الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : قابلية التغيير

رحاب : قابلية التغيير

أحمد المعشني

**
كثيرا ما أقابل المقاول سعيد في أحد البنوك التي أتردد عليها في صلالة، يجلس دائما في مكتب مدير التسهيلات والقروض، كنت أظنه في البداية من االزبائن الذين يدمنون الاقتراض وطلب التسهيلات. فهو يمضي ساعات طويلة في البنك يوميا، ولكنني اكتشفت بعد حين أنه يملك شركة مقاولات تحظى بسمعة جيدة، فذهب بي الظن أنه يتردد على البنك لتمويل المشاريع الكبيرة التي ترسو مناقصاتها على شركته، لكنني علمت لاحقا أنه يمتلك سيولة نقدية كبيرة في ذلك البنك، كما عرفت أن له في قطاع العقارات نصيبا لا يستهان به. أدركت أنه من الميسورين الذين يحفظون النعمة ويعاملون المال بمشاعر الحب والتقدير. ولكن هذه المعلومات لم تكن كافية لتبرير تواجده المستمر في ذلك البنك، وكنت أقول لا ينقصه إلا أن تكون عنده غرفة استراحة هناك، لكنني علمت متأخرا أنه يتاجر بالأسهم والعملات أيضا، وعرفت أن يمتلك أسهما في ذلك البنك، وأن جميع ايداعاته المالية مستقرة في ذلك المصرف، بل وعلمت أيضا أنه لا يقرب أمواله الخاصة في تمويل المشاريع التي كان يحصل عليها، ولكنه يركز في تمويل أعماله على الاقتراض بالرغم من وفرة السيولة المالية التي يمتلكها في ذلك البنك، فهو يضيف سعر الفائدة جنبا إلى جنب إلى قائمة أرباحه المتوقعة في عروض مناقصاته، ونتيجة لذلك فهو عميل مفيد جدا للبنك، لأن كل مشروع ينافس عليه يتخذ البنك شريكا فيه. أدركت أيضا أن ذلك العميل الحصيف لم يرث تجارة أو أموالا منذ بواكير حياته، وإنما بدأ حياته موظفا صغيرا في جهة حكومية في سبعينيات القرن العشرين عندما رجع كغيره من المواطنين إلى أرض الوطن، وفي غضون فترة قصيرة ترقى إلى وظيفة مدير في تلك المؤسسة الحكومية وبدأ يلاحظ بنفسه حجم المبالغ التي كانت تعطى لتشييد وبناء المشاريع، فقرر فورا أن يترك الوظيفة مبكرا وهو في عمر الشباب، وأنشأ شركته الخاصة في مجال المقاولات، في وقت كانت شركات المقاولات معدودة جدا في جميع أنحاء السلطنة، وبالرغم أن مؤسسته بدأت صغيرة ضمن مؤسسات الدرجة الرابعة؛ إلا أنه استطاع أن يجعلها من الشركات المثابرة ذات السمعة الممتازة، بفضل حنكته في الإدارة والتدبير، كان رأس ماله سيارة صغيرة من نوع داتسون، ينقل بها الرمل والإسمنت والمعدات، يعمل عليها كسائق، ثم أضاف إليها شاحنات أخرى واستقدم عمالا وفنيين، وبدأت مؤسسته تكبر وتكبر، وبدأت الأموال تقبل عليه بسخاء، ولم يكن ينفقها بسفاهة كما يفعل الكثيرون، بل خلق بينه وبين المال مودة ورحمة، واستمر يستخدم سيارة ذات دفع رباعي من طراز الثمانينات حتى مطلع الألفية دون أن يفعل كما يفعل أقرانه المقاولون، وبدأ الرجل يدعم ويساند المؤسسات الخيرية ويساهم بماله في خدمة المجتمع، ويعبد الطرق الى المناطق الريفية في النطاق الجغرافي لمشاريعه، وعندما لاحظ أن قطاع المقاولات بدأ يتضخم وتقل المشاريع الحكومية التي يعتمد عليها القطاع في محافظة ظفار غير استراتيجية استثماره إلى مجالات الاستثمار المالي والعقاري وأبقى على نشاط المقاولات في حده الأدنى تجنبا لأعباء التشغيل و حفاظا على الاستمرار ودرءا لمخاطر استنزاف رأس المال.
تمنيت أن يعطي هذا المقاول وأمثاله دروسا للشباب المقبلين على ريادة الأعمال ممن يسعون للربح السريع ولا يقيمون وزنا كبيرا لقيم العصامية والإلتزام وحب العمل والإنضباط والصبر وحسن إدارة المال.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى