الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أسرار العدوان الثلاثي على مصر فـي ذكراه الستين «2ـ3»

أسرار العدوان الثلاثي على مصر فـي ذكراه الستين «2ـ3»

د.أحمد القديدي

” عاد عبدالناصر من مؤتمر باندونع 1955 موشحا بوشاح الزعيم الصيني (شوان لاي) ومحصنا بصداقة الزعيم اليوغسلافي (بروز تيتو) وتحول في نظر العرب إلى زعيم القومية العربية وفي نظر العالم الثالث إلى زعيم كتلة عدم الانحياز منذ مؤتمر باندونغ. وكانت غاية (ايدن) أن يمنع عبدالناصر من الزعامة العربية على حساب مصالح بريطانيا وأوروبا بأكملها وأميركا.”

استعرض معي وزير خارجية فرنسا إبان العدوان الثلاثي على مصر في الحلقة الأولى تفاصيل الإعداد للعدوان وكيف أن (بن جوريون) رئيس حكومة إسرائيل تحيل على فرنسا وبريطانيا بالإدعاء أن عبد الناصر يستعد لإبادة يهود الدولة العبرية وأن إسرائيل سوف تشن حربا استباقية وتريد من باريس ولندن مجرد غطاء جوي. يقول كريستيان بينو: «أعتقد أن كثيرا من أعضاء الحكومة الفرنسية في ذلك الحين كانوا يؤمنون بذلك الطرح الإسرائيلي للأسباب النفسية التي ذكرتها آنفا وبعضهم كان لا يؤمن به وانما كان يريد تلقين درس لعبد الناصر انتقاما منه وعقابا لمصر لإعانتها للثورة الجزائرية, ولكن هؤلاء واولئك وجدوا في عرض (بن جوريون) فرصة سانحة لتحقيق غاياتهم. وجاء الاجتماع السري الذي اصبح شهيرا بعد ذلك باسم (لقاء سيفر) او (اتفاق سيفر) في فيلا بالمدينة الفرنسية الصغيرة قرب باريس (SEVRES) حيث تقابلت مع (بن جوريون) الذي جاء في زيارة سرية الى باريس ومع (ايدن) رئيس الحكومة البريطانية الذي لم نعلن عن زيارته الى بلادنا. وفي الحقيقة لم يكن اجتماع (سيفر) اتفاقا بل كان مجرد وثيقة خطية حررت بيننا نحن الثلاثة ولكنني فوجئت بإعلان (ايدن) بان بريطانيا لا تنوي التوقف عند حد اعانة إسرائيل وتوفير غطاء جوي لها بل هي مستعدة لاحتلال القناة وانزال جيوشها في بورسعيد ففهمت من اعلان (ايدن) ان بريطانيا تريد منع اسرائيل من احتلال القناة واستفراد لندن بهذه العملية نظرا لوضعها الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط. فرفضت أنا باسم فرنسا قطعيا هذا الاقتراح واعلمت (بن جوريون) و(ايدن) انه لا مجال للاحتلال الدائم بل ان العملية العسكرية كما نراها تهدف لمنع التأميم بالقوة وتلقين عبدالناصر درسا قاسيا. وفعلا نسقنا العملية العسكرية وتمت من 29 اكتوبر الى 7 نوفمبر 1956 واحتل الجيش الإسرائيلي سيناء وبدأت الساحة الدبلوماسية تتحرك بعد وقف اطلاق النار. فمن موسكو جاء تهديد خروتشوف بضرب لندن بالقنابل ان تواصلت العملية ضد مصر, وقد تقابلت بعد ذلك عشر مرات مع خروتشوف في موسكو شهورا وسنوات بعد العملية الثلاثية وسألته: هل كانت موسكو تنوي بحق ضرب لندن لو تواصلت العملية, فكان جوابه لا لقد هددنا للتخويف فقط. ومن جانب اميركا فان وزير الخارجية (جون فوستر دالس) اكد لي مرات عديدة بعد العملية ان غاية اميركا كانت إقصاء فرنسا وبريطانيا عن أهم المناطق الاستراتيجية في العالم حين أخذ الرئيس (إيزنهاور) موقفا منددا بالعدوان الثلاثي. يواصل الوزير بينو استعادة ذكرياته عن تلك المغامرة العجيبة ويضيف:»ولنعد الى ايام العملية العسكرية: تلقيت في اليوم الثالث مكالمة هاتفية من (ايدن) يقول لي فيها: (انني قررت سحب قواتي من بورسعيد وإيقاف القتال, فاكملوا المشوار لوحدكم, اما من جانب القوات الفرنسية فكانت خسائرنا معدومة اذ لم نفقد الا ضابطا واحدا .. وكان موته من جراء حادثة شاحنة. وتحركت منظمة الأمم المتحدة وامينها العام النشيط (داغ هامرشولد) لتتوسط في فك الاشتباكات وتشرف على سحب القوات. واعتقد بعد هذا الزمن الذي مر ان خروج شارل ديجول من الحلف الأطلسي جاء نتيجة تخلي اميركا عن اوروبا في عملية السويس, فقد كانت اوروبا تطمح للعب دورها كقوة اقتصادية كبرى في مجال الاحتفاظ بمناطق نفوذ سياسي وثقافي. واذكر ان محمد حسنين هيكل كتب في الأهرام بعد العملية ومفاوضاتها اللاحقة قائلا: : «ان (ايدن) هو عدونا الحقيقي لكن المفاوض الصعب كان (كرستيان بينو)». وهناك حدث آخر يبدو بعيدا عن قناة السويس ولكنه ملتصق بأحداث السويس ألا وهو عملية القرصنة الجوية التي قام بها الجيش الفرنسي واختطاف احمد بن بيلا الزعيم الجزائري للثورة المسلحة ورفاقه الأربعة, وكانت طائرتهم تقلهم من المغرب الأقصى الى تونس, فقد كانوا ضيوفا لدى الملك محمد الخامس وكانوا ذاهبين للاجتماع مع رفاقهم بجبهة التحرير الجزائرية في تونس حيث كانوا ضيوفا لدى الحبيب بورقيبة, فهذه العملية القرصانية نفذها احد قادة الجيش (ماكس لوجون) باذن خاص وسريع من وزير الدفاع ولا ادري حقيقة ذلك اليوم هل كان رئيس الجمهورية او الوزير الأول على علم بالذي حصل ؟ فالمغرب وتونس كانتا دولتين مستقلتين وهذه ضربة في ظهر العلاقات التي كانت طيبة مع ملك المغرب ورئيس تونس. ومن جهة اخرى اذكر كلمة قالها لي (فوستر دالس) في الباكستان ولم انسها لانها عرفتني على العقيدة السياسة الاميركية الثابتة اذ قال لي: اسمع يا كرستيان, نحن الاميركان لدينا نوعان من الدول: النوع الاول هي الدول المسيحية وذات الاقتصاد التحرري والثاني هي كل الدول الأخرى, الاولى اصدقاء والثانية اعداء.

