعتبارات” هي كانت آخر ما يحتوي عليه النص وذلك بعدما تحدّث عن الشاعر بالقدر الذي رآه مناسباً. “عثمان سمبين” هو أطول نص كتابةً في المجموعة على الرغم من أن الكاتب لم يلتقِ بالمخرج السينمائي ولكن كان يتمنى لو أنه لم يضطر للاعتذار عن عدم حضور المهرجان الذي أقامته جامعة كاليفورنيا عن أعماله خاصّة وأنه قد حجز موعداً معه. وبعد أن ذكر الكاتب عبارات اللقاء الأول واللقاء الذي لم يحالفه الحظ في تنفيذه انتقل إلى تعبيرٍ آخر في اللقاءات وهو “اللقاء الأخير” وكان بدايةً مع الكاتب “مهدي الراضي” حيث قال “سأظل أتذكر إلى أن أموت لقاءنا الأخير في 1983″ معللاً ما ذكره أن “في اللقاءات الأخيرة بين البشر، والتي لا يعلم أحد أنها الأخيرة، ثمة أشياء لا تنسى”. “مي غصّوب” كان عنوانٌ آخر يجمع الكاتب فيه في جملة واحدة اللقاء الأول مع اللقاء الأخير على الرغم من تكرار اللقاءات بين الزمنين وهذا نوع يختلف عن اللقاءات المفردة والتي تعتبر هي الأولى والأخيرة. يقول “التقيت بمي غصّوب للمرة الأولى في نوفمبر أو ديسمبر من 1985، ولا بد أن تكون آخر مرة رأيتها فيها قد حدثت في 1987″. “ليلى فخرو” هي الأخرى التي لم يلتق بها الكاتب “إلا عبر أحاديث، وذكريات عنها تفيض نبلاً، وكرامةً، وإنسانية، وتفانياً، وإخلاصاً، وتضحية، ونكران ذات” وكان أكثر ما يعرفه الكاتب عن شخصيّته جاء “من خلال بعض من كانوا تلاميذها، وزملائها، ومن خلال أصدقاء مشتركين”. نوع آخر من اللقاءات يرسمه الكاتب بطريقة أخرى غير اللقاءات الأولى أو الأخيرة أو حتى من دون أصدقاء مشتركين ولكن من خلال لقائه الأول بما أنتجه الشخص المتحدَث عنه عوضاً عن الشخص ذاته وهذا ما يسرده بلقائه الأول بـ “نجيب محفوظ” حيث يقول: “تعرفت إلى نجيب محفوظ، وأنا أحبو على الباكر المبكر من مدارج الحياة والوعي عبر إحدى رواياته”. لقاؤه بـ”أحمد الذّوّادي” كان له وقع خاص حيث ذكر مناقب من رآه وجهاً لوجه وعبّر عن ذلك بقوله: “فقد لمست في ذلك اللقاء الذي استمر من غروب الشمس حتى طلوعها في شخصه المتواضع والكيّس القدرة غير العادية والأصيلة على التجلي الباهر بكافّة أبعاد وجوده وإنسانيته في نفس اللحظة.” ومن حيث يرى الكاتب أنه لا بد من ذكر اللقاء الأول في مجموعته يأتي نوع آخر أشبه ما يكون بلقائه بـ “نجيب محفوظ” وهو لقاؤه “الأول بفايزة اليعقوبي قد حصل بعد رحيلها” ومما هو مختلف عن لقائه بـ “نجيب محفوظ” فإن لقاءه بـ “فايزة اليعقوبي” الفعلي الذي جاء من خلال قراءته لأعمالها الأدبية حدث بعد وفاتها ويتضح ذلك من خلال قوله: “وبعد أيام قليلة … من تلك المكالمة الحزينة، كانت نسخ من بعض النصوص القصصية لمن اضْطَجَعت في اللحد تتمدد على أديم طاولتي لأقرأ فيها الورد، والرماد، والردى… كي أحاول قراءتها بعد أن غابت”. وعلى هامش حديثه عن “سوزن سونتاغ”؛ عرّج الكاتب قليلاً ليتحدث عن رحيل شخص آخر وهو “ممدوح عدوان” لإصراره على وجود أهمية اللقاء أو بالأحرى أهمية ذكر اللقاء على حسب رؤيته الخاصّة لهذه المفردة. حيث يقول “إن حزني كان شبه شخصي على الرغم من أني لم ألتق بالراحل الكبير سوى في كتبه” وهو نوع من اللقاءات التي حصلت بينه وبين آخرين من خلال النتاج والآثار. وعلى الرغم من أنه يوجد تشابه في اللقاءات المفردة والوحيدة