الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مبعدو الثورة..طفيليوها .. والثمانون دينارا!

مبعدو الثورة..طفيليوها .. والثمانون دينارا!

د. فايز رشيد

” الإبعاد هو جريمة حرب كبرى لقهر المناضلين الفلسطينيين, يُقتلعوا من ديارهم ووطنهم المفتوح أمام كل مهاجر لقيط, يأتي بهم الكيان الصهيوني لفلسطين المحتلة على مراحل. المبعدون يفقدون حتى فرصة دفن جثامينهم في وطنهم الفلسطيني, رغم أن كلّا منهم يحنّ لأرضه حيا وميتا, الكيان لا يريد حتى احتضان وطننا لأبنائه في حالة الوفاة!”

عاتبني صديق على عدم كتابتي عن قضية المبعدين الفلسطينيين, وأنا أحدهم. اعترفتُ له بتقصيري حول هذه القضية. وهأنا أنفذ وعدي. لجأت سلطات الاحتلال الفاشي الصهيوني, منذ احتلالها الضفة الغربية وقطاع غزة في أعقاب هزيمة عام 1967, إلى اتباع سياسة ممنهجة لتهجير وإبعاد المواطنين الفلسطينيين من أرضهم ووطنهم, مستخدمه في ذلك عدة وسائل, تبدأ من العنف المباشر والطرد بالقوة المسلحة, إلى أسلوب الإبعاد بالتهجير غير المباشر عن طريق الإرهاب الجماعي وتدمير المنازل والأحياء والقرى. كما الإبعاد الفردي إلى الدول الأخرى بعد السجن أو من دونه. لقد بلغ عدد المبعدين الفلسطينيين منذ عام 1967إلى عام 1987 تسعين مبعدا ( وفقا لإحصائيات الجهات المعنية الفلسطينية).أيضا شهدنا حملة إبعاد جماعية للعديد من المعتقلين, مثل قضية مبعدي مرج الزهور, وقد كان عددهم415 ناشطاً فلسطينياً من الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين,عندما قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإبعادهم إلى ذات المنطقة في جنوب لبنان. وقد تم هذا الإبعاد في 17 كانون الأول/ ديسمبر عام 1992. قام هؤلاء الأخوة بالمرابطة في تلك المنطقة لإرغام سلطات الاحتلال على إرجاعهم, وقد نجحوا في ذلك. بقوا في مرج الزهور حتى عادوا على مراحل, وتم ذلك على عدة أشهر في عام 1993.أيضا قامت سلطات الاحتلال النازي الصهيوني(10 أيار/مايو2002) بإبعاد تسعة وثلاثين مواطنًا فلسطينيًا ,احتموا داخل كنيسة المهد في بيت لحم. ووفقاً لاتفاقية سلطوية فلسطينية – إسرائيلية (من أجل إنهاء حصار قوات الاحتلال للكنيسة على مدى 39 يومًا)تم إبعاد 13 منهم إلى خارج الوطن, عن طريق مطار اللد (بن غوريون),إذ نقلوا إلى قبرص, ثم وزِّعوا على عدة دول أوروبية, و26 فلسطينيًا تم إبعادهم إلى قطاع غزة بواسطة حافلات.كثيرون عادوا بعد اتفاقيات أوسلو مع السلطة, وآخرون لم تتضمنهم قوائم السلطة من الأساس, والبعض رفضهم الكيان تماما.حتى أحدهم وعندما دخلت زوجته عام 1996 لحضور اجتماع دورة المجلس الوطني الفلسطيني في غزة, قدمت للسلطة طلبا بعودة زوجها,وبعد أيام عندما ذهبت للموظف الفلسطيني لمراجعته. اتصل الأخير بنظيره الإسرائيل, فأجاب الصهيوني اللقيط قائلا على الهاتف المسموع: «أبلغها, أنه لم ينزل في التوراة أن نمنحه الموافقة للعودة».