سألت كريستيان بينو عن العبر التي استخلصها هو ذاته وحكومته بعد سنوات من العدوان الثلاثي فأجابني دون تردد:
«ان تلك العملية العسكرية كانت مغامرة غير محسوبة العواقب ولم ترفع رأس فرنسا ولا بريطانيا ولم تكن لها اي نتائج ايجابية بل كان الاسرائيليون هم المستفيدون الوحيدون منها وحدهم. وأضاف مخطط العدون ومنفذه قائلا : لقد سجل ( دوايت ايزنهاور) الرئيس الأميركي إبان العدوان في مذكراته انه لم يكن على علم بنوايا فرنسا وبريطانيا الخطيرة في الهجوم على مصر, في حين كنت اعلمت سفير اميركا في باريس قبل ايام ولم يكن من المعقول ان تتحرك قوتان كبيرتان في الحلف الاطلسي مثل فرنسا وبريطانيا دون ان تكون الاخت الاميركية الكبرى على علم! ــ وواصل الوزير بينو يتذكر :»كان (ايدن) يعتقد اعتقادا جازما ان جمال عبدالناصر عميل سوفييتي ويأتمر بأوامر موسكو». فقد عاد عبدالناصر من مؤتمر باندونع 1955 موشحا بوشاح الزعيم الصيني (شوان لاي) ومحصنا بصداقة الزعيم اليوغسلافي (بروز تيتو) وتحول في نظر العرب إلى زعيم القومية العربية وفي نظر العالم الثالث إلى زعيم كتلة عدم الانحياز منذ مؤتمر باندونغ. وكانت غاية (ايدن) ان يمنع عبدالناصر من الزعامة العربية على حساب مصالح بريطانيا واوروبا باكملها واميركا.

ــ قدمت وكالة الاستخبارات الأميركية (سي. اي ايه) للرئيس (ايزنهاور) عدة سيناريوهات لاغتيال جمال عبدالناصر ورفضها كلها وعندما سألته شخصيا ذات يوم عن سر رفضه لاغتيال عبد الناصر قال لي: ان اغتياله سوف يزيد من زعامته لكن العمل الناجع الحقيقي إزاء العرب هو أن نتركهم ضعفاء وتابعين لعدة أجيال.ـ

إلى الأعلى