إلا أنه عندما ذكر لقاءه الأوحد بـ “سوزن سونتاغ” كان له أسلوب مميز حيث يقول: “لم ألتق بالمفكرة، والناقدة، والمترجمة، والمخرجة المسرحية، والسينمائية، والكاتبة، والناشطة الأميركية الشهيرة سوى مرة واحدة فقط” وكان الكاتب “مجرد أحد حاضري” اللقاء الذي حضره الكثيرون “وهي تقرأ إحدى قصصها القصيرة”. وأما تحت عنوان “يوسف الخليل” كان لقاء الكاتب بهذا القاص، والروائي، والمؤلف والمخرج والناقد المسرحي السوداني تشريفاً؛ حيث يقول: “حيث كان لي شرف التعرف إليه من خلال وجودي” في “دولة الإمارات”. وفي هذه الدولة أيضاً التقى بشخصية سودانية أخرى وهو “محمد أبو القاسم حاج حمد” ولكن اللقاء في هذه المرة كان عكسياً؛ إذ أن صاحب مكتبة “الإنماء الثقافي” هو الذي بدأ بالتعرف إلى الكاتب؛ يقول في ذلك: “لكن يبدو أن الرجل قد لاحظ ترددي على المكتبة، .. فإذا به يتقدم نحوي مبتسماً .. متسائلاً، بتهذيب شديد، عمّن أكون” في هذا فإن الكاتب لم يكتف بذكر اللقاء الأول هذا الذي لا يشبه اللقاءات الأولى التي ذكرها في عناوين مختلفة وكأنه يريد أن يتدارك اللقاء فقد جاء باللقاء الأخير ولكنه لم يضف شيئاً مؤكداً ذلك قوله: “ليس لدي الكثير مما أستطيع قوله فكرياً عن الفقيد الذي التقيت به لآخر مرة في 1983.. وكنت أسمع أن أبا القاسم بصدد إنشاء دار نشر أو إصدار، أو أنه صار الآن يعمل” وفي نص آخر؛ لم يكن لقاء مثل اللقاءات التي تكون بين شخصين عندما تحدث الكاتب عن ذكريات الطفولة مع صديقه “بدر الفارسي” الذي “مات، ولم يترك وراءه غير الأسى والفقد وصورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود” لكن تلك الذكريات بقيت إلى أن كبر “الطفل القادم من قرية صغيرة في الباطنة، والذي اصطحبه أبوه في زيارة للأقارب في العاصمة” وسطّر بعض الذكريات المصحوبة بألم الفرقة في مجموعته. وفي دولة الإمارات أيضاً وتحديداً في أبوظبي التقى الكاتب بـ “جمعة الفيروز” ويقول في ذلك: “فقد كان لقاء ذلك الفيروز الجلفاري أروع ما حدث لي في السنة الأولى من استقراري في مدينة أبو ظبي” ولكن “لم تتح لي فرصة لقاء موسع بجمعة الفيروز، لكن ما حدث هو أني صادفت جمعة الفيروز في شيء من الفعاليات الثقافية..” ويبدو جلياً أن يذكر الكاتب أهمية اللقاءين الأول والأخير عندما تحدث عن “علي العنْدل”، وعلى الرغم من وجود عدة لقاءات بينهما ولكنهما “قد كانا الأطول في حفنة تلك اللقاءات.. كانت المرة الأولى عند الضحى، والثانية في الليل..”. “موزة الضَّوعني” التي لم يذكر عن لقائه بها أو عن لقائها به كان عنوانا جديدا وأسلوب آخر حيث لا تتوفر لقاءات بين أشخاص على غرار النصوص التي تزخر بها المجموعة بيَد أن الكاتب تحدث عن شخصيته بصورة مميزة في ذاتها لينقل تجربة لا تقل شأناً عن النصوص التي تتوافر فيها لقاءات بمختلف أنواعها ولكن الحديث عن هذه الشخصية جرّ وراءه الحديث عن أمور تتعلق بمناسبات شبيهة خاصّة عندما يكون الحديث عن المعمرين الذين هي منهم. “محمد الراشدي” وهو الشخص الذي تربطه بالكاتب علاقة زمالة في الجامعة بأميركا وكما هي عادة الزملاء فإن اللقاءات من الصعوبة أن تكتب ولكن الكاتب سَرَدَ عدة لقاءات متفرقة رأى أنه لابد من ذكرها “في ممرات الجامعة.. في الطريق إلى المكتبة.. في محل سوبر ماركت”.
لم تكن المجموعة الثانية “قنديل بعيد عن الشمس” سوى امتداد للمجموعة الأولى ولكن تتباين فيها النصوص بتباين الأشخاص حيث هي عبارة عن “شهادات عن أرواح ووجوه” وما يهمنا هنا هو الشهادات التي كُتبت عن الأرواح إضافة أو استكمالاً لما بدأت به المجموعة الأولى “رحيل”. في إهدائه الكاتب ومن غير تؤدة يرسل عباراته “إلى الذين مضوا، وإلى الذين سوف يمضون” وربما إلى الذين سيمضون أيضاً!! وهي دلالة اهتمامه البالغ بما أثرى به الوقت الشاسع بين المجموعتين للمزيد من الأشخاص. ومن ناحية اللقاءات فتوجد هنا كسابقتها وأيضاً بشكل فريد آخر تحت عنوان “أحمد الزبيدي” كان اللقاء الأول له عباراته الخاصّة حيث يقول: “في تلك الظهيرة الصيفية القديمة تعانقنا للمرة الأولى” وقبل ذلك كان الكاتب على معرفة بشخصيته من خلال نتاجه الأدبي “خاصّة عندما يتعلق الأمر بالتاريخ العماني”، يقول: “عرفته قبل أن أراه. رأيته قبل أن أعرفه”. “تِشوما غابريل” وهو النص الثاني من المجموعة و يبدو أن الكاتب يعرفه جيداً وفي ذلك يخاطبه: “يمكن أن يحضر أي شيء في اللقاء بك والاستمتاع بأحاديثك المتشابكة والمتشعبة التي تختلط فيها النكت الجنسية والسياسية البذيئة بالسياسة بالسينما بالفكر بحكايات قديمة من أفريقيا..” وفي خضم اللقاءات المتكررة مع الشخصية لم يكن لأولها أو آخرها واضح في النص، وهذا نوع ربما يكون نوعا آخر من أساليب اللقاءات المختلفة مع الأشخاص الذين كتب عنهم. في “عبدالرحن النعيمي” يبدو ذكر اللقاء على استحياء عندما صرّح بذلك الكاتب: “ستكون محظوظاً بالطبع إن أنت التقيت عبدالرحمن النعيمي عدة مرات في وقته المزدحم دوماً بالمشاغل العديدة، لكن لا يتوجب عليك أن تلتقيه سوى مرة واحدة فقط لا غير..” ولست أدري إن كان الكاتب من المحظوظين أو من الذين هم أكثر حظاً أم غير ذلك!! ولا يبدو ذلك بين سطور النص. صدفة اللقاء الأخير مما يعني الكاتب كثيراً وبشكل صريح عند لقائه بـ “عبدالله أخضر” ويقول في ذلك: “يعنيني الكثير في أن آخر لقاء لنا قد حدث بمحض الصدفة الوداعية لمن وصلا في الصالة الداخلية للقادمين في مطار مسقط”. عدة لقطات جمعت الكاتب بـ “علي المعمري” ولكن لم ترد مفردة اللقاء صريحة وكانت البداية ضمن مظاهرة “احتجاجاً على احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث” وفي وسط تلك المظاهرة كانا “مجرد قطرتين صغيرتين في تلك الأمواج الصاخبة..” تلتها عدة لقاءات ومجموعة زيارات. “غلام خميس” عنوان آخر وردت فيه مفردة “اللقاءات” من دون تعمّد، فقد بدأ الكاتب بذكر تشرفه بالتعرف إلى شخصيته والتحدث إليها في سنة 1983م أولاً؛ وما تلى ذلك في “النادي الأهلي وملعبه وكذلك في المباريات التي كان يلعبها النادي” “وقد حدثت تلك اللقاءات والأحاديث غالباً بصحبة أصدقاء ومعارف مشتركين”، هكذا إذاً هي صيغة اللقاء. في “محمود درويش” لم يكن هنالك لقاء أو على سبيل اللقاء بل بدى الشعر أكثر حضوراً وكذلك الإخبار عن بعض الأحداث ومنه نستشف الإعجاب الشديد من الكاتب بشخصيته وتأثره بها. ومن نافل القول إن اهتمام الكاتب باللقاء كان لابد من ذكره حيث لن يتسنى له ذلك بعد الرحيل ولكنه على الرغم من ذلك فهو لا يزال يلتقي بمن يحب بطريقته التي يراها مناسبة.

محمد الراشدي

إلى الأعلى