كان من المفترض أن تتم عودة مبعدي الكنيسة بعد عام من إبعادهم, لكن السلطة الفلسطينية , ورغم وقوف هؤلاء على اعتاب العام 15 للإبعاد, ومعاناتهم المستمرة , والتي تتفاقم يوما بعد يوم , لم تراجع سلطات الاحتلال الصهيوني في قضيتهم , ولم تصنع من هذه القضية شرطا (على سبيل المثال لا الحصر), بتوقيف التنسيق الأمني السيئ الصيت والسمعة, ولا بوقف اتفاقية باريس الاقتصادية معه, إن لم يلتزم باتفاقية مبعدي الكنيسة, التي سبق له وأن وقعها!. للعلم, المبعدون يصدرون بيانات بين الفينة والأخرى, ولكن للسلطة الفلسطينية «أذن من طين, وأذن من عجين!». مؤخرا, طالب هؤلاء الإخوة في بيان لهم, الرئيس محمود عباس بالعمل على عودتهم ورفع قضيتهم الى محكمة الجنايات الدولية , باعتبارها جريمة حرب,وطالبوا السفارات الفلسطينيةفي الخارج, تأمينهم ماديا وتوفير الامن والحماية لهم في الدول الاوروبية, وخاصة بعد حادثة اغتيال الاسير الشهيد عمر النايف. كما طالبوا المعنيين الفلسطينيين بالعمل على تأمين زيارات أهاليهم لهم. كما طالبوا الامم المتحدة, بتحمل مسؤولياتها والضغط على سلطات الاحتلال من اجل الموافقة على عودتهم ,ووقف جرائم الابعاد بحق أبناء شعبنا.وطالبوا أيضا طرفي الانقسام بسرعة انهاء الانقسام ,من اجل تحقيق الوحدة الوطنية, والحيلولة دون استمراره.
الإبعاد هو جريمة حرب كبرى لقهر المناضلين الفلسطينيين, يُقتلعوا من ديارهم ووطنهم المفتوح أمام كل مهاجر لقيط, يأتي بهم الكيان الصهيوني لفلسطين المحتلة على مراحل. المبعدون يفقدون حتى فرصة دفن جثامينهم في وطنهم الفلسطيني, رغم أن كلّ منهم يحنّ لأرضه حيا وميتا, الكيان لا يريد حتى احتضان وطننا لأبنائه في حالة الوفاة! أرأيتم أي نوع من الأعداء نواجه؟ عدو ما بعد نازي, ما بعد فاشي, عدو, نحن بحاجة إلى أسلحة جديدة لا تمحو أجساد الأغراب فقط, بل تمحو أثرهم من التاريخ والذاكرة. كيف للقيط البولندي بيرس أن يدفن في أرضنا وفي القدس , وأنا وإخوتي من بعض المبعدين( الذين لم يقبل الكيان بإعادتهم رغم اتفاقيات أوسلوا, أو رفض السلطة ضمهم إلى قائمة العائدين معها!)محرومون من هذا الحق؟.
أما المتطفلون على الثورة الفلسطينية, فما أكثر عشرات الآلاف منهم, يقبضون رواتب شهرية, مؤمّنون سكنا وطبابة وسفرا! إضافة إلى امتيازاتهم الأخرى,التي لا يعرفها إلا الله تعالى وقيادة السلطة بالطبع, وهؤلاء أنفسهم. رغم أن معظمهم لم يشارك في الثورة لا قتالا , ولا حتى نضالا سياسيا, ولم يعتقل يوما, ولم يُبعد, وعلى هذه الشاكلة قس!.أما المناضلون الحقيقيون, فمن حقهم, رواتبهم بالطبع. كما تأميناتهم. للعلم, كثيرون من المناضلين, كانت تقطع رواتبهم ولا تزال, فقط , لأنهم يخالفون النهج السياسي لقيادتهم, والتي هي قيادة السلطة.
أما بالنسبة لحكاية الثمانين دينارا, فهي قصة سأرويها باختصار: كنّا 11 مبعدا, أبعدهم الكيان عام 1970 في أجواء أحداث أيلول الأسود في الأردن.أبعدنا عن طريق صحراء غور الصافي, وبعد قضاء بضعة أيام للتحقيق والتحقق, جرى تسليمنا إلى مكتب م. ت .ف في عمان. قابلنا الأستاذ يعقوب العبيدي (أمدّ الله في عمره), وسلّم كلا منا مبلغ 80 دينارا أردنيا.اعتقدتُ أن هذا سيكون مقدمة لمبلع شهري! الذي حصلَ, وقد عرفتُ ذلك من زملائي المبعدين, وقد حرصنا على الاجتماع أسبوعيا في إحدى مقاهي عمان. ما حصل, أن تسعة منا من التنظيم الفلسطيني الأكبر حينذاك , جرى تخصيص رواتب شهرية واستئجار بيوت لهم وتأثيثها, وصُرفت لهم مبالغ مالية من المنظمة, لشراء سيارات والبدء بمشروع إنتاجي, افتتاح محل بقالة, شراء سيارة أجرة وغيرها. اثنان منا, وهما المرحوم عبدالله عدوان, وكاتب هذه السطور, فاقتصرت المساعدة العاجلة والآجلة لهم على مبلغ الثمانين دينارا!. بصراحة شديدة, لو لم أجد بيت شقيقتي المتزوجة وزوجها, الساكنين وعائلتهما في العاصمة الأردنية, ومساعدة أهلي, لتهتُ في شوارع عمان!. يتكرر الأمر حين أصبتُ بالسرطان, قبل أربعة أعوام, ولزمتني عملية جراحية تكلف مبلغا كبيرا من المال, لم تمد جهة فلسطينية يدها لي, حتى لو كلاما! ولولا قانون في الأردن يحق بموجبه العلاج من السرطان مجانا لكل مواطن أردني, لما تمكنت حتما من إجراء العملية. هذا هو أحد جوانب ثورتنا الفلسطينية المعاصرة! وتسألون, لماذا يتراجع المشروع الوطني الفلسطيني وقضيتنا عقودا إلى الوراء؟.

إلى الأعلى