الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / اعترافات بريطانية متأخرة (2-2)

اعترافات بريطانية متأخرة (2-2)

” لم يكن كامرون وحده، فأعضاء البرلمان البريطاني لم يفعلوا شيئا لليبيا وهي تنزلق إلى الحرب الأهلية، والفوضى، والخراب إلى درجة أن يطلق عليها الآن صومال البحر المتوسط. ورأى الكاتب إن هذا يوضح كيف سيرسم التاريخ صورة لكاميرون كشخص محدود الرؤية بشكل بائس، وأنه كان يقوم بما يحتاج القيام به لمجرد الخروج من مأزق مؤقت لكنه غير قادر على رؤية الصورة الكاملة. ”

كاظم الموسوي

بعد تقرير تشيلكوت حفلت وسائل الاعلام البريطانية، بأخبار ما انتهت اليه لجنة تحقيق اخرى بشأن غزو وتغيير النظام في ليبيا، كما سمتها وسائل الاعلام. وكانت اللجنة الخاصة بالشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني، واغلب أعضائها، الذين أعدوا التقرير، ومعظمهم من حزب المحافظين الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء السابق ديفيد كامرون، واضحة تماما في توجيه اللوم في تقريرها: “كان رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، من خلال قراراته، هو المسؤول الأول والأخير عن فشل وجود سياسة متكاملة بشأن ليبيا.” وعلق كثيرون بان التقرير كان ادانة واضحة لرئيس الوزراء البريطاني، وان ما قام به كان حماقة، وقد وصف التقرير التدخل في ليبيا بأنه كان متهورا وقصير الأمد .. وحمل التقرير اضافة الى الإدانة المباشرة لقرار رئيس الوزراء ادانة لكل مرحلة من مراحل عملية ليبيا. فلم يستند القائمون بالحرب على المعلومات الاستخباراتية الكافية، ولم يتم القيام بأي شيء من أجل ليبيا بعد التدخل العسكري فيها. ويعد التقرير وصفا تفصيليا لمقولة الرئيس الأميركي باراك أوباما الأخيرة بأن ما حدث في ليبيا كانت مغامرة مزرية، وخطأ ارتكبته إدارته ايضا. وهذه دروس مكررة في مثل هذه التقارير ولم يستفد منها عمليا. ونقل كاتب في صحيفة الجارديان البريطانية، التي بدت في الآونة الاخيرة متناقضة في مواقفها السياسية بصدد شؤون المنطقة، إن مجلس العموم وافق بأغلبية 557 صوتا على التدخل في ليبيا. وكان كرسبن بلنت، رئيس اللجنة التي كتبت التقرير، من بين الموافقين على التدخل في ليبيا، بالإضافة إلى كل أعضاء حزب العمال تقريبا، فيما عدا جيرمي كوربن، الذي كان بين 13 نائبا في المجلس عارضوا القرار. وذكر الكاتب إنه تم اقناع هؤلاء المصوتين بضرورة ما بدا مذبحة وشيكة سيقوم بها معمر القذافي ضد المدنيين في بنغازي. وأفاد تقرير لجنة بلنت، بحسب وصف الكاتب، الآن إنه كانت هناك مبالغة في حجم هذا التهديد. لكن بلنت لم يفكر بهذه الطريقة عندما قرر ومعه 556 عضوا الموافقة على التدخل. على أن الاتهام الأوضح لكاميرون هو أنه سمح للمهمة الأصلية للتدخل بالحدوث دون تخطيط واضح لما سيحدث بشأن تغيير النظام في ليبيا. والأسوأ من ذلك هو أن كاميرون كان قليل الاهتمام بليبيا بعد التدخل العسكري. من المؤكد أنه شعر بالسعادة في التقاط الصور له كأنه محرر البلاد مع الرئيس الفرنسي ساركوزي، لكنه لم يفعل شيئا بعد ذلك، بحسب الكاتب في الصحيفة.
