الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حديث سائق “التوكتوك” .. الذي أثار شجون المصريين

حديث سائق “التوكتوك” .. الذي أثار شجون المصريين

” .. لم تمتلك مصر أعلى رصيد من العملة الصعبة على مستوى العالم في يوم من الأيام ولم تكن تشاد ولا السعودية تحت الحكم المصري, ولم تخلو حقبة من حقب التاريخ المصري المعاصر من أزمات اقتصادية ونقص في بعض السلع ولا نستطيع أن نتفق معه في عدم جدوى المشاريع القومية التي يكافح رئيس الجمهورية لإنشائها بحجة أن الأولوية لتوفير السكر والأرز والزيت.”

محمد عبد الصادق

ثلاث دقائق أطل فيها سائق التوكتوك على المصريين من خلال أحد البرامج التليفزيونية, كانت كفيلة بإحداث زلزال إعلامي وسياسي ضرب مصر من أقصاها إلى أقصاها؛ بعدما انتشر على شبكات التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم وتعدى عدد متابعيه الملايين, أطلق الشاب البسيط متواضع التعليم صرخة عفوية ضد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الفقراء في مصر, وضد تراجع دور مصر في محيطها العربي والإقليمي, وضد الإعلام الفاسد الذي يلوي الحقائق ويزيف الأحداث؛ حتى صارت عباراته ” تشوف مصر في الإعلام فيينا وتنزل الشارع تلاقيها بنت عم الصومال ” وأنا خريج توكتوك” نكتة يتناقلها المصريون.
الحقيقة أن ما قاله سائق التوكتوك ليس بجديد, فالشكوى من الأوضاع المعيشية أصبحت النغمة السائدة التي يمكنك سماعها من الجميع ليس في مصر وحدها ولكن في سائر بلاد العالم, ولكن سر اختراق عبارات سائق “التوكتوك” هي “الحرقة” والعفوية التي تحدث بها وأثرت في المصريين, حتى أن مجلس الوزراء المصري استنفر جهوده للبحث عن سائق “التوكتوك” لمحاولة احتواء ثورته ومعرفة دوافعه وخلفياته, وانبرى الصحفيون والإعلاميون وقادة الرأي في الدفاع أو الهجوم على سائق “التوكتوك”؛ منهم من وصفه بأنه صوت الغلابة والمطحونين الذين تضرروا من غلاء الأسعار, ومنهم من رآه خائنا وعميلاً ومدسوسا من الإخوان.
اللافت في واقعة التوكتوك هو كشفه الهشاشة وانعدام المناعة التي أصبح عليها المجتمع المصري, فمجرد أزمة في سلعة استهلاكية أو مقطع فيديو أو بضع عبارات عاطفية كفيلة بتأجيج المشاعر وتعكير الأمزجة وتغيير القناعات, فحديث سائق “التوكتوك” رغم تعاطفنا معه ملئ بالمغالطات والمعلومات غير الصحيحة: فلم تمتلك مصر أعلى رصيد من العملة الصعبة على مستوى العالم في يوم من الأيام ولم تكن تشاد ولا السعودية تحت الحكم المصري, ولم تخلو حقبة من حقب التاريخ المصري المعاصر من أزمات اقتصادية ونقص في بعض السلع ولا نستطيع أن نتفق معه في عدم جدوى المشاريع القومية التي يكافح رئيس الجمهورية لإنشائها بحجة أن الأولوية لتوفير السكر والأرز والزيت.
نعم هناك قصور في بعض الخدمات الحكومية مثل الصحة والتعليم وهناك إخفاقات في علاج مشكلة البطالة والعدالة الاجتماعية والقضاء على الفساد, ولكن هناك أيضا إنجازات متمثلة في حل أزمة انقطاع الكهرباء في وقت قياسي وإنشاء العديد من الطرق والأنفاق والجسور الحديثة التي ستسهم قطعاً في دعم خطط التنمية وخلق فرص العمل وإقامة مجتمعات عمرانية جديدة, وهناك محاولات حثيثة لتطوير العشوائيات ومساعدة القرى الأكثر فقرا في الصعيد.
