الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العيوب الاقتصادية والنسخة اللبنانية

العيوب الاقتصادية والنسخة اللبنانية

عادل سعد

تحتل النسخة اللبنانية من عيوب الضرائب وارتفاع معدل الدين العام والصعوبة الجمة في تغطية بعض النفقات المستحقة، أقول تحتل تلك النسخة مركز الصدارة هذه الأيام ضمن قائمة الهموم الاقتصادية العربية، بل وتنذر بإفلاس تطلعات اللبنانيين إلى اقتصاد تحكمه العدالة، وكما هو الحال في لبنان، كذلك هناك نسخ مشابهة لها في دول يطول تعدادها إذا أخذنا بواقع الحال السائد من أزمات اقتصادية على صعيد العالم.
إن ما يعانيه لبنان في اللحظة الاقتصادية القائمة حاليًّا يأتي في إطار المناكفات والخصومات ضمن محاولات متكررة لتغطية نفقات سلسلة الرواتب والرتب للموظفين في القطاعين، الحكومي والأهلي على أساس الاستحقاق المشروع الذي أقره مجلس الوزراء وصوت عليه مجلس النواب، الأمر الذي أثار اعتراض الفعاليات الاقتصادية الممسكة بقدرات البلاد رافضةً الزيادة الطفيفة في الضرائب على أرباح البنوك المحلية، مع أن هذه الزيادة لن تنال إلا 5% من تلك الأرباح فحسب.
لقد دخل لبنان بما يمكن الاصطلاح عليه مناخ المماحكات والشد والتهديدات التي وصلت إلى حد التلويح (بالعصيان المصرفي) مما دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى توصيف تلك التهديدات الصادرة بأنها (كمن يطلق النار على أرجله) في إشارة إلى أن الأغلبية العمالية والموظفين هم المحركون الأساسيون للتنمية في البلاد.
إن الصورة المقربة للأحداث الاقتصادية اللبنانية الجارية تكشف عن وجود خلل واضح في مستلزمات مفهوم التضامن الوطني لإدامة التنمية البشرية التي يرى الخبراء أن جميع اللبنانيين بحاجة ماسة لها، وإذا كان لا بد من الاقتراب أكثر في معاينة تلك الصورة فإن من المهم أن نتوقف عند التشخيص الدقيق الذي أطلقه الدكتور حازم الببلاوي الخبير الاقتصادي المصري المعروف حين حذر من المغالاة في الإعفاءات الضريبية بذريعة توسيع دائرة الاستثمار، مع أن الوضع في الدعوة إلى تلك الإعفاءات لا يخرج عن دائرة السياسة الإرضائية لمنظومة رأس المال على حساب المنظومة التضامنية الوطنية العامة.
إن الخلل في المفهوم التضامني الاقتصادي الوطني تكرر في أكثر من دولة واحدة على مدى السنوات القليلة الماضية، فهو ما اشتكى منه الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال مواجهته لمواقف أعضاء الحزب الجمهوري في الكونجرس الذين تصدوا لإجراءات البيت الأبيض بهدف إصلاح اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية، وهو أيضًا ما اشتكت منه عدة دول لمواجهة بؤر الإفلاس في أكثر من ميدان واحد داخل مجموعة دول الاتحاد الأوروبي.
وعودة على بدء، لا يمكن الاستغناء عن المفهوم التضامني الاقتصادي الوطني لأنه صمام هامش الربح المعقول، وكذلك لأنه يضبط مسار النزعة الاحتكارية، ويعيد تراتب النظرة إلى أي نمو اقتصادي لأي بلد من منطلق مسؤولية كل المجتمع، أغنياء وأصحاب دخل محدود، بما يعزز التوازن في دورة الكتلة النقدية بما يحقق العدل، وهو مفتاح التنمية الحقيقية التي من شأنها أن تقلل هامش الفقر وتحافظ على معقولية الأسعار، وإشباع الحاجات الأساسية.
إن أية عيوب في مفهوم التضامن الاقتصادي الوطني لا بد أن يؤدي بالنتيجة إلى الكثير من التضارب في المصالح، ويفتح الطريق إلى المزيد من الإخفاقات والتباين في التنمية البشرية، وبذلك لا يمكن تحقيق إصلاح اقتصادي في لبنان أو في غيره من دول العالم.
إن حتمية هذا النوع من التضامن الوطني يُعد من أولويات المسؤولية الأخلاقية للدولة والمجتمع.

إلى الأعلى