الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : أمة فـي الزنود السمر تبتسم

باختصار : أمة فـي الزنود السمر تبتسم

زهير ماجد

بكى الشاعر المصري فاروق شوشة، الذي نودعه اليوم، وهو يعلق على خطاب التنحي للزعيم الراحل جمال عبد الناصر إثر النكسة الكبرى عام1967 .. كلنا أجهشنا بالبكاء، وما زالت دموع عالقة في قلوبنا ترفض أن تخرج. لذلك جيلنا خزان حزن وأسى، مشفوع بكبرياء لم تصله الأجيال اللاحقة. أحيانا تغسل دواخلنا كلمات من خصمنا وعدونا، حين يتحدث عن ذلك التاريخ كأن يقول مسؤول الاستخبارات الإسرائيلية السابق شلومو غازيت إن انتصار إسرائيل في ذلك العام خطير عليها، وكنت قرأت لمفكر عربي من أصل تركي هو عزمي مورهلي عن نصرها ذاك أنه دق أول مسمار في نعش إسرائيل، بل قرأت مرة جملة لقائد عربي يقول فيه « إن النصر يتحول إلى فخ للمنتصر إذا لم يستثمره».
تراكمت السنوات في مواجهة تحديات ظلت ماثلة أمام العرب .. لكنها لم تصل يوما إلى هذا المعاش، فقد كان ثمة من يقهر التطورات السلبية، إذ كان النظام العربي قويا مستحكما في حكمه، مقتدرا في تسيير عالمه وسط أي مصاعب. صحيح أن الحرب الباردة صانت أنظمة كان على اللاعب الأميركي مثلا أن لايتخطاها، وصحيح أيضا أن أنظمة عربية ولدت كي تعيش كما بشر دائما الرئيس اليوغوسلافي الراقي جوزيه بروز تيتو.
هل فقدت المنطقة مناعتها مع الوقت لأنها أصابت أخطاء أثرت على قواها الذاتية؟ لعله سؤال مشروع أمام الضعف الذي اجتاح أقطارنا فانزل بها ثأرا دفينا مارسه الغرب بكل تنوعاته، وكان ذلك بمثابة هدية للكيان الإسرائيلي الذي راهن دائما على وصول العرب إلى هذه الحالة، وكان ينتظر حدوثها، لكي يتدخل بقوة .. لعله انتظار تاريخي بالنسبة إليه يحصل الآن أمام عيوننا التي عاشت مراحل، لكنها لم تتوقع يوما أن تصل مسيرة الأمة إلى هذا التعثر بل الرهان على وجودها.
مايجري عربيا هو أكبر بكثير من أية كتابة تصفه أو تستقرئه أو تبني عليه. لم تصل اللغة العربية إلا أن تكون تعبيرا دقيقا عنه .. لقد عجزت كل كتابتنا على الإيغال في حقيقة هذا الواقع العربي .. لكنه لن يكون قدرا فيه الكثير من اليأس بقدر ماحرك فينا، ربما لأول مرة ، قوة دفينة هى على حد قول مفكر عربي كبير « قوة دفينة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ» ، وهاهو التاريخ يتغير بعد أن نالت أقطارا صدمتها، هاهي تعيش حراك الدفاع عن الذات كي تؤسس من جديد، بل هي فعلا تؤسس قيمها الذاتية من خلال لهيب النار لترد عليها بنار اقوى ، فحركة المغول والتتار في التاريخ تعود ولو بشكل مختلف وبأدوات تماشي عصرها، إلا انها تواجه بتصميم رائع يكتبه رجال من أمة تبتسم في زنودها السمر، كما يقول الشاعر سليمان العيسى.
بكى فاروق شوشة في تلك اللحظات الصعبة وأبكانا ، لكن الشاعرة فدوى طوقان ختمتها ذات يوم حين ردت فيه على الشاعر محمود درويش بأنها يمينا بعد اليوم لن تبكي كما قالت. ومن جمال طالعنا أن رجالا لايبكون سوى انهم يصنعون غدا الذي هو أجمل التاريخ برأي الشاعر اللبناني سعيد عقل. رحمك الله يافاروق شوشة وألف عنفوان على زمانك ، زماننا الأجمل.

إلى الأعلى