لا يستطيع منصف أن ينكر أن مصر تواجه حربا حقيقية مع الإرهاب في سيناء فلا يمر يوم أو أسبوع إلاّ ويستشهد ضباط وجنود من خيرة شباب مصر الأوفياء حرب وصفها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بأنها ستكون طويلة, كما أن مصر تواجه مؤامرة في الداخل والخارج من جماعات وتيارات ودول وقوى إقليمية ودولية, ولا يمر يوم دون أن نرى ونسمع آثار هذه المؤامرة على أرض مصر, فرغم تمتع مصر بالاستقرار الأمني بعد أكثر من عامين من وصول النظام الحالي للسلطة, نجد دعاوى متكررة على شبكات التواصل الاجتماعي لا تكل ولا تمل ؛ تحرض الشباب على التظاهر والتخريب والثورة على النظام وكل مرة يحددون الزمان والمكان والتفاصيل ويشعرونك أن أيام النظام في الحكم أصبحت معدودة, وتتلقف الدول العظمى هذه الدعوات المشبوهة وتحذر رعاياها من عدم القدوم إلى مصر لدواعٍ أمنية , وتمر التوقيتات ولا نرى متظاهرا واحدا نزل للشارع وتنتهي الشائعة لتبدأ شائعة جديدة في إطار حرب نفسية منظمة تقودها القوى التي لا تريد للأوضاع في مصر أن تهدأ ولا للنظام الحالي أن يهنأ أو يتفرغ للبناء و حل المشاكل المزمنة التي تنغص حياة المصريين.
مرت مصر في السابق بظروف أصعب كثيرا مما يعيشه المصريون الآن, أتذكر وأنا طفل صغير الفترة الصعبة التي أعقبت هزيمة 1967م وكانت معظم موارد الدولة موجهة للمجهود الحربي وتجهيز الجيش للحرب, وكانت هناك عبارة تحكم تصرفات الجميع ” لاصوت يعلو فوق صوت المعركة” ولم تكن مصر عرفت هذا التفاوت الشديد في الطبقات, فلم نكن نعرف سوى المدارس الحكومية, وكنا جميعا نرتدي زيا موحدا وننتعل حذاء موحدا ونحمل حقيبة موحدة وكانت كل السلع بالبطاقة التموينية حتى الأقمشة والملابس الجاهزة, لم نكن نعرف طعم الدواجن أواللحوم إلا مرة واحدة في الإسبوع ولم نرى أنواع الشيكولاته والتفاح المستوردة إلا عندما يعود قريب لنا من رحلة سفر للخارج, وظل المصريون صابرين 6 سنوات حتى استطاع الجيش المصري تحقيق النصر ووضع قدمه على أرض سيناء.
الغريب في أمر المصريين المحدثين هذا التناقض الحاد في المواقف والمشاعر, فلطالما اشتكوا من انتشار التوكتوك في شوارعهم ومن سلوكيات سائقيه غير الأخلاقية ومن جشعهم واستغلالهم للركاب وكثيرا ما طالبوا الحكومة بمنعه من السير في الشوارع الرئيسية لما يسببه من ارتباك مروري وتعريض المركبات والمشاة للخطر بسبب رعونة سائقيه حديثي السن الذين يقودون بدون رخصة و تحت تأثير المخدرات, نسوا كل ذلك وتعاطفوا مع سائق التوكتوك وزادوا عنه ضد هجمات الإعلام المغرض والخوف عليه من الملاحقة الأمنية.
ظهر التوكتوك في مصر لأول مرة في مطلع الألفية الجديدة , بمدينة تسمى “السنبلاوين” تابعة لمحافظة الدقهلية بعد قيام أحد التجار باستيراده من الهند , وبعد نجاح التجربة انتشر “التوكتوك” في أغلب محافظات مصر , حتى وصل للقاهرة في العام 2005م , وظهر أولاً في الضواحي والمناطق العشوائية ومع قيام ثورة 25يناير , تجرأ رويدا .. رويدا مستغلاً حالة الانفلات الأمني وانسحاب الشرطة من شوارع العاصمة , حتى ظهر يسير بحرية في شوارع وسط البلد المحيطة بميدان التحرير , ومن وقتها تخوض أجهزة الدولة حرباً ضارية لمحاولة إعادة “التوكتوك” إلى الشوارع الجانبية دون جدوى.
ووفقا لآخر الإحصائيات وصل عدد “التكاتيك” في مصر إلى أكثر من 500 ألف يستخدمها يوميا حوالي 30 مليون شخص ويعمل عليها أكثر من 1.7 مليون سائق وهناك شركات مصرية تركت تجميع وتجارة السيارات واتجهت لتجميع وبيع التوكتوك بعد كساد تجارة السيارات ورواج سوق التكاتك , ورغم صدور قرار من الحكومة بوقف استيراد التوكتوك , إلا أن التجار بالتواطؤ مع بعض موظفي الجمارك يتحايلون على هذا القرار باستيراد أجزاء التوكتوك وإعادة تجميعها في مصر , ويصل سعر التوكتوك الهندي “21ألف جنيه مصري” حوالي ألفي دولار أميركي والمستعمل يصل لنصف الثمن.

إلى الأعلى