لم يكن كاميرون وحده، فأعضاء البرلمان البريطاني لم يفعلوا شيئا لليبيا وهي تنزلق إلى الحرب الأهلية، والفوضى، والخراب إلى درجة أن يطلق عليها الآن صومال البحر المتوسط. ورأى الكاتب إن هذا يوضح كيف سيرسم التاريخ صورة لكاميرون كشخص محدود الرؤية بشكل بائس، وأنه كان يقوم بما يحتاج القيام به لمجرد الخروج من مأزق مؤقت لكنه غير قادر على رؤية الصورة الكاملة. وأن هذا الأسلوب ربما كان مناسبا في بعض الحالات في الأمور السياسية اليومية.
تبع ذلك الاعتراف والإدانة قرار حكم بريطاني يدين جنودا من قوة الاحتلال البريطاني لجنوب العراق، بإغراق طفل عراقي، اثناء غزو واحتلال العراق في اذار/ مارس ٢٠٠٣ وذكر تحقيق قضائي، كُشف عنه أن القوات البريطانية تركت الصبي “بمفرده ليغرق” في قناة المياه القذرة بعد القبض عليه مع مجموعة قيل انهم قاموا بعمليات نهب عندما اجتاحت الفوضى المدينة. وقال السير جورج نيومان، وهو قاض سابق في المحكمة العليا، بعد الاطلاع على الأدلة من عشرات الشهود من قادة وأفراد ومدنيين، إن الصبي “عومل بشكل غير قانوني”. حسب ما نقلته الوكالات الاخبارية.
هذه جريمة واحدة من بين سيل من امثالها، كشف عنها ورغم ذلك تحاول رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي الدفاع عن سمعة جنودها، والضغط على المختصين التغطية وتعمية مثل هذه الجرائم والارتكابات غير القانونية وغير الانسانية وغير الأخلاقية. وكان المفروض منها ومن غيرها التأكيد عليها والإشهار بها، لكي لا تتكرر ولا تصبح وصمة عار ابدية، كما هي حال الجرائم المرتكبة في احتلال العراق ومن سبقه او من لحقه. التاريخ لا يتساهل معها ولا مع الساعين الى اخفائها او نسيانها.
من بين من أدلوا بشهادتهم في قضية الصبي العراقي، عياد سالم حنون، عامل في أحد المصانع كان محتجزا معه واثنين آخرين بالقرب من مستشفى البصرة العام. ووفق صحيفة الجارديان ان حنون افاد بأنه لم يسرق أي شيء، لكنه تعرض للقبض عليه وللضرب على يد الجنود البريطانيين ثم للاحتجاز في مركبتهم. ووصف حنون في شهادته: “انطلقت العربة المدرعة، وكان جنديان بريطانيان خلال الرحلة يجلسان أمامنا واستمرا في ضربنا وركلنا بأحذيتهم. وتوقفت العربة اسفل جسر الزبير، وفك الجنديان قيودنا وراحا يصرخان فينا للنزول إلى النهر”، وإن المتهمين الآخرين سبحا عبر النهر قبل أن ينزل هو وأحمد إليه. وأكد “لم يكن أحمد يعرف السباحة ولم أكن أنا سباحا جيدا لذلك بدأنا في التوسل إلى الجنود … لكنهما لم يستمعا إلينا ودفعانا إلى الماء تحت تهديد السلاح”. وخلص حنون إنه كان يدفع الماء برجليه بينما كان أحمد يغطس ويطفو. ورأى أحد الجنود يخلع ملابسه وأعتقد أنه كان يهم الى إنقاذ أحمد، لكن الجندي تلقى أمرا بالانصراف”. وانتهى حنون قائلا إن أحمد غطس ولم يظهر بعد ذلك، وإن والده وجد جثته في النهر بعد يومين.
حاول الدفاع عن الجنود الأربعة في المحكمة اعتبار حنون شاهدا لم يعتد به، بادعاء اختلاف في شهاداته التي قدمها خلال فترات متفاوتة على مدار عدة أعوام. لكن القاضي السير جورج نيومان قال عام 2016 إن شهادته كانت “صالحة بالقدر الكافي للأخذ بها”، وتوصل إلى أن الظروف التي مات فيها أحمد “ما كان لها أن تحدث”.
اعترافات متأخرة، وليس هذا وحسب. اذ المطلوب ما بعدها، اجراءات قانونية تضعها تحت طائلة القانون وتعاقب المرتكبين لها وتحاسب المنتهكين وتجعلهم عبرة ودرسا لغيرهم، وتمنع الافلات من العقاب لكل من اقترف مثل هذه الجرائم التي لما تزل صراخات الضحايا فيها مدوية.

إلى الأعلى